تطرح في البلدان العربية تصورات متكررة حول التنمية. فالتنمية تحولت لهدف وذلك منذ ولادة الدولة العربية الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية، وهي مازالت هدفا للنظام العربي الراهن.

وبما أن النظام العربي لم يقيم السبب الذي أدى لفشل أهداف التنمية السابقة، فسيكون من الصعب في معظم الحالات النجاح في تنمية جديدة، يبدو أن النظام العربي سيكرر فشله السابق بوسائل جديدة. وتصطدم التنمية الجديدة، في معظم الدول العربية، بالبيئة العربية غير الديمقراطية المضطربة وغير المساءلة.

لنأخذ مثلا خطط 2030 وكل ما هو على وزنها من أطروحات حول الريادة وبناء مركز مالي ومركز تجاري والمدن الذكية والسياحة الجديدة، سنجد أن هذه الخطط تعاني من ذات المشكلات التي عانت منها الخطط السابقة.

في الخطط العربية الجديدة الكثير من التعظيم المبالغ به لمكانة المال والأعمال والتجارة والأسواق ومواكبة احتياجات السكن والمعيشة والعمل والتعليم.

إن جانبا كبيرا من الخطط العربية مرتبط الآن بالمباني الشاهقة وفخامة الهندسة والموانئ العملاقة، لكن قيما أخرى مهمة تغيب عن معظم الخطط العربية.

إن أحد أكثر المنطلقات ضعفا في الخطط العربية الراهنة اعتبار المواطن سلعة تباع وتشترى وبالتالي تكتفي بالمأكل والمشرب والنوم والمسكن.

هذا التصور لن يخلق تنمية، بل يؤدي لنمط من الفساد سيؤثر سلبا في الاقتصاد وبيئة العمل وضمانات الحياة الكريمة.

في الجوهر يغيب عن الخطط الخليجية والعربية مكانة الإنسان العربي والخليجي بصفته كائنا سياسيا يفكر لنفسه ويزداد استعدادا للتمسك بحقوق أصيلة تؤهله للمساءلة والمشاركة. إن عدم احتواء الخطط على المضمون الاحتماعي السياسي الذي يؤدي للمشاركة السياسية وفتح المساحة العامة مدمر لهذه الخطط.

فالخطط العربية الراهنة ستؤدي كما أدت الخطط السابقة لأن تكون السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، والسلطة غير المسائلة تعميم للفساد. إن استمرار قيام الدولة العربية بغلق المساحات العامة ومنع كل حوار حول السياسات يخلق فراغا وتناقضات لا يمكن تعبئتها إلا بالفساد والاستقطاع غير العادل.

لهذا من الطبيعي أن تفشل الخطط التي لا مكان فيها للحريات، والنقد والرأي والرأي الآخر، وضمانات القضاء المستقل، وحق التظلم والمساءلة. إن الخوف من السلطة الذي ينتج عن الخطط المفروضة بالقوة في ظل صلاحيات مطلقة لنظام غير مسائل تخلق مجتمعا خائفا مترددا ضائعا، هذا النمط من المجتمعات لن يخلق تنمية بل سينتهي به الأمر إما لصناعة دولة فاشلة أو للدخول في حالة تمرد.

في خطط التنمية العربية الراهنة لا مكان لأثر حرب كحرب اليمن على التنمية، وصراع كالصراع العربي- الإيراني، وصراع آخر أكثر أهمية كالصراع العربي- الإسرائيلي، وحصار غير مبرر كحصار قطر، ووضع كوضع العالم العربي منذ 2011.

إن الخطط العربية لا مكان فيها لفصل السلطات وللحوكمة والشفافية، وهي تتفادى تمكين المجتمع وتمكين الشباب وأصحاب المبادرات الجديدة ممن يتعطشون للنقد والتغير.

كما تتفادى الخطط العربية سؤال الديمقراطية ومجالس النواب المنتخبة ودور الدساتير وتنقيحها، ولا مكان في الخطط العربية لحقوق ثابتة وأصيلة للمواطن بما في ذلك حق إنشاء الأحزاب.

الخطط العربية الراهنة تنمية تتماشى مع النظام الرأسمالي في صورته الجشعة والمتناقضة الراهنة، لكنها تنمية بلا عدالة وأنسنة وبلا مشاركة وحقوق، وهي بالتالي بلا روح وستثير الكثير من التناقضات في المستقبل.

في 2018 تقف الخطط العربية على رجل واحدة، بينما النخب العربية تخوض معاركها الخاصة بمعزل عن المجتمع وحقوقه.

إن كل تنمية بلا عمق اجتماعي وسياسي وثقافي وإنساني ستتحول مع الوقت للفساد ولسلوكيات الظلم والهدم. إن التنمية المتناقضة مع تعطش المواطنين للتمكين والإنجاز والكرامة هي عدوة نفسها ولأهدافها.

* د. شفيق ناظم الغبرا أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت