الجمعة 3 نوفمبر 2017 08:11 ص

فيلم اليوم «Maudie أو مودي» كندي ـ إيرلندي مشترك أٌنتج العام الماضي وطرح تجاريًا منتصف العام الحالي؛ وهو خير دليل على أن الأفكار الجيدة يمكنها أن تقود مسيرة فيلم بتكاليف إنتاج قليلة ليتصدر شباك التذاكر ويعلق بأذهان الجمهور.

إننا أمام دراما مقتبسة من سيرة ذاتية للفنانة الشعبية التشكيلية الكندية «مودي دولي»؛ التي رحلت عام 1970 بعد أن صنعت حياتها الخاصة شبه الأسطورية، وتركت علامة مضيئة في تاريخ المُعوقين؛ وبحسب هيئة الإذاعة الكندية فإن صُنّاع فيلم اليوم لم يكونوا يتوقعون ما حققه من نجاح وإقبال جعله في المراتب الأولى في تصنيف أفلام العام الحالي، إذ تم طرحه في 16 من يونيو/حزيران الماضي.

أما سر نجاح فيلم بسيط الإنتاج قليل المُمثلين؛ ليس فيه تعرض لا للجنس ولا السياسة أو الدين ثالوث السينما الأشهر؛ فلعله شوق المشاهد إلى أعمال درامية تهديه بسمة أمل ورونق تفاؤول في ظلم عالم تظلله تصرفات حمقاء من الحكام .. وتحالفات سيئة من الساسة؛ ومآسي لا نهاية لها من المطحونين المغلوبين على أمرهم من كثير من الشعوب.

يمثل فيلم «مودي» للمخرج «آيلنغ والش» نسمة بهجة في واقع عالم اليوم؛ كأفلام: «فورست غامب»، «اليوم الثامن»، «عطر امرأة»، «زروبا اليوناني» .. أو نوعية الأفلام التي تترك المشاهد أكثر نبلًا بعد مشاهدتها.

بين الكلاب والرؤساء والبشر

«للنجاح ألف أب وليس للفشل أب واحد»؛ مقولة يتردد صداها عند متابعة فيلم ناجح بسيط التكوين يُضيف للحياة ولا يأخذ منها أو يُنقصها، فيلم اليوم رغم قصته المميزة؛ وتألقه في قراءة دواخل النفس البشرية، وتفسير سر تغيرها من النقيض إلى النقيض التام؛ وأن الإصرار على النجاح مع استخدام العقل يصل بالإنسان؛ مهما كانت ملكاته وقدراته الجسدية بسيطة إلى ما يريد وزيادة .. رغم كل هذا كان لفيلم اليوم أسباب نجاح  أخرى تضافرت وتكاملت مع ما ذكرنا رغم كونها شكلية أكثر بساطة، وربما لا يتخيل كثير من المشاهدين أن تساهم تلك الأسباب في نجاح عمل كهذا؛ كما سنرى.

تقع أحداث الفيلم في قرابة 115 دقيقة، وتم تصويره في قرابة 6 أسابيع فحسب، وبمُمثلين لا يتجاوزون أصابع اليدين .. بما فيهم أصحاب الأدوار الثانوية.

يتناول الفيلم المرحلة العمرية الأكثر أهمية من حياة ابنة مدينة «ديغبي» في «نوفاسكوشا»، (تم تصوير الفيلم في نيوفاوندلاند واللأبرادور) الراحلة «مودي دولي».

تعاني «مودي» أو (سالي هوكنز) من التهاب حاد في المفاصل يكاد يصل إلى شلل في إحدى القدمين واليدين؛ وبعد تقدمها في العمر يتحكم أخوها «تشارلز» (زاكاري بينت) في حياتها؛ فيودعها لدى عمتها «آيدن» (غابريل روز)، وتستشعر الأخيرة ثقل «مودي» عليها فهي تحتاج إلى عناية دائمة بل ترتيب لأغراضها، بخاصة أدوات الرسم التي تبعثرها في أنحاء المنزل.

وفي المقابل يقرر شقيق «مودي» «تشارلز» بيع منزل العائلة لحسابه الخاص، دون الرجوع لشقيقته الوحيدة أو حتى اعتبار لوجودها رغم اعتراضها الشديد، وفي مقابل تذمر العمة «آيدن» من رغبة «مودي» بالسهر والسكر في محاولة يائسة لتعويض آلام تجاهلها من جانب الجميع .. تقرر «مودي» الاستقلال بحياتها رغم عدم امتلاكها المال أو غيره.

