الثلاثاء 14 أبريل 2015 08:04 ص

في السابع من مارس/آذار الماضي زعم «حسين سلامي» نائب قائد الحرس الثوري الإيراني أن «نفوذ الثورة الإسلامية امتد إلى اليمن»، وأضاف قائلاً إن «الثورة الإسلامية أثرت في الشعوب والحكومات من البحر المتوسط إلى باب المندب في اليمن».

وفي وقتٍ لاحق أشاد «محسن رضائي» قائد الحرس الثوري الإيراني بمقاومة الحوثيين ضد التحالف الذي تقوده السعودية، وصرّح بأن «جبهة المقاومة التي تقودها إيران تقاتل ضد غزو الإسرائيليين والسعوديين في العراق وسوريا ولبنان والبحرين وحاليًا في اليمن».

وفي وقتٍ لاحق أعلن «علي رضا زاكانى» عضو البرلمان الإيراني والمقرب من المرشد الأعلى أن «ثلاث عواصم عربية، بيروت ودمشق وبغداد، قد سقطوا بالفعل فى أيدي إيران وينتمون إلى الثورة الإسلامية الإيرانية وأن صنعاء ستكون الرابعة».

وتؤكد هذه التصريحات أن إيران كانت تسعى جاهدة لتوسيع نطاقها الاستراتيجي إلى البحر المتوسط والآن إلى باب المندب أيضا، وفى بعض الأحيان يشار إلى دعم إيران للحوثيين فى سياق الجغرافية السياسية الجديدة بـمصطلح «اللعبة الكبرى» مع السعودية، فى حين أن كلا البلدين منشغلتان فى سباق استراتيجي لعقود طويلة من أجل سيادة إقليمية فى المنطقة التي تمتد من الخليج العربي إلى البحر المتوسط وبحر العرب.

وعلى جانب واحد يقول «روبرت كابلان» في كتابه (ثأر الجغرافية السياسية):«أنشأت إيران ببراعة أول امبراطورية عسكرية في العصر الحديث، فهي لا تعتمد سياسة المستعمرات أو المدرعات والدبابات وحاملات الطائرات كأدوات القوة التقليدية»، وعلى الجانب الآخر تسعى السعودية بصفتها قائدة للمعسكر السني، إلى بناء تحالف سني يضم كلا من السعودية ومصر وتركيا لمواجهة ما أسماه بـ«التهديد الشيعي».

وبعد دخولهم فى سلسلة من الحروب بالوكالة لإضعاف بعضهم البعض، تتصارع الآن الرياض وطهران بشكل صارخ على اليمن، وهي «الباب الخلفي» الاستراتيجي للسعودية وتعتبرها إيران ورقة استراتيجية رابحة لهذا السبب تحديدا، ومن خلال نفوذها في اليمن تسعى إيران للضغط على الرياض للتقدم بسهولة فى العراق وسوريا، حيث أن كلا البلدين هما جزء من المساحة الاستراتيجية الإيرانية، ومن الممكن أن تؤدي زيادة الضغط على الحدود الجنوبية للسعودية إلى ذلك.

ومن الممكن أن يُنظر إلى أن الجزء الأكبر من  «اللعبة الكبرى» بين طهران والرياض على أنه قد بنى فى الأساس على قواعد طائفية وعقائدية، ومن الواضع أن الفكر الشيعي الثوري ضد الاستعمار، والذي تبنته ثورة 1979 الإسلامية كان لديه القوة الدافعة لتوسيع النفوذ الإيراني فى المنطقة، وقد وصفت هذه العملية فى إيران بـ«تصدير الثورة»، كما تولد عن الثورة الإسلامية ما يسمى بديناميكية الجاذبية مع التحولات الجيوسياسية فى كلا السياستين الإقليمية والعالمية، وقد وصفت إيران ليس فقط بكونها البلد المضيف سياسيًا وأيدولوجيًا للشيعة، ولكن أيضا كملاذ لجماعات من المسلحين تحدت القوى الإقليمية المحافظة، وحيث يبلغ تعداد الشيعة فى اليمن خمسي تعداد السكان (40%)، لذا فمن الممكن أن تصبح اليمن ساحة الحرب الإيرانية المقبلة لتتحدى عدوها الأيديولوجي المدعوم من الراديكالية السنية السعودية والوهابية.

وقد كان وضع اليمن الجغرافي الاستراتيجي دافعًا آخر لدعم إيران للحوثيين، ونظرًا لأن باب المندب الواقع بين اليمن وجيبوتي وإريتريا هو رابع أكثر مواني النفط والوقود ازدحاما فى العالم، ووفقا للبيانات فإن 3.8 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات النفطية تدفقت عبر باب المندب فى عام 2013، ومن المحتمل أن يعمل الحوثيون على قطع تدفق النفط أو مهاجمة السفن فى باب المندب فى حالة الاستيلاء على جزيرة فى المضيق أو فى حال وجود أي حصار أو تهديد لإيران.

