فيلم The Great Gatsby أو «غاتسبي العظيم» للمخرج «باز لورمان»، الذي نتناوله اليوم هو النسخة الخامسة لأفلام أمريكية حملت نفس الاسم بدأت في الصدور منذ عام 1949 حين قدم المخرج «إليوت نوغنت» القصة نفسها؛ وهلم جرا حتى نسخة عام 2013 بطولة «ليوناردو دي كابريو»؛ وقصة الفيلم الأصلية مأخوذة عن رواية للكاتب «فرنسيس سكوت فيتزغيرالد»، صدرت في 10 من أبريل/نيسان 1925، ولقيت الرواية حينها فشلا ذريعا رغم تأكيد الناشر أنها ستنال حقها من الشهرة، وهو ما حدث لكن بعد وفاة المؤلف «فيتزغيرالد» (1896-1940) حين أعيدت طباعتها عام 1942 وقررت على طلبة المدارس الثانوية الأمريكية بعدها.

يؤكد نقاد سينمائيون أن نسخة فيلم «دي كابريو» الأخير الأقرب إلى روح الرواية، ولعل جزء من إشكالية الرواية أنها لم تعد مقصورة  على تحويلها إلى أفلام أمريكية بل تجاوزت ذلك إلى أفلام عالمية.. منها على سبيل المثال فيلم «الرغبة» الذي أخرجه الراحل «محمد خان»، وقام بكتابة السيناريو والحوار له «بشير الديك»، وأسندت البطولة فيه للراحل «نور الشريف» لتصدره السينما المصرية عام 1980.

كما أنه على إثر إنتاج نسخة «دي كابريو» عن فيلم «غاتسبي العظيم» تم بيع قرابة 185 ألف نسخة من الرواية إلكترونيا، بالإضافة إلى بيع 25 مليون نسخة ورقية منها حول العالم منذ صدور الرواية، كما تمت ترجمتها إلى 40 لغة.

عصر الجاز والخمور

خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الأولى وقد تم تدمير أحلام شبابها في تحقيق السعادة والحياة في أرض الأحلام التي وعدهم الساسة بها، ولذلك تعمد المقبلون على الحياة وغيرهم ـ من الجنسين ـ الانغماس في الملذات، والنهل من المتع الحسية بلا حدود، والاعتماد على المال لتحقيق الرفاهية وتناسي آلام الحرب والمأسي التي خلفتها.

ومن هنا جاء عمل كثيرون في «وول ستريت» رغبة في الوصول إلى الثراء السريع والربح الوفير، ومن جانب آخر تمت تسمية تلك السنوات بـ«عصر الجاز» لانتشار هذا النوع من الموسيقى الطاغي وحب الأمريكيين البالغ للرقص على انغامه، ومن ناحية أخرى تم تجريم تجارة الخمور في أمريكا عام 1919.. ليتسبب القرار في إثراء عدد من الشخصيات بشكل غير طبيعي وانتشار الخمور أكثر.. بل رخص ثمنها.

يقتحم المؤلف «فيتزاغيرالد» عالم سنوات ما بعد الحرب، وانكسار الحلم الأمريكي عبر ظهور الشخص الغامض «جاي غاتسبي» أو (ليوناردو دي كابريو) كما في نسخة اليوم من الفيلم؛ كشاب ثلاثيني من أسرة بالغة الفقر من الشمال الغربي؛ شارك في الحرب والتحق بـ«جامعة إكسفورد» كضابط لأشهر خمسة في عام 1919، ولكنه وقع في حب الفاتنة «ديزي بوكانان» (كاري موليغان)؛ ومنعه مستواها الطبقي العالي وثراء أبيها من الارتباط بها، وليحل المشكلة يعمد إلى تجارة وبيع الخمور وقت تجريمها مع مجموعة من المهربين، وهكذا عبر سنوات قليلة يلمع نجمه في نيوريورك كلها، إلا أن محبوبته تكون قد تزوجت لتبدأ الأحداث في التعقيد.

وعبر الحفلات الصاخبة التي تمكن مدينة نيويورك العملاقة كلها من شرب الخمور وتناول أشهى الأطعمة والرقص على انغام فرق الجاز.. يبدو «غاتسبي» أكثر غموضا، بخاصة مع تقربه إلى جاره «نيك كاراواي» (توبي ماغواير) بلا سبب مفهوم.

