الجمعة 9 فبراير 2018 01:02 ص

أحيت «إسرائيل» الأسبوع الماضي المحرقة اليهودية أو «الهولوكوست»، التي نفذها هتلر خلال خمسة أعوام، منذ 1943 حتى العام 1948 في ألمانيا والدول التي سيطر عليها في الحرب العالمية الثانية مثل بولندا، وأنها أودت بستة ملايين يهودي ماتوا حرقاً في أفران الغاز النازية.

وتستخدم «إسرائيل» هذه الأحداث التي ضخمتها وبالغت في أرقامها ووسائل تنفيذها لتبتز دول العالم وخصوصاً ألمانيا وأوروبا بها، وتجعلهم يدفعون التعويضات الهائلة، وتشعر حكوماتهم بعقدة الذنب التاريخية. وقد شرّعت «إسرائيل» قوانين تجرّم كل من ينكر المحرقة. ويبدو أن دولاً مثل بولندا قد ضاقت ذرعاً بهذه الدعاية «الإسرائيلية» التهويلية والتخويفية، فأصدرت حكومتها قانوناً يقضي بتجريم استخدام عبارة «معسكرات الموت البولندية»، فثارت ثائرة «إسرائيل» واحتجت وأدانت ذلك القانون.

وحاول عدد لا بأس به من الكتاب والمفكرين الأمريكيين والغربيين تفنيد تلك (المحرقة)، لكنهم ووجهوا بحرب شرسة أفقدتهم مناصبهم وحظر كتبهم ونبذهم، فالعديد من الدول الأوروبية لديها قوانين تجرّم إنكار المحرقة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد كان أول كتاب نشر حول إنكار حدوث الهولوكوست تحت اسم «الحكم المطلق» في عام 1962 للمحامي الأمريكي فرانسز باركر يوكي، وهناك كاتب آخر اسمه هاري أيلمر بارنيس وهو أحد المؤرخين المشهورين والذي كان أكاديمياً مشهوراً في جامعة كولومبيا في نيويورك، قام باتباع نهج يوكي في التشكيك بالهولوكوست، وتلاه المؤرخان جيمس مارتن وويلس كارتو وكلاهما من الولايات المتحدة، وفي 26 مارس/‏‏آذار 2003 صدرت مذكرة اعتقال بحق كارتو من السلطات القضائية في سويسرا.

وفي الستينات أيضا قام المؤرخ الفرنسي بول راسنييه بنشر كتابه «دراما اليهود الأوروبيين»، وفي السبعينات نشر آرثر بوتز أحد أساتذة الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب في جامعة نورث ويسترن الأمريكية في ولاية إلينوي، كتاباً باسم «أكذوبة القرن العشرين» وفيه أنكر الهولوكوست، وقال إن مزاعم الهولوكوست كان الغرض منها إنشاء دولة «إسرائيل»، وفي عام 1976 نشر المؤرخ البريطاني ديفيد إيرفينج الذي حكمت عليه محكمة نمساوية في 20 فبراير/‏‏شباط 2006 بالسجن لمدة ثلاث سنوات بسبب إنكاره للهولوكوست في كتابه «حرب هتلر». وفي 1974 قام الصحفي الكندي من أصل بريطاني ريتشارد فيرال بنشر كتابه «أحقاً مات 6 ملايين» وتم استبعاده من كندا بقرار من المحكمة الكندية العليا عام 1992. أما أكثر كاتب أحدث ضجة حين أنكر الهولوكوست فهو الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي في كتاب «الأساطير المؤسسة للسياسة «الإسرائيلية»»، وقد تعرّض لحملة شرسة من قبل اللوبيات اليهودية في أوروبا، وللسجن في فرنسا ذاتها.

تحيي «إسرائيل» ذكرى المحرقة اليهودية، ولكنها لا تعترف بالمذابح التي ارتكبتها ضد الفلسطينيين المدنيين العزل في سياسة واضحة تهدف للإبادة الجماعية، وبث الرعب وتهجير من لم تطله السكين أو البندقية «الإسرائيلية»، فمنذ الخامس من يناير/‏‏كانون الثاني من العام 1948 حتى 31 ديسمبر/‏‏كانون الأول من العام ذاته، ارتكبت العصابات اليهودية مثل الهاجاناه ومنظمة شتيرن والأرجون، 54 مذبحة أودت بأرواح الآلاف من المدنيين، ولا بأس من تنشيط الذاكرة بذكر بعض أسماء تلك المذابح: مجزرة فندق سميراميس، مجزرة القدس، مجزرة السرايا العربية، مجزرة حيفا، مجزرة يازور، مجزرة سعسع، مجزرة دير ياسين، مجزرة كفر قاسم، مجزرة قالونيا، مجزرة اللجون، مجزرة طبرية، مجزرة صفد، مجزرة عشية يوم النكبة، مجزرة أبو شوشة، مجزرة الطنطورة، مجزرة الرملة، مجزرة اللد، مجزرة المجدل، مجزرة عيلبون، مجزرة الحولة، مجزرة مجد الكروم، ومجزرة أم الشوف.

واستمرت المجازر والمذابح بقصد الإبادة الجماعية مثل مجزرة صبرا وشاتيلا ومجزرتي قانا، ومجازر أخرى في الضفة الغربية وقطاع غزة، ما زالت الأخيرة شاخصة للعيان، إضافة إلى المجازر التي ارتكبها الجيش «الإسرائيلي» النظامي ضد اللبنانيين والمصريين والسوريين في أوقات مختلفة. لقد ارتكبت العصابات اليهودية تلك المجازر وأفلتت من العقاب، بل إنها تبررها بوقاحة وتقول إنها تدافع عن نفسها، وتؤيدها بكل صلافة دول كبرى مثل الولايات المتحدة الحريصة جداً على أمن «إسرائيل» وتفوقها، وتستخدم حق النقض في مجلس الأمن والأمم المتحدة ضد أي قرار يدين السياسات والأعمال الإرهابية «الإسرائيلية».

دولة الاحتلال تحتفي كل عام بالمحرقة اليهودية، والفلسطينيون والعرب يحيون مناسبات المجازر «الإسرائيلية» على استحياء، لا تتعدى المهرجانات الخطابية والأغاني الوطنية، دون اللجوء إلى المحاكم الدولية للحصول على تعويضات على الأقل للضحايا. والبعض لا يجرؤ حتى على التشكيك بالمحرقة اليهودية، ولا يقارنها بالمذابح «الإسرائيلية» ضد الفلسطينيين.

لقد نسي السياسيون الفلسطينيون المذابح والمجازر التي ارتكبت بحق شعبهم منذ العام 1937 حتى يومنا، وتنازلوا عن حقوق الضحايا، ويسيرون الآن في مهرجان المفاوضات وصفقات القرن العجائبية، وأخشى أن يأتي اليوم الذي يتم فيه توزيع هذا الشعب على بقاع العالم، بسبب العجز العربي والفلسطيني عن إدارة أزمة عمرها أكثر من 70 عاماً، وأخشى أيضاً ألا ترد هذه المذابح في المناهج الدراسية الفلسطينية والعربية، حتى لا نُتّهم بالتحريض ونشر الكراهية!!

المصدر | الخليج - الشارقة