الخميس 16 أبريل 2015 10:04 ص

باتت الحرب في اليمن تفسّر أكثر فأكثر كمنافسة سعوديّة مع إيران. وللتأكّد من صحّة هذا الاعتقاد الذي غالباً ما يكرّر، ينبغي توضيح نقطتين، هما ما إذا كان النزاع مدفوعاً بديناميّات طائفيّة، وما الذي تسعى إليه إيران في اليمن.

لطالما كانت اليمن أفغانستان العالم العربي. فأكثرية اليمنيين يعيشون دون خط الفقر. وتعاني البلاد مشاكل متعدّدة، بالإضافة إلى خلاف قديم على الحدود مع المملكة العربيّة السعوديّة. وبعد تظاهرات الربيع العربي، وصل «عبد ربه منصور هادي» إلى الحكم من خلال انتخابات بمرشّح وحيد جرت بوساطة من مجلس التعاون الخليجيّ، مع استغلال المجموعات المعارضة الفراغ في السلطة. وقد سيطر الحوثيّون في الأشهر الأخيرة على مراكز مدينيّة كبيرة بالتعاون مع خصمهم السابق (وسلف هادي) «علي عبد الله صالح».

ويقول الخبراء في الشؤون اليمنية إن الحوثيين برزوا كحركة إحيائيّة زيديّة رداً على الدعوة السلفيّة المموّلة من السعوديّة في التسعينيّات. ويُزعم منذ زمن طويل أنّ هذه الجماعة طائفيّة ومرتبطة بإيران. وقال روبرت وورث، وهو عضو في مركز «ويلسون» ومراسل سابق لدى صحيفة «نيويورك تايمز» في الشرق الأوسط، لـ«المونيتور»«اتهم الحوثيون بأنهم جواسيس إيرانيون منذ تأسيس جماعتهم تقريبا». لكن الذين صدّقوا هذه الاتّهامات كانوا قلائل. وقال «وورث»، الذي عمل على الأرض في اليمن ويكتب كتاباً عن إرث الثورات العربيّة: «عندما بدأتُ أكتب عن هذه الاتّهامات في العام 2007، سخر منها الجميع تقريباً – حتّى المسؤولون اليمنيّون، بشكل غير رسمي».

إذا كان هناك بالفعل منافسة سعودية إيرانية في اليمن فيما يتعلق بالحوثيين، فجذورها تعود إلى أواخر العام 2009. عندما هاجمت القوّات السعوديّة المناطق الحدوديّة الخاضعة لسيطرة الحوثيّين، استؤنف الكلام وبقوّة عن علاقة الحوثيّين المزعومة مع إيران. وكان السبب واضحا، أقله من وجهة نظر «وورث»«صمدت ميليشيا غوغائيّة طوال أشهر في وجه الجيش السعوديّ المزوّد بمعدّات متطوّرة، بل وسدّدت له ضربات مخزية... في الوقت نفسه، بجّل الإعلام الإيرانيّ الحوثيّين نظراً إلى مقاومتهم البطوليّة». وتضمّنت برقيّات تابعة لوزارة الخارجيّة الأميركيّة نشرتها «ويكيليكس» تشكيكا في علاقة الحوثيين المزعومة مع إيران في ذلك الوقت.

وفي مقابلة مع «المونيتور»، أكّد مصدر مجهول مقرّب من قناة العالم الإخباريّة الإيرانيّة أنّ التغطية الإعلاميّة الإيرانيّة للوضع في اليمن اكتسبت زخماً في البداية في أواخر العام 2009، وليس أثناء ثورات الربيع العربيّ في العام 2011.

وبالفعل، إن التقارير الموثوقة الأولى حول مساعدة إيران الماديّة للحوثيّين بدأت تظهر قرابة العام 2012. وكما أشار «وورث»«من الضروريّ أن نضيف أنّ إيران لم تكن تساعد الحوثيّين وحدهم. فقد تحدّثتُ إلى أعضاء من الحراك الجنوبيّ و بعض الشخصيّات السياسيّة الليبراليّة الذين قدّم إليهم مسؤولون إيرانيّون الدعم... ما من مؤشّر على أنّ الحوثيّين يأخذون إرشادات أو حتّى نصائح من إيران، على الرغم من ادّعاءات كثيرة تشير إلى العكس».

