السبت 14 مارس 2015 05:03 ص

بات ثمّة ما يقارب الإجماع على أن الاتفاق الأميركي- الإيراني صار قاب قوسين أو أدنى، فإذا صح هذا التقدير، الذي يُستدل عليه بإشارات وتسريبات وزيارات وتصريحات، بتنا وجهاً لوجه مع تحولات هائلة في النسيج الجيوبوليتيكي للمنطقة إذا صح الوصف.

ذاك أن «التفويض الأميركي لإيران»، بحسب تعبير رائج يستعير تجربة العراق حين ترك الانسحاب الأميركي فراغاً سده الإيرانيون، سيعني بادئ ذي بدء انخفاضاً في حرارة التحالفات الأساسية القائمة على صعد ثلاثة:

-عربياً، لن تشعر الدول الخليجية خصوصاً، وبقية الدول العربية على العموم، بالثقة التي كانت توليها قبلاً للصداقة مع واشنطن. وأغلب الظنّ أن ما وصفته وكالات الأنباء بـ«زيارة الطمأنة» التي قام بها وزير الخارجية الأميركي للسعودية لن تكون كافية لإحداث هذه الطمأنة. ويمكن الافتراض أن تركيا -وهي عضو في حلف «الناتو»- تنتابها هواجس شبيهة بالهواجس العربية، خصوصاً إذا أبقينا في الخلفية التنافس القديم والتقليدي على النفوذ بينها وبين إيران.

-أوروبياً، لن يكون الفرنسيون -وهم أكثر الأوروبيين عناية بمنطقة الشرق الأوسط- مرتاحين إلى «الصفقة» العتيدة الأميركية- الإيرانية، وهو ما عبر عنه بكثير من الصراحة الرئيس فرانسوا أولاند ووزير خارجيته لوران فابيوس.

وما يزيد القلق الأوروبي (وكذلك الخليجي) أن الانكفاء الأميركي، وما قد يستتبعه من «تلزيم» إيران، إنما سبق أن شهد تمرينه الأولي في موقف واشنطن الرجراج والمتردد حيال الأزمة السورية، وأن هذا الانكفاء ربما كان الاسم الحركي لتحول كامل في الاهتمام باتجاه آسيا والمحيط الهادئ.

- إسرائيلياً، حيث لم نعد، بعد خطبة نتنياهو في جلسة الكونجرس المشتركة، بحاجة للتدليل على موقع المسألة الإيرانية في جدول الأولويات الإسرائيلي. صحيح أن الأمر لا يخلو من اعتبارات انتخابية وحزبية أراد نتنياهو استغلالها، إلا أن هذا لا يلغي وقوع المسألة الإيرانية في دائرة من الإجماع الإسرائيلي. وأغلب الظن أن أي رئيس حكومة قد يخلف نتنياهو مدعوّ لاعتماد الموقف نفسه، ولو بقالب آخر أقل عنجهية وفجاجة.

وهذه العناصر أعلاه بمثابة تحولات غير بسيطة بتاتاً على مسرح العلاقات الدولية والتوازنات التي تتحكم فيها.

يكفي القول، إن إيران نووية، تهيمن على العديد من العواصم العربية، وتؤثر تأثيراً حاسماً على مضيقي هرمز وباب المندب، قد تدفع إلى سباق تسلّح نوويّ لطالما تجنبته المنطقة، بأخطاره الوجودية وبأكلافه الاقتصادية الباهظة.

لكنْ على رغم ذلك، يبقى السؤال الأهم هو التالي: إذا صح الكلام عن تخلٍّ أميركي «يبارك» إمساك إيران بالمنطقة، فهل في وسع إيران أن تمسك بها فعلاً، وما هي أكلاف ذلك؟ غني عن القول، إن الوزن الذي حظي به النفوذ الإيراني حتى اليوم، في كل من العراق واليمن ولبنان، لم يتحقق إلا من خلال الحروب الأهلية (كما الحال في اليمن والعراق)، أو فرض السيطرة على المفاصل الأساسية للدولة والمجتمع بقوة السلاح، وفي ظل رفض القطاعات السكانية المختلفة (كما في لبنان). أما في سوريا، حيث باتت طهران صاحبة اليد العليا في وجهة الأحداث، فدورها مربوط أيضاً بالدفاع عن نظام ساقط ومرفوض من أغلبية شعبه.

بلغة أخرى، فإن إمساك إيران بالمنطقة يعادل مشروعاً أبدياً للحرب الأهلية في أكثر من بلد عربي، وبالتالي إمكان اشتعال المنطقة العربية برمتها على نحو يبدد ثرواتها، ويهدد بإرجاع سكانها مئات السنوات إلى الوراء.

وكل من يلم بالتركيب الأهلي والمذهبي للشرق الأوسط يدرك أنه لن يكون في وسع إيران أن تنتصر على المدى البعيد في مواجهة إطلاقية وبدائية كهذه، فكيف وأن طهران محكومة أيضاً باهتماماتها على جبهتها الشرقية- الآسيوية من جهة الهند وباكستان وأفغانستان، ما يستدعي بذل الكثير من الجهد والمال؟ ثم إن القيام بأعباء هذا الدور الإمبراطوري يتطلب حالة من الاطمئنان إلى أوضاع السلطة في الداخل، وهذا ما ليس متحققاً بالقدر الكافي في طهران.

فإذا ما استمر التورط الإيراني في نزاعات العالم العربي، واستمرت أكلافه البشرية والاقتصادية على إيران، بات من الجائز الكلام عن العراق أو اليمن بالنسبة إليها بوصفهما ما كانته فيتنام بالنسبة إلى الولايات المتحدة، أو أفغانستان بالنسبة إلى الاتحاد السوفييتي السابق.

إلى ذلك كله تبقى نقطة نادراً ما يشار إليها. ذاك أن الحديث السائد عما سـ«تعطيه» الولايات المتحدة لإيران لا يزال يحجب الحديث المقابل عما سـ«تعطيه» إيران للولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، لابد من الافتراض بأن طهران ستتخلى عن سياسة المناهضة للولايات المتحدة كما اتبعتها منذ ثورتها الخمينية في 1979، لكن هل يمتلك الجسم الإيراني حقاً تلك السلاسة والانسيابية اللتين يتطلبهما تحول في هذا الحجم؟

وهل سيكون سهلاً -وفي البال التناقض الكبير بين الجناحين الراديكالي والمعتدل- إعادة تصوير واشنطن بوصفها الصديق، بعد كل هذا الشحن ضدها إيديولوجياً وتعليمياً الذي صُنعت على أساسه أجيال إيرانية متعاقبة؟

إن مهمة الإيرانيين ستكون حتماً أصعب مما يُظن. فالأمر أعقد كثيراً من مجرد الحصول على رفع العقوبات والتنعّم بالعائدات! ذاك أن المقابل الذي يستدعيه ذلك قد لا تملكه طهران.