الأحد 5 نوفمبر 2017 07:11 ص

في الرابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول، أي اليوم الأول لانعقاده، قرر المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني إضافة «فكر شي جينبينغ عن الاشتراكية بصفات صينية لعهد جديد» إلى مجموعة المبادئ الأساسية والمعتقدات التاريخية التي تقوم عليها فلسفة الحزب، المعنى كبير والمغزى عميق.

* * *

صدور قرار عن أهم مؤتمر يعقده أهم حزب سياسي في العالم هو في حد ذاته تطور هام، أما وأن يصدر في اليوم الأول، فمعناه أن كل ما عرضه ويعرضه الرئيس على المؤتمر كإنجازات حققها في عهده الأول ومشروعات ينوى تنفيذها في عهده الثاني فجميعها صارت في حكم الفكر المحصّن حصانة لم يتمتع بها من قبل سوى فكر الرئيس «ماو تسي تونغ» وفكر خليفته الرئيس «دنغ شياو بينغ».

واقع الأمر أن الرئيس «دنغ» خليفة الرئيس «ماو» لم يحظ بالشرف الذى حظى به الرئيس «شي»، وهو تشريفه وهو حي يرزق بإعلان فكره جزءا من المبادئ الرئيسية للحزب، إنما بعد خروجه من السلطة.

بمعنى آخر يصبح الرئيس «شي» أحد اثنين فى طابور الخالدين بسلطان لم يتوافر لأى من الرؤساء الذين جاءوا إلى الحكم بعد وفاة الرئيس «ماو»، في الوقت نفسه وبهذا التمجيد، أصبح فكر الرئيس «شي جينبينغ» في الاشتراكية يأتي الرابع بعد «كارل ماركس» و«فلاديمير لينين» و«ماوتسى تونج»، هو الآن في حكم المرجعية الأيديولوجية للنخبة الحاكمة في الصين مثله مثل الرئيس «ماو».

* * *

هذا التطور يعرف قدره وأهميته السياسية حق المعرفة أعضاء الحزب الشيوعى الصيني وكبار البيروقراطيين وقادة الجيش والخبراء الأجانب في الشئون الصينية ومخططو السياسات الخارجية في الدول الكبرى.

هؤلاء جميعا يجمعهم الآن الاهتمام المشترك بدولة على مشارف العظمة ورئيس لها يتمتع بسلطات تكاد تكون غير محدودة، بل أسطورية في بعض جوانبها، يقود حزبا سياسيا تجاوز عدد أعضائه رقم 89 مليونا وشعبا بنسبة ربع سكان الأرض ويحظى بنفوذ داخلي غير مسبوق، على الأقل منذ وفاة الرئيس «ماو»، هذا النفوذ لن يأخذ وقتا طويلا قبل أن ينعكس نفوذا إقليميا ثم دوليا.

* * *

أتصور أن المعنيين بصنع السياسة الخارجية فى دول عربية يجمع بينها القلق على مستقبلها سوف يبذلون جهدا أكبر لتقدير أهمية التطورات الجارية فى الصين وانعكاساتها على خططها ورؤاها، نتكلم كعرب، كثيرا عن الصين ولا نفعل معها أو بها شيئا مهما.

تزورها الوفود وفي أحسن الأحوال يعود أعضاؤها منبهرين، وفي أسوأ الأحوال يعود كبار المسؤولين حاملين حسدا وغيرة واقتناعا زائفا بأنه بالقمع وحده تتحقق المعجزات، ينسون كل شيء آخر ويعودون إلى أحضان أصدقائهم الغربيين.

حاولت كثيرا معرفة سبب النفور وفشلت، كنت صغيرا حين بث في عقلي المعلمون والأهل ثقافة الانبهار باليابان، وكنت شابا حين قوبل بالاستهجان من زملائي ابتهاجي بقرار نقلى للعمل في الصين في مرحلة لعلها من بين الأصعب في تاريخ الشعب الصيني بل تاريخ أي شعب.

نهضت الصين وظلت الطبقات الحاكمة والمتعلمة في بلادنا تعتبر الصين دولة، مثلنا، متخلفة، تنتج سلعا رخيصة، لن تنتج أفلاما كأفلام هوليوود ولا حتى بوليوود، لم تبدع موسيقى على النمط الكلاسيكي الأوروبي.

* * *

دولة إن هى حقا أبدعت فقد أبدعت في التقليد، هنا يجب علينا أن نتوقف مرة أخرى أمام إعلان المؤتمر التاسع عشر تبنيه إنجازات وتعهدات الرئيس «شي» باعتبارها فكرا اشتراكيا بصفات صينية.

هذا الإعلان لم يأت من فراغ، أذكر أن الرئيس «شي» طرح عبارات مماثلة في مناسبات ودول عديدة زارها خلال عهده الأول، أهمها كان الطرح في مؤتمر دافوس حين وعد بعولمة تصوغها الصين وتقودها، تتفادى في إدارتها سلبيات ونقص العولمة الرأسمالية الأمريكية.

عولمة تتصف بصفات صينية، أعرف أن المسؤولين في الحزب الشيوعي الصيني عن قطاع السياسة الخارجية الصينية قضوا السنوات الأخيرة يجرون التجارب على هذه الفكرة، فكرة العولمة بصفات صينية.

أعرف أيضا أن الحزب لم يتبناها جزءا من فكر الرئيس «شي» ولم يُحِلها كسياسة عامة إلى بيروقراطية الدولة للتنفيذ إلا بعد أن اطمأن إلى صلاحها ونجاعتها عبر التجريب فى ثلاثة مواقع على الأقل، جربوها فى باكستان فى مشروع ميناء جوادار، وجربوها فى مشروع خط سكة حديد شرق أفريقيا، وجربوها في مشروع إنشاء أول قاعدة خارجية متعددة الأغراض في جيبوتي.

