الأحد 17 ديسمبر 2017 02:12 ص

فيما يبدو أنه تمادٍ في الردة العربية المتفاعلة، وصل الأمر ببعض أنصار التخاذل عن دعم الحقوق العربية الإسلامية إلى درجة التهجم على القضية الفلسطينية نفسها، وليس التظاهر فقط بانتقاد من يمثلها. وكانت الدعوى التي استندت إليها هذه الانعطافة في الانحطاط الأخلاقي أن الدول المعنية كانت سبّاقة إلى دعم القضية، لكن "أصحابها" تنكّروا للجميل!

لكن لعل هذه السقطة ارتدّت على من أوعز بها، لأننا شهدنا إعلام الرّدة يتراجع بسرعة، ويتحول إلى نغمةٍ جديدة، مفادها بأن سبْقَ هذه الدول القديمَ في دعم القضية الفلسطينية يدعمُهُ اليوم التزامٌ متجدّد، حيث أن الدول إياها هي اليوم في مقدمة الداعمين، والقضية من أولى أولوياتها.

وسارع بعضهم إلى دفع ما عليه من متأخرات للسلطة الفلسطينية، وهي في واقع الأمر أتاوات لإسرائيل، لأن مسؤولية إدارة الأمور في فلسطين إسرائيلية أولاً وأخيراً، بما في ذلك تقديم الخدمات من تعليمية وصحية وغيرها. فمن ملك الأرض وادّعى السيادة مسؤول عن كل من عليها. ولو كان دعم السلطة الفلسطينية دعماً للقضية الفلسطينية، لما كانت أميركا والاتحاد الأوروبي في مقدمة هؤلاء الداعمين.

مهما يكن، فإن هذا العطاء المتبع دائماً بالمنّ والأذى، استخدم لاستنطاق قيادات فلسطينية بمدح دعم هذا الطرف وذاك باعتبارهم أول وآخر من دعم القضية الفلسطينية التي نادى مناديهم قبيل ذلك بأن "حريقة" فيها.

لكن يبدو أن هذا التراجع المذعور أمام مد شعبيٍّ يخشى بأسه لم يكن كاملاً، لأن القارئ والمتتبع لإعلام الردة يجد في الصحف نفسها أحياناً ما يذكّر بالضلال القديم الجديد، من اتهاماتٍ لمن يتصدّى لدعم القضية الفلسطينية بأنه انتهازي أو منافق أو ضارّ بالقضية من حيث لا يشعر.

وهذه إدانةٌ غير مباشرة للذات. فعندما يتهم كل من تصدّى للقضية الفلسطينية بأنه صاحب غرض، أو ضال مضل، أو إرهابي متطرّف، وفي الوقت نفسه، يُحتفى ويُستشهد بأقوال من ادّعى في زمن سابق استعداده للموت في سبيل القضية، فكيف تثبت براءة هذا الأخير من الغرض؟

في طيات أقوال تلك الأجهزة الإعلامية، وحتى في واجهتها، مزاعم أن الدفاع عن القضية الفلسطينية أضرّ بمصالح الدول التي تصدّت لذلك، وقدّمت "التضحيات"، فتضرّر اقتصادها، وتأخر تقدّمها، بل إن وجودها ووحدتها الوطنية أصبحت مهدّدة.

وبهذا، تقع الإشادة بالدول التي وقعت معاهدات استسلام مع إسرائيل، بحجة أن هذه الاتفاقيات أنقذت تلك الدول من انهيارٍ وشيك، وأنها صحّحت أولوياتها بتقديم الحفاظ على كيانها على الاهتمام بقضايا "خارجها".

ويمكن أن نصدّق هذا القول لو أن الدول المعنية، وتلك التي تدعمها وتتغنّى باعتدالها، قد جنحت إلى السلم بالفعل، واقتصر أمرها على العناية بشأنها، ولكن هذا كذبٌ صراح، فتلك الدول "المسالمة" (بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية) كانت أبعد الناس عن الجنوح إلى السلم. ولكن حربها كانت في صف العدو الصهيوني، أو ضد شعوبها وجيرانها.

وهكذا نجد أن مصر دخلت، بمجرد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، في حروبٍ كلامية وساخنة مع منظمة التحرير ثم ليبيا وسورية. وقد تواطأت أنظمة كامب ديفيد في حروب إسرائيل المتعدّدة في لبنان، ثم في غزة، قبل أن تتولى شن الحرب والحصار على غزة، أصالةً ونيابةً عن إسرائيل، وقبل ذلك وبعده الحروب على الشعب المصري في الصعيد وسيناء وغيرهما.

شاركت بقية دول "السلام" في حروب أميركا في أفغانستان وتشاد، ودعم بعضها تمرّد الجنوب في السودان، وشارك الجميع، بمن فيهم بعض دول "الممانعة" في حروب أميركا ضد العراق.