وتوضح وكالة معلومات الطاقة الأمريكية أن «إغلاق باب المندب من الممكن أن يؤدى إلى احتجاز الناقلات من الخليج العربي إلى الوصول إلى قناة السويس أو خط أنابيب سوميد، مما سيؤدى إلى تحولهم نحو الطرف الجنوبي من أفريقيا، إضافة إلى وقت العبور وتكلفته»، وأضافت الوكالة أن «هذا سيعطى إيران حرية الوصول إلى نقطة خنق إضافية أقصى مضيق هرمز، وفيما يبدو أن احتمالية نشوب حرب فى مضيق باب المندب هي أمر لا مفر منه».

وعلى الرغم من دورها الحاسم، لم تكن القوة الجيوسياسية أو حتى الجيوثقافية هي القوى المحركة في تشكيل مسار استراتيجية إيران تجاه اليمن، على العكس من ذلك، فإنى الفهم العميق والواضح والطويل المدى لمحددات الجغرافيا هو الذي دفع إيران للسعي لبناء علاقات طويلة الأمد مع الحوثيين. تقع إيران في قلب الشرق الأوسط الكبير. إيران، قلعة الشرق الأدنى، كانت القوة الأولى في العالم القديم، وهو ما يجلب إلى الأذهان مقولة «هيجل» أن الفرس هم أقدم شعوب التاريخ.

ومع ذلك، حكمت الجغرافيا على إيران لسوء الحظ بافتقاد الحدود الدفاعية الطبيعية، وهي الخصائص التي جعلت الهضبة الإيرانية مطمعًا للقبائل والأمم المختلفة. حقيقة افتقاد إيران للدفاعات الطبيعية، جنبًا إلى جنب مع حقيقة كونها الدولة الوحيدة في المنطقة التي تجمع بين المذهب الشيعي واللغة الفارسية، كانت تذكر دائما بأهمية «العزلة الاستراتيجية» لإيران، وهو مصطلح صاغه لأول مرة «محي الدين مصباحي» مدير دراسات الشرق الأوسط بجامعة فلوريدا الدولية، ويوحي المصطلح بأن إيران بالطبيعة، وبحكم التصميم (الجغرافيا)، كانت دومًا منعزلة استراتيجيا، ومحرومة من التحالفات المجدية والتبعية للقوى الكبرى.

ساهمت كل من الثورة الإسلامية والحرب العراقية الإيرانية في تكريس العزلة الاستراتيجية لإيران. في ذروة الحرب، تلقى العراق دعمًا كبيرا من ممالك الخليج ومن الولايات المتحدة ومن الاتحاد السوفييتي. بالنسبة لكثير من الإيرانيين، فإن حرب الثماني سنوات كانت حرب الجميع ضد إيران، وهو تمظهر واضح للعزلة الاستراتيجية لإيران.

أكدت الحرب مع العراق كذلك مشاكل إيران الداخلية في الدفاع عن حدودها. دروس التاريخ والجغرافيا تظهر بوضوح أن منطق الردع الإيراني يستند بشكل كبير على قدرتها على إبراز قوتها خارجيًا. مساحات شاسعة من الأرض والحدود غير المستقرة، جنبًا إلى جنب مع انعدام الأمن تاريخيا، دفعتا إيران للدفاع عن وحدته الوطنية واستقلاله خارج حدوده. وهذا يعني أن الإيرانيين، بغض النظر عن شكل النظام أو أيدولوجيته، كانوا يميلون دائما لبسط هيمنتهم خارج الحدود الإيرانية. من هذا المنظور، فإن بناء علاقات استراتيجية مع المجموعات المسلحة الشيعية مثل الحوثيين كانت دوما أداة استراتيجية لإيران لتعويض عزلتها الاستراتيجية. لمدة تتجاوز 3 عقود، كانت هذه العلاقات محور استراتيجية إيران لتحقيق تطلعاتها نحو الأمن الوطني وردع التهديدات الخارجية.

كتب «نيكولاس سبايكمان» ذات مرة: «الجغرافيا لايمكن جدالها». ببساطة فإن جغرافية إيران الخاصة وعزلتها الاستراتيجية ساهمتا، أكثر من أي عوامل أخرى، في تأطير مسار سياستها الخارجية وسعيها لتحقيق التفوق.

وكما أشار «فريد زكريا»، عندما قرر «نيكسون» و«كسينجر» في عام 1970 أن إيران ستكون أحد شرطيي المنطقة، فعلوا ذلك من منطلق الاعتراف بالأهمية الاستراتيجية لإيران وليس لمجرد دعم الشاة.

محددات الجغرافيا تفرض محورية إيران في التطور المستقبلي في مشروع الشرق الأوسط رغم علاقاتها بالجماعات الشيعية المسلحة. هذا ما يمكن أن نطلق عليه ببساطة «انتقام الجغرافيا».