الخميس 8 فبراير 2018 03:02 ص

علامات لا تخطئها العين. إنها الخطوط والحروف والمواقف التي تجتمع حالياً في صفحة جديدة في كراس العلاقات الدولية. هناك من يراها صفحة «شخابيط» رسمتها أصابع مشاغبين أو أنامل أطفال لم يمسكوا بقلم من قبل.

وهناك من يراها صفحة تعبر بالدقة الممكنة وبالصدق الكافي عن صعوبة المرحلة الراهنة في العلاقات الدولية وتشابك تعقيداتها.

قرأت حديثاً أدلى به قبل أيام «الأخضر الإبراهيمي» لمجلة أكاديمية بريطانية جاء فيه الكثير مما يجب أن يطلع عليه الدبلوماسيون وصانعو القرار. اختار من بين ما صرح به نقاطاً ثلاثاً. اخترتها لأنني سمعته يرددها خلال فترة تمثيله الأمم المتحدة لدى الأزمة السورية وفترة توليه مسؤولية قيادة مجموعة من الخبراء لوضع تقرير عن سبل إصلاح جامعة الدول العربية.

لا أنقل عنه حرفياً فأوراقي في مكان آخر ولكنني أنقل عنه المعنى.

كان يرى أن الجماهير والنخب الحاكمة والقائدة في العالم العربي فقدت الثقة في قدرتها على حل الكثير من المشكلات وأصبحت تنتظر من يأتي من الخارج ليحلها.

كذلك استمر يحمل الولايات المتحدة المسؤولية عن كثير من مظاهر الاضطراب في الشرق الأوسط. في الوقت نفسه ظل مقتنعاً بأن لروسيا دوراً في الشرق الأوسط خاصة في الأزمة السورية يتعين عليها أن تمارسه، وسوف تمارسه.

اليوم أستطيع أن أقرر أن الروس استجابوا لقناعة الإبراهيمي بل وأكثر مما كان يأمل وينتظر. أستطيع أيضا أن أضم النقاط الثلاث إلى لوحة العلامات التي تصور حال الشرق الأوسط الراهنة.

كبداية لحديث العلامات أكرر هنا أنه لدينا ثلاث علامات متفق عليها مع الخبير العربي والأممي الأخضر الإبراهيمي هي بالترتيب:

الأولى شعوب ونخب عربية يائسة من قدرتها على حل مشكلاتها منفردة،

والثانية أمريكا لا تزال المسؤولة عن كثير من أسباب الاضطراب في المنطقة،

والثالثة أن لروسيا دوراً في المنطقة يجب أن تلعبه وها هي تلعبه وربما توسعت فيه وفي اللعب.

أقترح إضافة علامة رابعة في صفحة «الشخابيط» أو الخطوط المتشابكة في كراس العلاقات الدولية الراهنة، هذه العلامة يجب أن تكون للصين. لا يحتاج المرء لكثير من الحنكة السياسية والدراية بدورات الصعود والانحدار في النظام الدولي ليدرك أن الصين على الطريق إلى الشرق الأوسط.

وصلت بالفعل طلائع قوتها، والمنطقة الآن في انتظار وصول «العاصفة الصفراء» حاملة استثمارات ومشاريع تنموية ضخمة وقروضاً بلا حصر وقواعد في البحر وعلى البر، قواعد تبدأ خدمية لتنتهي عسكرية، وجحافل بشر للعمل ومد الطرق وتقديم الخبرة ونشر الثقافة الكونفوشية واللغة الصينية.

الصين كما نلاحظ متريثة في تنفيذ خطة الدخول إلى الشرق الأوسط، لديها أسبابها ولدينا اجتهاداتنا.

كل ما يهمني قوله الآن هو أن هذا التريث وتفاصيل نشاط طلائع القوة الصينية وغياب اكتراث النخب الحاكمة في المنطقة بوصول الصين من عدمه، كلها علامة من علامات الصفحة الراهنة في العلاقات الدولية في الشرق الأوسط وحوله.

الغرب متردد سياسياً ومضطرب استراتيجياً ومتباعد الأجزاء سلوكياً. أتحدث هنا عن الغرب بمعناه الأوروبي- الأمريكي أي الغرب «عبر الأطلسي».

الارتباك الغربي واضح على الجانبين. في أمريكا، على سبيل المثال، حكومة شعبوية السلوك والاتجاه، تتمسك بأفكار قومية ساذجة تغطي بها عنصريتها وتمارس سلوكيات الصراع في خصوماتها مع دول أوروبية حليفة.

كانت تجربة السنة الأولى من حكم الرئيس دونالد ترامب مروعة لأنصار الفكرة الغربية ومؤيدي الحلف الغربي ودعاة الحضارة الغربية الواحدة.

في هذه السنة الأولى وحدها أخرج ترامب أمريكا من اتفاقية المناخ وأعلن تنكره لتطبيق المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو ثم عاد عنه. للمرة الأولى صار مستقبل الحلف موضع تساؤل.

كذلك أثار انشقاقاً واسعاً عندما جدد تهديده بإعادة النظر في الاتفاقية النووية التي عقدها الغرب مع إيران، واتسعت الفجوة مع دول أوروبا عندما انفرد بإعلان القدس عاصمة أبدية لـ«إسرائيل».

قرأت مؤخراً تقريراً صادراً عن «تشاتام هاوس» بعنوان: العلاقات عبر الأطلسي: نحو تقارب أم تباعد.

اشتغل على إعداد التقرير عدد من الباحثين النابهين ولمدة ثلاث سنوات. بحثوا في عمق العلاقة بين الطرفين، الأوروبي والأمريكي، وفي عناصر قوة هذه العلاقة وعناصر ضعفها. ركزوا على احتمالات تطور العلاقة في المستقبل واقترحوا عدداً لا بأس به من التوصيات ليأخذ بها أو لا يأخذ صانعو السياسة ومنظمات المجتمع المدني وغيرهم.

نشهد في الآونة الأخيرة صعود وانتشار توجهات شعبوية في أداء السلطة السياسية في عدد متزايد من الدول الغربية، يحدث هذا في وقت نرصد فيه كل صباح نكوصاً عن القيم الديمقراطية وأخلاقيات اختصت بها شعوب أوروبية ونقلها عنهم مفكرون وفلاسفة من كافة الثقافات والحضارات.

نرصد أيضاً ميلاً متزايداً لتقليد أسوأ وأبشع ما ابتكره الغرب من أساليب استبداد وكره لشعوب من أجناس وأعراق وأديان أخرى.

أعود إلى ما يعكس الواقع الملموس، أعود إلى صفحة «الشخابيط» في كراس العلاقات الدولية. هناك قد أجد التفسير المريح لواقع غربي شديد التعقيد والتشابك.

* جميل مطر مفكر مصري يهتم بالعلاقات الدولية والإصلاح والعولمة، مدير المعهد العربي لدراسات التنمية والمستقبل.

المصدر | الشروق المصرية