الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 05:10 ص

مع تكاثر الأزمات السياسية حولنا يزداد عدد أولئك الذين يتصدون للتحليل السياسي، سواء في السياق العلمي الأكاديمي أو الإعلامي الخبري، وتتداخل التحليلات وتتعارض بشكل يشوش في كثير من الأحيان على المتلقي.

يتوه المستمع أو القارئ أو المشاهد بين التحليلات المجيّرة سياسياً، وتلك المخصصة للاستهلاك الإعلامي، وتذوب التحليلات المبنية على المعطيات والممارسات التحليلية الأمثل في خضم هذا البحر الهائج والموج المتلاطم من المراقبين والمعلقين والمحللين، الذين يكتفي الكثير منهم بمسمى «محلل سياسي» ليبرر مغامراته التحليلية.

لكن هل التحليل السياسي علم؟

في الحقيقة هو خليط بين أدوات علمية أساسية، وما يسميه أحد الباحثين في مجال التحليل السياسي «الحدس». طور المختصون بمجالات العلوم السياسية والعلاقات الدولية المختلفة أدوات تحليلية كثيرة تساعد في فهم الواقع السياسي من حولنا. هذه الأدوات صممت في المساحة الوسيطة بين البحث العلمي والممارسة السياسية.

لذلك تتسم هذه الأدوات بالعملانية، وكأي أدوات تحليلية أخرى تركز هذه الأدوات على عناصر العملية التحليلية الثلاثة: المدخلات، وعملية التحليل، والمخرجات.  

المدخلات في هذا السياق هي المعلومات المتوفرة حول موضوع التنافس السياسي وأطراف النزاع إن وجد، أو اللاعبون السياسيون والسياقات المختلفة التي يأتي فيها الحدث السياسي.

ففي الأزمة الخليجية مثلاً يمكننا القول إن موضوع التنافس هو النفوذ الإقليمي. واللاعبون هم دول الحصار وقطر وأطراف الوساطة وأصحاب المصالح. والسياقات هي الاقتصاد والسياسة الداخلية لكل دولة والعلاقات الدولية وغير ذلك.

كل هذا يدخل في مطبخ تحليلي يربط كل العناصر معاً، ويستخرج لنا مجموعة سيناريوهات سياسية تكون عادة ثلاثة أساسية:

- الأول يفترض النتيجة الإيجابية،

- الثاني يفترض المراوحة،

- الثالث يتوقع النتيجة السلبية.

ويبقى على المحلل السياسي التعرف على ما يحتاجه كل سيناريو حتى يتحقق، وثم ترجيح أحدها بناء على المعطيات المتوافرة.

الخبرة في التحليل السياسي وسعة الاطلاع تساهم في تشكل «الحدس»، وهو تلك القدرة على التنبؤ بما سيحدث أحياناً بالاستفادة من السوابق السياسية، وأحياناً بالاستعانة بالتخمين بشكل علمي.

لذلك نجد أحياناً بعض المحللين المخضرمين يتوقعون أحداثاً جسيمة لا يتوقعها غيرهم، ومن أبرز هؤلاء في التاريخ الحديث تشرشل الذي توقع الحربين العالميتين قبل حدوثهما بفترة طويلة، وفي كل مرة كان يواجه موجة من الانتقادات باعتباره متشائماً.

نُتهم كثيراً كمختصين في مجالات العلوم السياسية بمحاولة احتكار التحليل السياسي، الواقع هو أن أفضل المحللين السياسيين ليسوا هم من يقبع خلف أدراج المكاتب في الجامعات، بل هم أصحاب التجربتين العلمية البحثية والسياسية العملية، هؤلاء يدركون أبعاداً عميقة تغيب عن الأكاديميين والسياسيين على حد سواء.

من يرغب في التصدي للتحليل السياسي أياً كانت خلفيته عليه أن يبذل المجهود الكافي في تأسيس قدراته التحليلية، وفي المتابعة اليومية للأخبار، واستيعاب الأدوات التحليلية.

وهذه العملية بحاجة إلى سنوات من التجربة والخطأ، حتى يمكن للشخص أن يقدم للشارع رؤية متوازنة مدروسة بعيداً عن التخمين غير العلمي والانجرار العاطفي خلف تحليل مبني على التمني أو الهلع والتخويف.

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة قطر.