السبت 3 مارس 2018 11:03 م

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية (إدارة المعلومات) أن الولايات المتحدة أنتجت عام 2017 نحو 9.3 مليون برميل من النفط الخام، وأن هذا المعدل سيرتفع هذه السنة الى نحو 10.3 مليون برميل، وهو أعلى معدل لإنتاج النفط الخام الأميركي منذ السبعينات.

وتتوقع إدارة المعلومات استمرار زيادة معدل الإنتاج الأميركي في 2019 الى 10.8 مليون برميل يومياً. وكما هو معروف، فإن السبب الرئيس لهذه الزيادات هو ارتفاع إنتاج النفط الصخري.

تضم مجموعة الدول التي تنتج 10 ملايين برميل يومياً، السعودية وروسيا والولايات المتحدة. وحيازة طاقة إنتاجية تبلغ 10 ملايين برميل يومياً تعني إمكان كل من هذه الدول الثلاث إنتاج 10 في المئة تقريباً من مجمل الإنتاج النفطي العالمي، الذي يبلغ نحو 100 مليون برميل يومياً.

بلغت الزيادة السنوية لإنتاج الولايات المتحدة بين عامي 2017 و2018 نحو 1.5 مليون برميل يومياً، (معظمها أو نحو 1.2 مليون برميل يومياً من النفط الصخري ونحو 300 ألف برميل من حقول جديدة في خليج المكسيك ستدخل الإنتاج هذا العام).

ويبلغ خفض إنتاج مجموعة الـ24 (الأقطار الأعضاء في «أوبك» ودول منتجة أخرى، بخاصة روسيا) نحو 1.8 مليون برميل يومياً. من ثم تشكل زيادة الإنتاج الأميركي التحدي الأهم لتقليص فائض المخزون النفطي التجاري العالمي الذي تحاول مجموعة الـ24 تحقيقه للحصول على استقرار الأسواق.

وتشكك إدارة المعلومات في إمكان تحقيق التوازن المنشود في الأسواق خلال عامي 2018 و2019. وتتوقع زيادة المخزون النفطي في الدول الغربية، إضافة الى زيادة إنتاج مجموعة الـ24 تدريجاً من 2017 الى 2019.

وفي ضوء هذه الفرضيات، تتوقع إدارة المعلومات تغير سعر برميل نفط «برنت» من معدله السنوي البالغ 54 دولاراً في 2017 الى 60 دولاراً هذه السنة ونحو 61 دولاراً في 2019. وتتوجب مقارنة هذه الأسعار المفترضة بسعر «برنت» الحالي البالغ نحو 63-70 دولاراً. فهذا يعني أن التوقعات تشير الى صعوبة ارتفاع الأسعار فوق 70 دولاراً خلال هذا العام، نظراً الى استمرارية فائض المخزون.

كما تشير إدارة المعلومات الى سياسات إدارة الرئيس دونالد ترمب في إفساح المجال للشركات البترولية للاستثمار النفطي في 90 في المئة من الجرف القاري الأميركي، وفقاً لبيان صادر في أوائل كانون الثاني (يناير) الماضي عن وزارة الداخلية الأميركية المسؤولة عن الثروة الطبيعية في هذه المناطق.

وأحدث السماح للشركات البترولية بالاستثمار في هذه المناطق البحرية، ضجة كبيرة من جانب الكثير من منظمات المجتمع المدني الأميركية التي تدافع عن البيئة وتتخوف من احتمال حصول تلوث بيئي على السواحل الأميركية.

وتعتبر سياسة فتح الجرف القاري الأميركي للاستثمار النفطي، واحدة من السياسات المتعددة المثيرة للجدل للرئيس ترامب في الولايات المتحدة. من المتوقع أن تعلن الحكومة الفيديرالية 47 دورة تراخيص تمتد لخمس سنوات للاستثمار في الجرف القاري الأميركي، ما يعني أن آثارها على الأسواق النفطية العالمية لن تعطي ثمارها قبل النصف الثاني من العقد المقبل.

