الاثنين 11 يونيو 2018 08:06 ص

تلقيت دعوة قبل أسابيع قليلة لحضور العشاء السنوى المعروف باسم «مؤتمر مؤسسى وينبرغ» لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، والذى انعقد بفندق ريتز كارلتون بقلب العاصمة الأمريكية.

ويجمع المؤتمر السنوى عددا من كبار الشخصيات الفاعلة والمسئولين الرسميين الحاليين والسابقين والصحفيين وخبراء شؤون الشرق الأوسط من داخل الولايات المتحدة وخارجها. ويختتم المؤتمر فاعلياته بكلمة ولقاء مع شخصية مرموقة تُظهر حجم نفوذ المعهد، وأهمية الضيف.

وكان ضيف هذا العام الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامى، ورئيس الهيئة العالمية للعلماء المسلمين. وجاءت كلمة الشيخ بعنوان «نحو الإسلام الأكثر اعتدالا وتسامحا» أمام ما يزيد عن 350 مدعوا.

ويُعد المعهد من أكثر المراكز البحثية المؤيدة للسياسات الإسرائيلية، ومن أكثرها قربا من اللوبى الصهيونى داخل الولايات المتحدة.

*  *  *

وشهد اليوم السابق لكلمة الشيخ العيسى، والتى جاءت قبل 11 يوما من نقل الولايات المتحدة رسميا سفارتها لدى إسرائيل من مدينة تل أبيب إلى القدس، زيارة رآها البعض «تاريخية» لمتحف الهولوكوست بواشنطن.

وجاءت الزيارة بعد مبادرة قام بها الشيخ بتوجيه رسالة فى يناير الماضى إلى مديرة متحف الهولوكوست السيدة سارة بلومفيلد أبدى فيها تعاطفه الشديد مع ضحايا المحارق النازية.

وذكر الشيخ العيسى فى رسالته «أن تلك الحادثة قد هزت البشرية فى العمق وأسفرت عن فظائع يعجز أى إنسان منصف ومحب للعدل والسلام أن ينكرها أو يستهين بها».

وأكد الشيخ أن التاريخ لن ينسى هذه المأساة الإنسانية التى ارتكبتها النازية الشريرة، وأن «الإسلام الحقيقى يحرم هذه الجرائم ويدينها بأقصى درجات العقوبات الجنائية ويصنّفها ضمن أقبح الفظائع الإنسانية على الإطلاق».

ولفت الشيخ نظر السيدة سارة إلى أن «رابطة العالم الإسلامى» هى كيان مستقل تماما عن جميع الغايات والميول السياسية، إلا أنها «لا تتردد فى التعبير عن رأيها بموضوعية تامة وبحيادية لا تحمل أى طابع سياسى بتاتا».

ورغم أن رسالة الشيخ جاءت بعد شهر واحد من إعلان الرئيس ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونيته نقل السفارة الأمريكية إليها، لم يتطرق الشيح العيسى للموضوع من بعيد أو قريب، رغم مكانة وقدسية مدينة القدس لدى المسلمين، ولكونه يحمل منصبين هما الأمين العام لرابطة العالم الإسلامى، ورئيس الهيئة العالمية للعلماء المسلمين.

*  *  *

وخلال زيارته لواشنطن، والتى جاءت قبل 11 يوما من نقل إدارة ترامب رسميا سفارتها لدى إسرائيل إلى مدينة القدس، التقى الشيخ العيسى المبعوث الخاص لملف المفاوضات جيسون جرينبلات، وناقشا آخر تطورات الأوضاع فى منطقة الشرق الأوسط.

وركز بيان صدر عن البيت الأبيض على الاحتفاء بموقف الشيخ من الهولوكوست، وشدد على تبنى الإدارة الأمريكية لفحوى رسالة العيسى عن محرقة اليهود التى «صنعت ظرفا لا يمكن لأى شخص منصف ومحب للسلام إنكار أهواله وفظائعه أو التقليل من شأنه».

