توقع مراقبون أن يكون تراجع قائد أكبر قوة عسكرية في الشرق الليبي «خليفة حفتر» عن إعلانه إنتهاء صلاحية اتفاق «الصخيرات» مجرد انحناءة في وجه العاصفة الدولية، التي أسقطت مشروعه في حكم البلاد عبر «تفويض شعبي»، بدلا من خوض انتخابات رئاسية مفتوحة على كل الاحتمالات.

وأعلن «حفتر»، في 17 ديسمبر/كانون الأول الجاري، انتهاء صلاحية الاتفاق السياسي، لكنه قوبل بموقف دولي متمسك بالاتفاق حتى من أقرب حلفائه؛ وعلى رأسهم مصر وفرنسا.

ولكن لا حقا، قال «أحمد المسماري»، المتحدث باسم قوات «حفتر»، أن «القيادة (حفتر) ترحب بخيار الانتخابات، بشرط أن تكون حرة ونزيهة وبإشراف قضائي، وأن تخضع لمراقبة المجتمع الدولي»، مؤكدا أن «حفتر لا يبحث عن السلطة».

وجاء هذا التراجع بعد ثلاثة أيام فقط من اجتماع «حفتر»، مع وزير الخارجية الفرنسي «جون إيف لودريان»، ودعوة الأخير لقائد قوات الشرق لاحترام الاتفاق السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة.

وكشف دبلوماسيون إيطاليون لوكالة «آكي» الرسمية، أن وزير الخارجية «أنجيلينو ألفانو»، اتفق مع «خليفة حفتر»، في العاصمة روما، على أنه لا غنى عن الانتخابات في ليبيا، وأن 17 ديسمبر/كانون الأول 2017 لا يعني نهاية صلاحيته، غير أنه وبعد بضعة أيام من هذا اللقاء أعلن «حفتر»، انتهاء صلاحية اتفاق «الصخيرات».

ووزير الخارجية الإيطالي ليس الوحيد الذي أخلف «حفتر» اتفاقه معه، حيث سبق أن اتفق الأخير مع رئيس حكومة الوفاق «فائز السراج» في باريس، بوساطة من الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون»، في يوليو/تموز 2017، على تنظيم انتخابات في ربيع 2018، والاتفاق نفسه تقريبا تم التوصل إليه في العاصمة الإماراتية أبوظبي في مايو/أيار الماضي.

وأعلنت دول الجوار العربية الثلاث (الجزائر وتونس ومصر)، دعمها لاتفاق «الصخيرات»، ولإجراء انتخابات في 2018، خلال اجتماع وزراء خارجية الدول الثلاث بتونس، في نفس اليوم الذي أعلن فيه «حفتر» انتهاء صلاحية الاتفاق.

ورغم أن موقف الجزائر وتونس كان متوقعا، لكن تأييد مصر (أكبر الداعمين لحفتر) لاتفاق الصخيرات وبالتالي للمجلس الرئاسي في طرابلس، وضع «حفتر» في حالة عزلة دولية، وأظهره كمعرقل لجهود الأمم المتحدة لإحلال السلام في ليبيا، ومساعيها لإنهاء المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد منذ إسقاط نظام «معمر القذافي» في 2011.

موقف غامض

ويبدو موقف «حفتر» غامضا إلى حد التناقض بشأن تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فمن جهة يعلن دعمه لفكرة تنظيمها للخروج من المرحلة الانتقالية، لكن على الأرض ما فتئ أنصاره يعرقلون أي مساع لإجرائها، بحسب مراقبين.

ففي عدة مناطق في شرقي البلاد، تعرضت مراكز انتخابية للتخريب على يد أنصار «حفتر»، الذين أعلنوا منذ عدة أشهر عن حملة لجمع التوقيعات لتفويض «حفتر» لرئاسة ليبيا (بدون انتخابات).

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، زعم أنصار «حفتر»، أنهم جمعوا قرابة مليون و300 ألف توقيع (سكان ليبيا لا يتجاوزن 6 ملايين و400 ألف نسمة)، وأنهم سيرسلون كشوفات نتائج هذه التفويضات إلى الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية.

لكن هذه التفويضات، التي تم التشكيك في طريقة جمعها، أخفقت في فرض «حفتر»، كرئيس ليبيا بحكم الأمر الواقع، ولم تولَ أي أهمية من المجتمع الدولي، وقوبلت بالسخرية من ناشطين ليبيين على شبكات التواصل الاجتماعي.

فرغم أن «حفتر»، يسيطر على مساحات واسعة شرقي ووسط البلاد، لكن الكتلة السكانية الرئيسية تتواجد في المنطقة الغربية (أكثر من 60% من السكان)، والتي لا تخضع لسيطرته، كما أن المنطقة الجنوبية هي الأخرى في معظمها ليست خاضعة لسيطرة قواته، ما يجعل نزع «حفتر» لبدلته العسكرية وخوضه انتخابات رئاسية، خيارا غير مضمون النتائج، بحسب متابعين.

أما الخيار العسكري، فأصبح مستبعدا أكثر فأكثر في ظل غياب دعم دولي يمهد لـ«حفتر» السيطرة على طرابلس، فكتائب مصراتة مازالت أكبر عائق عسكري أمام قواته في الغرب، خاصة أنها قضت على تنظيم «الدولة الإسلامية» في مدينة سرت وضواحيها (450 كم شرق طرابلس) في 2016، أما كتائب «الزنتان» أكبر حلفاء «حفتر» في الغرب الليبي، فانقلبت عليه وانحازت للمجلس الرئاسي في طرابلس، بل قضت على كتائبه في ورشفانة بالمنطقة الرخوة جنوب العاصمة في أكتوبر/تشرين الأول 2017.

ويرى محللون أن هناك تطورا آخر داخليا، من شأنه إضعاف «حفتر» سياسيا، يتمثل في خلافه مع رئيس مجلس النواب «عقيلة صالح»، أكبر الداعمين السياسيين لقواته.

فإعلان «حفتر» انتهاء صلاحية الاتفاق السياسي وشرعية الأجسام المنبثقة عنه (مجلس النواب، المجلس الأعلى للدولة، والمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني)، يمكن وصفه بتخلي «حفتر» عن حليفه السياسي «عقيلة صالح»، ومحاولة تغييبه عن المشهد السياسي.

فبعد يومين من إعلان «حفتر» أغلق موالون له الباب الرئيسي للبرلمان، لمنع عقد جلسة كانت مقررة لتضمين الاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري، وانتخاب محافظ جديد لمصرف ليبيا المركزي