الأحد 14 يناير 2018 03:01 ص

تلعب واشنطن دورا كبيرا فى كل قضايا المنطقة العربية، وشئنا أم أبينا تحدد هذه الأدوار مصير ومسار الكثير من التطورات الجارية والمتسارعة من حولنا.

ويسهم ضعف قدرات أغلب الحكام في عدم فهم تعقيدات المشهد السياسي الأمريكي، وتكتفي هذه النخب بالتعامل مع مخرجات ونصوص القرارات الأمريكية المهمة دون التعرض لكيفية صنع هذه القرارات وربما إمكانية التأثير فيها.

أمريكا، سواء كان على رأسها «باراك أوباما» أو «جورج بوش» أو حتى «دونالد ترامب»، تلعب أدوارا مهمة سواء فيما يتعلق بقضايا أمن الخليج، أو مستقبل الحكم السعودي أو مستقبل العراق أو حتى التأثير في مخرجات الأزمة السورية.

دور واشنطن في ما يحدث في سيناء شديد الأهمية، وكذلك دورها في ليبيا وبالطبع الصراع العربي الإسرائيلي.

وحتى بعيدا عن القضايا السياسية العربية، تخرج من أمريكا دعوات لا تتوقف حول قضايا الإصلاح السياسي والاقتصادي في الدول العربية، ناهيك عن الدعوات المتزايدة أخيرا عن ضرورة إجراء عملية إصلاحية داخل الإسلام نفسه وعلى العرب البدء بها.

* * *

وهناك سجالات ونقاشات لا تتوقف عن السبب في غياب وجود مراكز متخصصة جادة في دراسة الشؤون الأمريكية في الدول العربية.

ورغم تأكيد البعض أن هناك عدة مراكز للدراسات الأمريكية، منها ذلك الموجود فى جامعة القاهرة أو ذلك الموجود فى دولة الإمارات، أو ما يقع فى الجامعات الأمريكية سواء في بيروت أو القاهرة، فإنه يمكن ببساطة وضع معظمهم في خانة الأموات نظرا لعدم وجود أي تأثير حقيقي لهم.

ويعد استمرار غياب وجود مراكز دراسات متخصصة في الشؤون الأمريكية ظاهرة غامضة لا يمكن فهمها، كون ذلك يمثل فجوة خطيرة لا تصب في خدمة مصالحنا المباشرة، ولا يتفق مع مسعى دول عربية ونخب وتجمعات رجال الأعمال والمال في علاقات أفضل مع واشنطن.

ويعتبر غياب وجود فرق شابة من الباحثين العرب، تنحصر مهمتهم الأساسية في التخصص فقط في الشؤون الأمريكية، فراغا استراتيجيا خطيرا ندفع ثمنه كل يوم.

فى الوقت نفسه تمتلئ واشنطن بمن يطلق عليهم صوابا أو خطأ خبراء وباحثون في الشؤون العربية بصفة عامة والمتخصصون في الشؤون المصرية والشأن السعودي أو العراقي.

ويتمتع هؤلاء بنفوذ كبير في تشكيل العلاقات العربية الأمريكية بما يدرسونه ويقدمونه في صورة تقارير أو بدائل لسياسات تتعلق بالتعامل مع قضايا المنطقة لصانعي القرار الأمريكي، كما أنهم يساهمون في تشكيل فهم الشعب الأمريكي لقضايانا من خلال ظهورهم المتكرر في وسائل الإعلام الأمريكية.

* * *

هناك في الولايات المتحدة من يدرس ويُدرس نظام اختيار العمد في صعيد مصر، ومنهم من درس روايات «أمين معلوف» و«عبدالرحمن منيف»، ومنهم من يدرس نظام محاكم السر في المغرب، ومنهم من يركز على المجتمع المدني التونسي أو نظام القبيلة في ليبيا.

ويراكم كل هذا معرفة متخصصة قوية بالشؤون العربية، أما نحن فقد اختزلنا معارفنا بالولايات المتحدة في محاولة فهم سياساتها في فلسطين والعراق وربما الخليج، أما نحن فلم نخلق الجماعة الثقافية التي تعرف أمريكا حقا.

