السبت 28 فبراير 2015 01:02 ص

أن يزور الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» الرياض السبت، ويليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فهذا يعني امرا من اثنين، إما ان تنضم المملكة الى المحور التركي القطري، أو أن تنحاز الى المعسكر المصري، ولا خيار ثالث، لأن مسك العصا من الوسط لم يعد مقبولا في ظل تدهور الأوضاع عسكريا وسياسيا وامنيا في منطقة الشرق الاوسط برمتها.

الرئيس التركي «أردوغان» الذي يملك حاسة شم سياسية قوية يشعر حاليا بنوع من العزلة، فمعظم حلفائه الذين راهن عليهم في إطار ثورات الربيع العربي وخاصة في حركة «الاخوان المسلمين» تعرضوا لنكسات كبرى، فقد خسروا الحكم في كل من مصر وتونس وجزئيا في ليبيا، وخرجوا من المشهد السياسي في اليمن على أيدي الحلف الحوثي العلي عبد الله صالحي، ويترنحون في سورية حيث تبخرت أحلامهم في إطاحة سريعة لنظام الرئيس السوري «بشار الاسد»، وتغير الأولويات الامريكية باتجاه «اجتثاث الدولة الاسلامية» باعتبارها الخطر الاكبر في المنطقة.

المملكة العربية السعودية أيضا تعيش ظروفا صعبة، وتواجه أخطارا كبيرة، فالحوثيون يتمددون في اليمن، فنائها الجنوبي، والولايات المتحدة الحليف التاريخي للمملكة باتت اقرب الى إيران، وعلى وشك توقيع اتفاق تاريخي معها، ظاهره نووي، وباطنه إقليمي، فإدارة «أوباما» التي أنهت عداء مع كوبا استمر أكثر من نصف قرن لن تتورع عن السير في الطريق نفسه تجاه إيران، وإعادة اعتمادها الحليف الاقليمي الأقوى في الشرق الأوسط.

العاهل السعودي الجديد الملك «سلمان بن عبد العزيز» يزن خطواته في السياسة الخارجية بميزان من ذهب بعد أن قطع شوطا كبيرا في ترتيب البيت السعودي الداخلي، ورغم كل الحديث عن سيره على نهج سلفه الراحل الملك «عبد الله بن عبد العزيز»، إلا أن كل الخطوات التي اتخذها داخليا تؤكد العكس تماما، ومن غير المستبعد أن يكون الحال نفسه فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.

***

هناك خيارات أمام العاهل السعودي الجديد فيما يتعلق بالسياسة الخارجية:

  • أولا: أن ينخرط في تحالف «سني» تركي قطري في مواجهة البروز الكبير للقوة الايرانية «الشيعية»، ويحاول في هذه الحالة استمالة الرئيس السيسي الى هذا التحالف، وتحقيق مصالحة تركية مصرية للتمهيد لبناء هذا التحالف، وهذا امر غير مستبعد وهذا يعني ايضا تخفيف حدة العداء تجاه حركة “الاخوان المسلمين” ورفعها من قائمة «الإرهاب» السعودية.

  • ثانيا: السير على النهج نفسه الذي سار عليه العاهل السعودي الراحل عبدالله بن عبد العزيز اي وضع استراتيجية لمشروع عربي ليبرالي الطابع يرتكز على دعم مطلق للرئيس السيسي، والعداء المطلق لحركة “الاخوان المسلمين” والتيارات الاسلامية الاخرى المتشددة، والتقرب من دول مثل دولة الامارات العربية المتحدة والبحرين وليبيا خليفة حفتر وتونس الباجي قايد السبسي.

  • ثالثا: العودة الى مدرسة الملك «فهد بن عبدالعزيز» السياسية في مرحلة ما قبل الحرب على العراق، أي تجنب الانضمام إلى أي من المحاور الاقليمية بقدر الإمكان، والإبقاء على مسافة واحدة من الجميع ولعب دور «حمامة السلام» في الخلافات العربية، وما يتطلبه هذا من الابقاء على مسافة واحدة من الجميع.

  • رابعا: العودة الى الثوابت العربية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وكبح جماح الجناح السعودي الذي يتزعمه الامير تركي الفيصل الذي يسعى من اجل اقامة علاقات شبه طبيعية مع اسرائيل، ونسج تحالفات أمنية وربما عسكرية معها، وكان لافتا ان الملك سلمان حرص على دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس لزيارة المملكة، وكان على رأس مستقبليه في مطار الرياض، وهي سابقة لم تحدث حتى ايام الرئيس الفلسطيني الرمز ياسر عرفات.

