الأحد 11 مارس 2018 10:03 م

فيلم اليوم «البستاني المخلص أو The Constant Gardener» لمخرج برازيلي هو «فرناندو ميرليز»، وهو بريطاني التمثيل، وتم مونتاجه في الولايات المتحدة الأمريكية، وتصويره بين كينيا وجنوب السودان وبريطانيا، ليجسد التعددية الثقافية بين جنسيات وثقافات وبالتالي محاولة تجسيد أنماط تفكير مختلفة ومستويات اجتماعية بالغة الاختلاف إلى حد التعقيد.

الفيلم مأخوذ عن رواية للكاتب «جون لي كاريه»، وهو كاتب مشهور بروايته الجاسوسية، أو ما يقابل الراحل «صالح مرسي» في أدب الجاسوسية العربي، وللمؤلف روايات في هذا المجال من مثل: «الجاسوس الذي جاء من الصقيع»، «نداء للموتى»، «بلدة صغيرة في ألمانيا»، «منزل روسيا»، و«خياط من بنما».

أما ما نجح المخرج البرازيلي فيه فتحويل الرواية ذات البعد الجاسوسي إلى فيلم أكثر تعميمًا وتشويقًا، وإن سقط في فخ الأفلام ذات الطابع البوليسي الغربي التي تعالج الفساد المالي والأخلاقي الغربي، وتنتهي غالبًا باستطاعة الفساد الرسمي المتحالف مع مجرمين القضاء على البطل المثالي المفرط في الطيبة إلى حد السذاجة.

يبقى أن الفيلم جزء من المنظومة الغربية التي أنتجت أفلامًا يبدو فيها الافتتان بأفريقيا من مثل: «I Dream of Africa» و «Hotel Rwanda».

مافيا الأدوية والسلاح

مافيا الأدوية الكيماوية الغربية معروفة للجميع اليوم، وعدم ترحيب تلك المافيا بأدوية بديلة للأدوية الكمياوية ذات التأثير الضار أمر متداول، لكن فيلم اليوم يكشف هذه المافيا التي لا ترضى فقط بالأرباح الخرافية حول العالم، بل يمتد تأثير هذه المافيا على أفريقيا بالتحديد، وهو التأثير الذي يتجاوز الآثار الجانبية للأدوية للاستخدام السيء لأدوية مشكوك فيها في علاج حالات مرضية تبدو بسيطة أحيانًا ومستحفلة أحيانًا أخرى، وتتسب التجارب غالبًا في وفاة المرضى على الفور.

تناول الفيلم «غوستن كويل» أو الممثل «رالف فانس»، بطل فيلمي «المريض الإنجليزي»، الذي تناولناه هنا بالنقد والتحليل منذ أشهر، كما قام ببطولة فيلم «قائمة شندلر»، يعمل «كويل» دبلوماسيًا في السفارة البريطانية بنيروبي، ويلتقي بالناشطة في مجال حقوق الإنسان «تيسا كيا» أو «رايتش وايز» بطلة فيلمي «المومياء» و«عودة المومياء»، والتي نالت جائزة الأوسكار كأفضل ممثلة مساعدة عام 2006 عن فيلم اليوم.

تجسد «كيا» الجانب الآخر من شخصية «كويل»، فهي شخصية منفتحة لبعد الحدود جريئة في أفعالها، وأكثر جرأة في وعودها التي لا تنفذها، ومن التناقض بين الشخصيتين وتفضيل «كويل» القيام بسقي الأشجار، وتهذيب الحدائق وبالتالي الانسحاب من العمل السياسي المكلف به من هذا التياين يأتي الارتباط بينهما .. وتأتي قصة الفيلم.

تلاحظ «كيا» وفاة بعض المحيطين بها من أبناء كينيا، ولما تبحث الأمر مع مرافقها الطبيب يتضح أن هناك عقارًا أمريكيًا دوليًا مشترك مع كندا وفرنسا وبريطانيا يجري تجريبه على المرضى مما يؤدي لوفاتهم.

ولما تقترب بطلة الفيلم من فضح المؤامرة الدولية يتم قتلها وطبيبها المرافق، ثم ادعاء أنهما كانا على علاقة جنسية، ولكن «كويل» لا يصدق ويسافر إلى جنوب السودان ليجمع تفاصيل المؤامرة كاملة ليرسلها إلى صديق مشترك له ولزوجتها لينشرها على الملأ مفضلًا القتل في مكان قتل زوجته وبنفس الطريقة.

براعة وتكتيك

برع المخرج البرازيلي في اتخاذ الأسلوب المتعرج لعرض قصة الفيلم، من الفلاش باك في نهاية الأحداث من مقتل الزوجة لذكريات البطل معها، واتخاذ نفس التقنية، ولو لفترات أقل تذكرًا داخل الفيلم، كما أجاد الممثلون تجسيد أدوراهم وكأنهم هم الذين يعانون لا الأفارقة وحدهم، مع الاستعانة بفريق تمثيل أفريقي واستغلال عفويتهم في تجسيد الأحداث.

كما جاءت المشاهد المتكررة لعرض جماليات أفريقيا من بيئة طبيعية تمثل ثروات سياحية واقتصادية لو استثمرت على النحو الأمثل لتضفي على الفيلم لمسة تسجيلية غير متوغلة، فلا تفقد الفيلم حسه الروائي مع عدم إغفال دور قلة الاهتمام والعناية الصحية في انتشار الأمراض والأوبئة وسط شعوب محبة للخير والحياة، وراغبة في الجمال، ويبدو هذا من خلال استعراض بسيط على محطة القطارات لفتيات ورجال قلائل.

كما لاحقت الكاميرا المحمولة الممثلين في الأماكن الأكثر خطورة التي تم تمثيل الفيلم فيها من كينيا وجنوب السودان، ولكن مع جودة المونتاج وموسيقى «البرتو إغلسيوس فرننديز» التصويرية عاب الفيلم التطويل، (مدته 128 دقيقة)، مع افتعال مطاردة سيارات في كينيا، وغارة من لصوص في السودان، وهما الحدثان اللذان أرهقا البنية الدرامية للفيلم وجعلاها أكثر ترهلًا.

المصدر | الخليج الجديد