لماذا لا توجد مراكز أبحاث متخصصة تضم عشرات وربما المئات من الباحثين والمتخصصين في الشؤون الأمريكية من المتفرغين، ممن يمكن تجميعهم من جهات عديدة على رأسها الجامعات العربية، أو من بين آلاف العرب ممن تلقوا تعليمهم هنا في الولايات المتحدة؟

يتفرغ هؤلاء الباحثون بعد أن يتم تقسيمهم جغرافيا للتخصص في عدد معين من الولايات الأمريكية الخمسين، ودراسة موضوعات أمريكية محددة من بين الأديان أو السينما أو الأقليات أو الكتاب أو الإعلام أو التكنولوجيا أو الكونغرس أو السينما وصنع القرار السياسي.. إلخ.

وينتظم هؤلاء الباحثون في عملهم البحثي بصفة يومية مستقرة ودائمة، ويحتكون بالولايات التي سيتخصصون فيها (نعم يجب أن يكون هناك متخصصون في ولاية كاليفورنيا أو ولاية أوكلاهوما!) ويتواصلون مع جامعاتها، ويتعرفون على وسائل الإعلام المحلية بها، وبأهم شركاتها ومؤسساتها وسياسييها.

وتتيح «مراكز الدراسات الأمريكية المفترضة» لباحثيها فرص السفر والمشاركة في برامج دراسات في جامعات تلك الولايات ومراكزها البحثية.

بعد فترة قصيرة من الزمن (سنتين مثلا) ستبدأ هذه المراكز في تقديم رؤى موضوعية وغير حكومية تتعرض للعديد من القضايا العربية الأمريكية غير المفهومة لنا والتي يجب أن تبدأ بفهم عميق متأصل للداخل الأمريكي.

* * *

رغم أن وصول «دونالد ترامب» إلى سدة الحكم فى الولايات المتحدة قبل عام شكل صدمة لكثير من الناس حول العالم، لكن هذا التطور لم يصاحبه صحوة عربية تنادي بضرورة الاستعداد لما هو قادم عن طريق معرفة ودراسة وبحث ما جرى ويجري في أمريكا المتغيرة.

وجود مراكز أبحاث عربية متخصصة في الشأن الأمريكي ستفيد جهات عربية مختلفة، والبداية من الجهات الحكومية المتعددة التي تتعامل مع واشنطن، إلى تجمعات رجال الأعمال الذين لهم مصالح واضحة هنا وهناك، والإعلام الذى سيتوفر له خبراء حقيقيون في الشأن الأمريكي.

ويجب الابتعاد عن الطبيعة «الموسمية» للمراكز الجديدة وأن تعمل بصورة دائمة بعيدا عن مناسبة معينة أو مبادرة مؤقتة، وستتمتع جهود هذه المراكز الجديدة بطبيعة «مؤسسية مستمرة»، وتبتعد عن جهود «العلاقات العامة المؤقتة» التي يقوم بها الكثيرون ممن لهم علاقات مع الولايات المتحدة.

لكنه لا يجب سجن فرق العمل البحثية العربية فى إطار الاطلاع والمعرفة النظرية فقط، ومثاليا سيتم الاستعانة بهم من جهات حكومية أو الجهات الأكاديمية والتجارية أو مؤسسات الأعمال الكبيرة من أجل الاستفادة المباشرة بهم.

وهذا النموذج موجود بوضوح فى الولايات المتحدة، إذ إن الباحث يعمل لعدة سنوات فى الحكومة أو جامعة أو مؤسسة أعمال، ثم يعود للعمل البحثي مدعما بثراء الخبرة العملية والحكومية.

علينا المبادرة والتخلص من الخوف المتحكم في تعاملنا مع الولايات المتحدة، وأن نبدأ قدر المستطاع بمحاولة المشاركة والتأثير في عملية صنع القرار السياسي الأمريكي، وأولى هذه الخطوات وأهمها هي وجود الكثيرين من المتخصصين والفاهمين للشأن الأمريكي بتفاصيله وخباياه.

في النهاية علينا عدم الانغلاق فقط على دراسة وفهم الولايات المتحدة، الصين وحدها أيضا تستحق مراكز بحثية مستقلة، وكذلك القوى الصاعدة في عالم اليوم من حولنا مثل البرازيل وجنوب أفريقيا وتركيا والهند التي ما زلنا لا نعلم الكثير عن تجاربهم الحقيقية.

* محمد المنشاوي كاتب صحفي في الشؤون الأمريكية من واشنطن.