من الصعب علينا ترجيح أي من الخيارات الاربعة، لان الملك سلمان لم يفصح حتى الآن عن مواقف حاسمة في سياسته الخارجية، وربما يقوم حاليا بعملية استطلاعية من حيث اللقاء بجميع الاطراف في المعادلة الشرق اوسطية ويستمع اليها الواحد تلو الآخر ثم بعد ذلك يقرر الخطوط العريضة لسياسته الخارجية.

السياسات الخارجية السابقة التي اتبعتها المملكة على مدى الثلاثين عاما الماضية كانت مليئة بالثقوب الاستراتيجية، فقد خسرت المملكة العراق عندما تحالفت مع امريكا على اضعافه وتغيير الحكم فيه، وخسرت الورقة الفلسطينية لصالح ايران وتورطت في مقامرة خاسرة (حتى الآن على الاقل) في سورية، وفقدت كل حلفائها في اليمن الذي ظل دائما تحت اجنحتها.

لا نعرف ماذا في جعبة الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان»، وماذا يمكن أن يعرضه على العاهل السعودي الجديد من مبادرات، ولكننا نعرف حتما ماذا في جعبة الرئيس المصري «عبدالفتاح السيسي» خاصة أننا على أعتاب المؤتمر الاقتصادي الذي سيعقد في مصر لدعم الاقتصاد المصري، فالرئيس «السيسي» يريد أن يكون العاهل السعودي الجديد نسخة أخرى من سلفه الراحل الملك «عبدالله بن عبدالعزيز» من حيث الوقوف بقوة في خندق مصر ودعمها ماليا وسياسيا حتى تتخطى أزماتها الاقتصادية والأمنية الحالية.

العلاقات التركية السعودية لم تكن جيدة منذ الدولة السعودية الأولى قبل ثلاثة قرون، فهناك دائما صراع مرجعيات سنية بين مكة المكرمة واسطنبول والازهر، وأي تحالف بين أي من المرجعيتين يأتي على حساب المرجعية الثالثة، وتتغير الأزمان، ولكن الثابت الوحيد هو الصراع بين هذه المرجعيات جزئيا أو كليا والتاريخ حافل بالوقائع في هذا المضمار، فعندما تحالفت مرجعية الازهر مع اسطنبول وصل ابراهيم باشا ابن محمد علي إلى الدرعية عاصمة الدولة السعودية ودمرها، وعندما تصادمت المرجعيتان في مكة والازهر في اليمن وقفت اسطنبول مع الاولى ولو ظاهريا. 

***

لم يكن من قبيل الصدفة أن تكون الأسابيع الأربعة الماضية هو موسم الحجيج الى الرياض خوفا وقلقا أو رغبة في جس مياه القيادة السعودية الجديدة، فقد هرع إليها الأمير «تميم بن حمد آل ثاني» أمير قطر، وقبله أمير الكويت «صباح الأحمد»، بعدهما الشيخ «محمد بن زايد» ولي عهد أبوظبي ورجلها القوي، و«محمود عباس» رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، والأسبوع المقبل يحط الرحال فيها الرئيسان المصري والتركي.

العاهل السعودي الجديد لا يستطيع أن يطيل من العمر الزمني لمرحلة الاستطلاع الحالية، وبات ملزما لكشف ملامح سياسته الخارجية، وكل ما نتمناه أن يعود إلى القضية الفلسطينية التي ترأس لجنة دعمها والمقاومة فيها لعقود طويلة، بعد أن فشلت مبادرة السلام السعودية وقوبلت بالاحتقار والاهمال من الطرف الاسرائيلي، فاذا جعل بوصلته تؤشر نحو المسجد الاقصى فهذا يعني أن المملكة تتغير، واذا أشرت هذه البوصلة باتجاه قضايا اخرى فهذا يعني الغرق في مستنقع المحاور الطائفية الدموي.

لا نتعجل الحكم، ليس لأننا لا نملك بلورة سحرية فقط، وإنما من منطلق التريث، وإن كان لدينا شكوكنا ومخاوفنا في الوقت نفسه.