ومع مرور الوقت وعبر مقدمة طويلة أقرب بالأجواء الدرامية المسرحية منها للسينمائية.. من حفلات ماجنة، وبذخ في الإنفاق.. ولأكثر من نصف الساعة لا تبدو شخصية «دي كابريو» في الفيلم إلا لثوان، حتى تكشف صديقته لاعبة الجولف المحترفة «غوردان بيكر» أو الممثلة الأسترالية (إليزبيث ديبيكي) عن حزمة من أسرار «غاتسبي» لجاره وصديقها الجديد «كاراواي»، وسر علاقته بـ«ديزي»، ابنة عم «كاراواي» وفي نفس الوقت فإن زوجها «توم بوكانان» صديقه في الدراسة.

الخيانة عبر أطراف متعددة

في خضم أزمة «غاتسبي» النفسية يدعو «بوكانان» زوج «ديزي» صديقه «كاراواي» (وصديق غاتسبي المقبل) إلى حفلة ماجنة مع عشيقة «ميرتل» أو (إيلا فيشر)، والأخيرة زوجة لـ«ويلسون أو «غيسون كلارك العامل في محطة تزويد بالوقود في أطراف المدينة، ومع تطور الأحداث يكتشف العشيق «بوكانان» أن زوجته «ديزي» صارت عشيقة لـ«غاتسبي»، وأن الأخير يريد صبغ العلاقة المحرمة بالشرعية والخروج إلى النور وتطليق عشيقته «ديزي» من «بوكانان» ليتزوجها «غلاتسبي».

ورغم توغل «بوكانان» في علاقة محرمة هو الآخر إلا أنه لا يقبل بعلاقة زوجته «ديزي» مع «غاتسبي».. بل يرى الأمر صراعا صفريا يجب أن يفوز فيه، ومن هنا ينتهز دهس زوجته «ديزي» بحضور «غاتسبي» لعشيقته «ميرتل» لتحريض زوجها معدوم الثقافة والإمكانات «ويلسون» على قتل «غلاتسبي» مدعيا أن الأخير قام بدهس زوجته «ميرتل»، كما أنه عشيقها.. وبالفعل يقتل «ويلسون» «غلاتسبي» ثم ينتحر.

الرب مرتديا نظارة

إحدى جمل الفيلم تكرر طوال الوقت بصحبة لوحة في شارع رئيسي على نحو ممل لتأكيد محورية الجملة؛ تمثل اللوحة الرب مرتديا نظارة ليراقب ما يجري (!)، وهو يشاهد مصرع «غاتسبي» في النهاية دون تدخل لتغير الأحداث، وعلى قدر ما تطرح العبارة هجوما فجا مباشرا على المسيحية بقدر ما تشير إلى ذاتية في تجربة خاصة للكاتب «فيتزغيرالد» تتماهى مع أحداث الفيلم أو تتداخل دون اكتمال، وهو ما لم ينكره الأخير بالاعتراف بأن طرفا من الرواية يخص زوجته «زيلدا» (اسم محبوبة غاتسبي ديزي والتشابه واضح بين الاسمين).

الأمام والخلف ومسيرة الحياة

يعود الفيلم لرصانة الأحداث النسبية لاحقا؛ ومنها مقولة «كاراواي» صديق «غاتسبي» في نهايته: «وهكذا، كنا تسير قدما الى الأمام وكأننا في مركب يسير عكس تيار يحاول من دون هوادة أن يدفع بنا الى الوراء نحو الماضي»، في إشارة إلى «ديزي» المحبوبة التي مثلت ماضي «غاتسبي» الذي أودى به في مقابل المستقبل الزاهي الذي كان ينتظره لو لم يتورط في عشقها، وأيضا استمرار حياتها وزوجها وجميع الذين كان «غاتسبي» يسعدهم عبر مظاهر الفساد في قصره.. وتنكروا له في النهاية.

جاء الفيلم كله عبر تقنية «الفلاش باك» وتعمد المؤلف تحويل شخصية «كاراواي» إلى مؤلف يروي الأحداث لطبيب نفسي بعد سنوات من وقوعها ثم يؤلفها.. وهو ما أبرز أحد عيوب الفيلم من الإطالة في الأحداث ونسيان أنها تمثل استرجاعا أو تقنية «الفلاش باك».

جاءت موسيقى الفيلم التصويرية والديكور بشكل مناسب إلا أنه من طرف آخر عابته الإطالة (قرابة 142 دقيقة) وإن كانت مستسغاة في البداية للتمهيد لظهور «دي كابريو» وثرائه وأجواء ما بعد الحرب العالمية فإن الأمر لم يكن مستساغا في مراحل الفيلم.

فيلم «غاتسبي العظيم» نسخة 2013 إبداع في تجسيد اجواء ما بعد الحرب العالمية الأولى وحلم المثالية الأمريكية لولا الإطالة والمبالغة في تصوير مظاهر الانحلال والفساد..!

المصدر | الخليج الجديد