تعكس ظاهرة الزيادة العالية والسريعة لإنتاج النفط الصخري، الذي تصاعد إنتاجه الى أكثر من 6 ملايين برميل يومياً، الفرق الكبير بين انعكاسات مستويات الأسعار على أنماط إنتاجه مقارنة بالنفط التقليدي الذي يحتاج الى فترات أطول من النفط الصخري للتكيف عند تغيير الأسعار.

كما تعكس بروز ثلاث ظواهر جيوسياسية مهمة:

أولاها انبثاق دور جديد دولياً للولايات المتحدة على صعيد الطاقة. فمن ناحية حققت واشنطن هدفها في استقلالية الطاقة، ما سيمكنها من تحقيق تغييرات ديبلوماسية طالما أعلنت عنها، في طليعتها أولويات سياستها الديبلوماسية في تقليص الاعتماد على الدول النفطية العربية، وأولوية اهتمامها بالدول النامية ذات الاقتصاد المستدام، بخاصة الصين والهند وكوريا الجنوبية.

ثانياً، لعب دور مهم في أسواق النفط العالمية. وقد كانت الولايات المتحدة تلعب هذا الدور سابقاً، لكن كأكبر مستهلك ومستورد للنفط الخام. أما الآن، فهي لا تزال أكبر مستهلك (نحو 20 مليون برميل يومياً)، لكنها تحولت مصدّراً للنفط بدلً من أن تكون مستوردة له.

ثالثاً، دفعت هذه التغيرات مجموعتين مهمتين، «أوبك» وبعض الدول المنتجة غير الأعضاء في المنظمة، خصوصاً روسيا، الى تأسيس تحالف جديد (مجموعة الدول الـ24)، لحماية اقتصاداتها من خلال استقرار الأسواق.

وكما هو معروف، فإن مجمل تاريخ صناعة النفط العالمية، منذ مطلع القرن العشرين، قد بني على هذا النوع من التكتلات، بدءاً من توسع شركة «ستاندرد» الأميركية، الى بروز دور الشركات النفطية العملاقة في الربع الأول من القرن العشرين في ضوء تكتل «اكناكاري» السري.

وقد تحولت هذه المجموعات الى الدول المنتجة ذاتها، مثل «أوبك» و «وكالة الطاقة الدولية». وما مجموعة الدول الـ24 الفتية إلا آخر محاولة في هذا المــسار، وهي تبني على نجاحها المشترك في استقرار الأسواق منذ اوائل عام 2017 من خلال التعاون والتنسيق النفطي بين موسكو والرياض.

لا شك في أن مستقبل النفط يمر في مرحلة تاريخية دقيقة. فمن ناحية، تستثمر الشركات النفطية مئات بلايين الدولارات سنوياً لاكتشاف حقول جديدة، حتى في مناطق نائية وصعبة ذات كلف باهظة الثمن، مثل أعماق المحيطات والقطب الشمالي، ناهيك بإنتاج النفوط غير التقليدية مثل النفط الصخري.

لكن في الوقت ذاته، هناك زلزال يضرب صناعة الطاقة العالمية، من اكتشافات علمية تطور استخدام الطاقات المستدامة (الشمس والرياح) وتزيد إمكانات تخزين هذه الطاقات، إذ أصبح الإنتاج التجاري للطاقات المستدامة مسألة وقت، لا افتراضاً بعيد المدى.

اذ تدل المعطيات المتوافرة، من تشريع قوانين جديدة في الكثير من الدول الى فرض استخدام الطاقات المستدامة إضافة الى الابتكارات العلمية، على إمكان لعب هذه الطاقات دوراً بارزاً وتجارياً على المستوى العالمي، بدءاً من منتصف هذا القرن.

* وليد خدوري كاتب عراقي مختص بقضايا الطاقة

المصدر | الحياة