وعلى طريقة المثل العربي الأشهر «داوها بالتي كانت هي الداء» أو زيادة المشكلات وتعقيدها رغبة في حلها، تقرر «مودي» الذهاب إلى المريض النفسي (المُتوحد) «إيفريت لويس» أو (إيثان هوك)؛ مٌستجيبة لإعلانه عن طلب مديرة لمنزله؛ أو خليلة وعشيقة وخادمة مقابل حاجاتها الضرورية.

تكثيف التناقض الدرامي في بداية الفيلم منتهى الذكاء من صُنّاعه، فلدينا «مودي» التي تتحرك بصعوبة ولا تتحكم في قدمها ويدها؛ وهي تريد التعايش مع مصاب بالتوحد سيئ الظن يريد منها خدمته كما يريد لا كما يُفترض، وكلما طردها عادت إليه؛ رغم ثقافتها وجهله إذ يعمل «إيفريت» بائع سمك وخشب متجول.

من جمل الفيلم الرائعة المحورية المتكررة قول «إيفريت» لـ«مودي» إنه الأول في المنزل ثم الكلاب والدجاج .. وبعد صمت و .. «أنت»؛ إذ إنه لا «وجود حقيقي لها في ظل منظومة حياته».

العقل الأنثوي بداخل الفنانة الفطرية «مودي»، وإن كانت ملامحها العامة لا تتصف بالجمال، عقل المرأة يهديها إلى استغلال ضعفها لاحتواء رجل صاحب عضلات لكن بلا عقل، (من طرف ما كالراحل سعيد صالح في مسرحية مدرسة المشاغبين).

 مع تصاعد أحداث الفيلم تداعب «مودي» قلب «إيفريت»، وتبدأ بمعاونة الصحفية «ساندرا» أو (كاري مانشت)، التي تزور المنطقة الريفية المحيطة بالمدينة في الصيف، تبدأ «مودي» في الاشتهار وبيع لوحاتها بدولارات قليلة .. ومع الأيام تُحول البيت الفقير إلى مرسم حر .. ثم يبزغ نجمها مع انتقال التلفزيون للتصوير معها وتعريف الناس على حالتها الإنسانية؛ حتى يطلب نائب الرئيس الأسبق «نيكسون» لوحة لها.

وهنا يعاني الزوج «إيفريت» من الغيرة الحمقاء التي تتزايد مع التقدم في العمر .. وفي اللحظة التي تخبر «آيدن» (العمة) «مودي» فيها أن ابنتها؛ التي جاءت بها الأخيرة من علاقة غير شرعية، .. لم يتم دفنها كما قيل لها منذ سنوات بعيدة .. بل إن أخاها «تشارلز» باعها .. وفي لحظة انهيار «مودي» يخبرها «إيفريت» إنه ملّ حياتها وأن كلبًا أفضل له منها (جملة الفيلم المحورية تتحور وتتكرر متطورة مرة أخرى).

وفي مشهد من أروع المشاهد السينمائية تحمل «مودي» جراحها إلى الصحفية «ساندرا» لتقيم لديها باكية عدم احترام المجتمع لتناقضها البشري المُتمثل في ضعفها الجسدى رغم قوتها النفسية، وفي السرير الرحب لا يجد الزوج «إيفريت» شريكته، بل رسمًا كاريكاتوريًا لها وله في زي الزفاف ولما يذهب ليصالحها تقول له في إنسانية عالية: «هل مللت الكلاب؟».

لما اشتهرت الفنانة التلقائية «مودي» أكثر وصارت أهم فنانة تشكيلية كندية شعبية وعُلقت لوحاتها في البيت الأبيض بعهد «نيكسون» وصار بيتها مزارًا لجميع الباحثين عن جمال الطبيعة جاءها أخوها «تشارلز» عارضًا خدماته، وقالت عمتها «إيدن» إنها (مودي) عرفت السعادة التي لم تزر العائلة .. ولكن «مودي» قبيل موتها تقول لزوجها: «ستعود لتربية الكلاب مرة أخرى!».

 نجاح الألوان والظلال

لعبت الألوان هي الأخرى دورًا رئيسيًا في إنجاح الفيلم، إذ حقق انتشار اللون الأزرق؛ ومراعاته عند تصحيح الألوان راحة لعيني المشاهد؛ كذلك تضافر معظم مراحل الفيلم التي وقعت في الربيع مع التركيز على ألوانه الزاهية بكاميرا «غاي غود فري»؛ وحرص «مودي» على الألوان المشرقة في لوحاتها، كل هذا تضافر لإبراز لفتة الأمل التي تميز الفيلم بها، وتوافق مع ذلك جودة الموسيقى التصويرية لـ«مايكل تيمنس».

فيلم «مودي»: إشراقة أمل تمثلت في معزوفة سينمائية رائقة تضافرت لأجلها مكونات سينمائية في الشكل والمضمون .. لولا بعض الفقر في الإنتاج!

المصدر | الخليج الجديد