في 12 نيسان/أبريل، قال وزير الخارجيّة السعوديّ رداً على دعوات إيران إلى وقف الأعمال القتاليّة: «إيران ليست مسؤولة عن اليمن». إذا كان ذلك صحيحاً، من الذي تستهدفه المملكة العربيّة السعوديّة إذاً؟

قال دبلوماسيّ إيرانيّ سابق رفيع المستوى لـ«المونيتور»«وضعت الرياض نفسها في موقف ترى فيه أنّها تحارب النفوذ الإيرانيّ المتنامي في المنطقة. ولهذه الغاية، فتح السعوديّون جبهات متعدّدة ضدّ إيران، من إثارة النزاع الإيديولوجيّ بين السلفيّة والشيعيّة، أو تحدّي إيران في ما يتعلّق بالعراق وسوريا ولبنان واليوم اليمن». وأشار المصدر أيضاً إلى ديناميّة أخرى في هذا السياق: «إنّ التطوّر الأكثر مرارة على الأرجح بالنسبة إلى الرياض هو التحسّن المقبل في العلاقة الأميركيّة الإيرانيّة، واحتمال خسارة جهة حامية لها منذ زمن».

ومن الأسئلة المهمّة الأخرى التي ينبغي النظر فيها هو ما إذا كانت اليمن تدخل في معادلة إيران الإقليميّة، وكيف. قال رئيس معهد الدراسات الاستراتيجيّة في الشرق الأوسط، كايهان بارزيغار، لـ«المونيتور»«ترتكز سياسة إيران الإقليميّة على دعم الحكومات المستقلّة لتقوية التعاون الإقليميّ. وإذا كانت اليمن مستقلّة وقائمة على حكومة شاملة، تعزّز قيمة هذه الاستراتيجيّة بإزالة دولة عربيّة أخرى من الممكن أن تتعاون مع لاعبين خارجيين وخصوم إقليميين ضدّ إيران».

هل الهدف من اليمن بالنسبة إلى إيران إذا هو حرمان السعوديّين من حليف مناهض لإيران أكثر منه كسب حليف؟ هل يمكن قول الأمر نفسه بالنسبة إلى الحسابات السعوديّة؟

قد يكون الردّ الإقليميّ الجانب الأكثر إثارة للاهتمام من جوانب الحرب في اليمن. فقد سارع عدد من الدول إلى مدّ الحملة السعوديّة بالقوّات، بما في ذلك السودان، حليفة إيران منذ زمن طويل. وقيل أيضاً إنّ المملكة العربيّة السعوديّة طلبت من باكستان تزويد العمليّات العسكريّة بدعم حسي وبشري.

لكن في الأيّام الأخيرة الماضية، بدا أنّ جهود إيران الدبلوماسيّة الفاعلة قوّضت محاولة المملكة العربيّة السعوديّة لجعل النزاع إقليميّاً. فبعيد رحلة الرئيس التركيّ «رجب طيب أردوغان» إلى طهران الأسبوع الماضي، التي تخللتها دعوة إيرانية تركية مشتركة إلى وقف النزاع في اليمن، سافر وزير الخارجيّة الإيراني «محمد جواد ظريف» إلى عمان وباكستان وأجرى محادثات تمحورت حول اليمن. وكان من المفاجئ أن باكستان التي هي حليفة قويّة للمملكة العربيّة السعوديّة – يعتبرها البعض خطّة الرياض البديلة في حال تصنيع سلاح نوويّ إيرانيّ – رفضت أيّ تدخّل لها في الحرب اليمنيّة.

وكان السعوديّون والإماراتيّون قد عبّروا عن انزعاجهم من القرار التركيّ الباكستانيّ القاضي بالامتناع عن المشاركة في الحرب. ويمكن تفهم شعورهم هذا. فالحوثيون لا يزالون هناك، والمملكة العربية السعودية تخسر جنوداً، وفكرة إنشاء جبهة سنيّة موحّدة تنهار، والرياض مهدّدة بالانزلاق في حرب مكلفة ضد أشباح إيرانيين – وكل ذلك من دون ثمن يذكر بالنسبة إلى طهران.

وقال «بارزيغار» إن المقاربة الإيرانية ستشمل على الأرجح دعماً مستمرا للحوثيين و«إذا دعت الحاجة، إقناعهم بتشكيل حكومة شاملة. ولن تتوقّف إيران عن التواصل مع المملكة العربيّة السعوديّة ومصر لإيجاد حلّ سياسيّ متوافق عليه لإنهاء النزاع في اليمن».

ليس واضحاً متى ستنتهي الحرب في اليمن، لكن ما هو واضح هو أنّ الجهود الدبلوماسيّة الإيرانيّة تثبت أنّها ردّ فعاّل على الأموال والقوّة الناريّة السعوديّة. وبما أنّ أهداف الحرب اليمنيّة تزداد غموضاً، قد تجد المملكة العربيّة السعوديّة وحلفاؤها أنفسهم قريباً عالقين في ورطة.