وتجاهل الشيخ كذلك التطرق لملف قضية فلسطين، وتناسى الشيخ أن السيد جرينبلات هو أحد أهم مهندسى نقل واشنطن لسفارتها للقدس إلى جانب السفير هناك ديفيد ليبرمان وصهر الرئيس جاريد كوتشنر.

وثلاثتهم من اليهود الأرثوذكس المتدينين الذين أنفقوا ملايين الدولارات لبناء ودعم الاستيطان فى الضفة الغربية المحتلة. وخلا بيان البيت الأبيض من أى إشارة من الشيخ العيسى عن نقل ترامب للسفارة للقدس واعترافه بها عاصمة لإسرائيل.

الإشارة الوحيدة من الشيخ عن فلسطين جاءت ضمن رده عن سؤال خلال عشاء معهد واشنطن، وجاء الرد شديد السلبية حتى بالمعايير الدبلوماسية، ولا يعبر عن أى واقع ولا يندد حتى بأى ممارسات ظالمة!

إذ قال الشيخ «إن هناك مشروعا عربيا مُقدَّما لحل القضية بين إسرائيل والفلسطينيين من جميع الأوجه (فى إشارة لمبادرة السلام العربية) وهو حل عادل للجميع، متى حصل هذا الحل، سنذهب سوية لنبارك هذا السلام هناك، سيكون سلاما شاملا».

*  *  *

لكن لا يجب أن نظلم الشيخ، وهو الذى شغل سابقا منصب وزير العدل فى السعودية، قبل أن يعين مستشارا فى الديوان الملكى عام 2015، وذلك قبل أن يشغل منصبه الحالى فى رابطة العالم الإسلامى، فما قام به يُكمل ما يقوم به ولى العهد السعودى محمد بن سلمان.

ويعتقد كلاهما أن واشنطن هى بوابة التطبيع السهلة نحو إسرائيل، وليست واشنطن فى المطلق، بل دوائر واشنطن المؤيدة والمقربة من حزب الليكود تحديدا. وخلال زيارته لواشنطن منذ شهرين قال بن سلمان لمجلة ذى أتلانتيك «أعتقد أن الفلسطينيين والإسرائيليين لهم الحق فى امتلاك أراضيهم الخاصة».

لتكون المرة الأولى التى يتحدث فيها زعيم عربى عن أراض تاريخية خاصة بإسرائيل، ناهيك عن لقاءاته غير السرية بمجموعات من زعماء اليهود الأمريكيين فى نيويورك، ولوس أنجلوس وهى الاجتماعات التى ضمت أيضا قادة اللوبى اليهودى (منهم ممثلون عن منظمة آيباك، ومؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية، ورابطة مكافحة التشهير، واللجنة اليهودية الأمريكية).

يعتقد بن سلمان أن صداقته لصهر ترامب كوتشنر، هى السبيل الأقصر والمباشر لنيل الرضاء الأمريكى والإسرائيلى معا خدمة لأهداف ضيقة لا تراعى أى مصالح استراتيجية لشعوب العرب أو المسلمين، أو حتى لمستقبل حكمهم.

وتوفر العاصمة الأمريكية موقعا مثاليا كبوابة لأنشطة وفاعليات ولقاءات بين المهرولين للتطبيع مع إسرائيل، أو حتى لهؤلاء الساعين لنيل البركة الإسرائيلية لتحسن علاقاتهم بواشنطن.

وهكذا لا يتوارى المزيد من العرب ورموزهم الدينية عن الدخول فى أنشطة تطبيعية والتى أطلق عليها قبل سنوات مرحلة «التطبيع بلا مقابل»، لنصل اليوم لمرحلة أخرى أكثر قتامة أطلق عليها «استجداء التطبيع»، حتى لو كان الثمن تجاهل الشعب الفلسطينى وحقوقه، والقيام بزيارة لا معنى لها لمتحف الهولوكوست.

* محمد المنشاوي كاتب صحفي في الشؤون الأميركية من واشنطن.

المصدر | الشروق المصرية