وحالياً نجد أن تسابق دول الحصار على التغنّي بحب إسرائيل وكراهية قطر، تتساوق مع حروب في اليمن، وعدوان وحصار للجيران، وحروب في ليبيا، ومحاولات لشن حروب في لبنان، فكأن السلام مع إسرائيل يعني الحرب مع كل الآخرين.

وهذا وضع منطقي، لأن إسرائيل ما تزال في حربٍ مع أهل فلسطين، وكل من يساندهم ولو بالكلام، فطبيعي أن من يسالم طرفاً في حربٍ دائرة، لا بد أن يتحوّل إلى شريكٍ له، ولو بصورة غير مباشرة، في حروبه المستمرة. وهذا هو سر الحقد على كل من يذكر بالقضية أو يدافع عنها، لأنه يذكر من تواطأ بتواطئه، وبأن سلمه المزعوم هو حربٌ ضد الإخوة والأبرياء.

لكن الخطأ الأكبر، والخطيئة الأصلية، كانت ولا تزال لمقولة إن الدفاع عن القضايا العادلة، مثل قضيتي فلسطين ومكافحة العنصرية، هو منة وتفضل على الضحايا، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة.

فالدفاع عن القضايا العادلة هو ردة الفعل الطبيعية لأي إنسانٍ سوي وصاحب ضمير، حتى لو لم تكن تربطه بالضحايا أي صلةٍ من نسبٍ أو جوار أو هوية أو ثقافة. فما أكثر الناشطين الغربيين الذين يأتون إلى فلسطين، لمواجهة فظائع الاحتلال، وكم من المناضلين حاربوا نظام التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا، وبينها وبينهم قارّات.

فكل إنسان بمعنى الكلمة، لا بد أن يقف مع ضحايا القهر والإجرام، حتى لو لم يكونوا إخوةً في الهوية والعقيدة.

ذلك أن قضية فلسطين ليست قضية "فلسطينية" كما يردّد الكل، بمعنى أن الفلسطينيين هم "أصحابها" والمسؤولون عنها، فتماماً كما أن المحرقة لم تكن قضية "يهودية" بهذا المعنى (ما الذي يستطيع نزلاء معسكرات الموت أن يفعلوا من أجل "قضيتهم"؟)، كذلك فإن التصدّي للعدوان على فلسطين وأهلها ليس واجب الفلسطينيين وحدهم، بل ليس واجب الفلسطينيين بصورة أساسية.

فمن علامات الانحطاط في العالم العربي تكليف العناصر الأضعف بالدفاع عن أصحاب القوة. ففي زماننا البائس هذا، أصبح الأسرى في السجون هم جنود الخطوط الأمامية، يدافعون بالموت جوعاً عمّن يموتون شبعاً، ويحارب سكان المخيمات عن سكان القصور، والعزل نيابة عن المسلحين حتى أسنانهم بكل شيء، ما عدا الشجاعة والمروءة، والمحاصرين عن المشاركين في الحصار.

في مثل هذه الأحوال، فإن من وقف في موقف الشرف دفاعاً عن الحق والعدل ينبغي أن يكون فخوراً بهذا الشرف، لو كان صادقاً، لا أن يكثر من المنّ والأذى في حق من يدّعي أنه دافع عنهم من المظلومين.

فكما جاء في القرآن عن الذي يمنّ على الرسول بإيمانه، «بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين». فكذلك من حاز شرف الدفاع عن القدس وفلسطين، بحق وليس بادّعاء أجوف، فإن هذا فخرٌ له، وليس منّة يمنّها على الناس، وإلا فهو كاذب أفّاك.

وإذا كان أهل فلسطين قد اختاروا أن يقفوا في الصفوف الأمامية دفاعاً عن شرف أمةٍ لم يعد كثيرون من قادتها من أهل الشرف، فإن هذه مكرمة لهم كذلك، لكنها ليست مسؤوليتهم الأولى.

فكما كرّرت مراراً، ليس من واجب ركاب الطائرة المخطوفة لا محاربة الخاطفين ولا التفاوض معهم، فهذا شأن سلطات الأمن المسؤولة.

ويتضاعف هذا الواجب تحديداً في حق دول الاستسلام المجاورة لفلسطين، وذلك لمسؤوليتهم المباشرة في إضاعة أجزاء فلسطين التي كانت تحت عهدتهم، وكانوا يمنعون أهلها من الدفاع عن أنفسهم، بحجة أن جيوش تلك الدول هي صاحبة الولاية.

فأين تلك الجيوش اليوم بخلاف تجارة الجمبري أو القيام بدور شركات بلاك ووتر لقاء أجرٍ معلومٍ؟

* د. عبد الوهاب الأفندي باحث سوداني أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدوحة للدراسات العليا.