* * *

دبلوماسيونا وصناع سياساتنا الخارجية لا بد أنهم استعدوا بالخطط والأفكار للحظة الالتقاء بجانب أو آخر من جوانب خطة الصين فى السنوات القادمة ولا أقول خطتها طويلة الأمد للعقود القادمة كما جاءت لمحات عنها في كلمات قادة الحزب في المؤتمر.

هنا لا أشير إلى الاستثمارات وصفقات الإعمار العملاقة حتى الصغرى وشبكات نقل داخلية وشبكات تربطنا بأفريقيا وآسيا وتمتد غربا على الساحل حتى طنجة، فهذه تضم بعضها ملفات يحملها أعضاء الوفود معهم في رحلاتهم الروتينية إلى الصين، ويعودون بها وأغلبها لم يجر تحديثه منذ سنوات وبعضها لم يفتح، إنما أشير إلى أمور وقضايا تبدو للكثيرين بعيدة أو غير جوهرية.

كانت بالفعل بعيدة عندما كانت الصين ترتقي سلم القيادة والنفوذ الدولى بتدرج وحرص شديدين، وكانت بالفعل غير جوهرية عندما كانت مصائرنا معلقة بمصير دول الغرب ولا مكان فى قلوبنا وعقولنا للصين أو لغيرها، وعندما انكفأنا على أنفسنا لعقدين أو أكثر فقدنا فيها معظم أرصدتنا الخارجية الناعم منها والصلب.

لا أشير إلى الماضى أو حتى إلى واقعنا الراهن بين دول العالم، وإنما أشير إلى مستقبل مصر فى الشرق الأوسط: مجالها الحيوى بالمعنى الطيب لهذا التعبير! وأشير في الوقت نفسه إلى الدور الذي تستعد الصين للقيام به في هذا الإقليم.

يعرفون في بكين أن دولا عظمى وإمبراطوريات احترقت أطرافها فى الشرق الأوسط أو بدأ فيه انحسارها، لن تتدخل إلا بعد أن تهدأ النيران المشتعلة وتخمد شهوة القتل والتخريب وينتهى عصر الكنوز والثروات الطائرة.

أظن أنها لن تلعب فيه منفردة ولن تدخله بدون الاستعانة بقوى إقليمية نافذة ومؤثرة، أرشح مصر شريكا أصيلا ومستقلا، يدفعني أمل أن تكون مصر قد تخلصت من قيود داخلية تحد من قوة اندفاعها وتحللت من قيود وتحالفات خارجية تشتت أفكارها وتبعثر طاقتها وتشدها شدا نحو لعب أدوار ثانوية.

* * *

تستطيع سياستنا الخارجية أن تكون الواسطة لنقل أبلغ الدروس، إحدى أهم مشكلات بلادنا صعوبة تجديد النخبة الحاكمة بدون اللجوء إلى العنف، استطاع الرئيس «شي» خلال عهده الأول، أي خلال خمس سنوات، التحقيق مع أكثر من مليون قضية فساد في مستويات السلطة.

بهذا المعنى يستطيع الرئيس إحداث تغييرات دورية في تركيبة النخبة الإدارية ونخب الحكم وفي الوقت نفسه تطهير أجهزة الدولة من الفساد.

أضف إلى ذلك أن قواعد عمل الحزب تقضي بضرورة التغيير الدائم في شغل الوظائف القيادية، الرئيس يقضي في الحكم دورتين يتعين عليه في نهاية المرحلة الأولى اختيار خليفته الذي سيقضي معه دورة كاملة، هكذا تتحقق الاستمرارية في الخبرة في الشئون الدولية فلا يتولاها من لم يمارسها قولا وفعلا قبل أن يحمل مسؤوليتها.

* * *

يتعهد الرئيس «شي جينبينغ» بأن سياسته الخارجية سوف تنحاز إلى جانب الفقراء والشعوب المظلومة، تعهد أيضا بأن الصين سوف تسعى لبناء نظام دولي جديد يحترم مبادئ العدالة وعدم التدخل.

يفهمون في الصين مبدأ النظام الدولي العادل بأنه النظام الذي تتوازن فيه قوة الدول العظمى، ويسعى لإزالة الفقر، خوفنا الوحيد نابع من أن الصين قوة هائلة تقف الآن وستقف لوقت غير قصير منحازة ضد حقوق الإنسان السياسية والأخلاقية.

بمعنى آخر سوف تجد في الشرق الأوسط من يرحب بها من نخب الحكم على اختلاف مشارفها ومن يعاملها من ممثلي الشعوب خاصة الأجيال الشابة ببرود إن لم يكن بعداء وشكوك وكراهية.

* * *

قيل في المقارنة بين الرئيس «ماو تسي تونغ» والرئيس «شي جينبينغ»، فى سياق التعليق على خطاب الأخير بالمؤتمر التاسع عشر للحزب، قيل إن الرئيس «ماو» كان لديه الطموح لقيادة العالم ولم تكن لديه الإمكانات، أما الرئيس «شي» فلديه الإمكانات اللازمة لملء مقعد القيادة الدولية، وهو شبه فارغ الآن، ولكن لا يوجد لديه الطموح.

أعتقد، بعد مراجعتي لخطاب الرئيس الصيني واطلاعي على بعض أوراق المؤتمر وآراء المتخصصين، أن الصين جاهزة بالطموح وهي في انتظار الحدث المناسب.

* جميل مطر مفكر مصري مخضرم مهتم بالشؤون الدولية والتحول الديمقراطي، مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.

المصدر | الشروق المصرية