الثلاثاء 28 أبريل 2015 06:04 ص

في نهاية العام 2006، حين نشرت «مجموعة دراسة العراق» برئاسة «جيمس بيكرولي هاماتون» تقريرها، علق عالم الفيزياء النووية «توم اودونيل» على التقرير بقوله إنه موجه الى المحيط العربي للعراق أكثر من صلاحيته للوضع العراقي، خصوصاً لناحية إشارة التقرير لما معناه ان أميركا نجحت في الغزو وفشلت في الاحتلال، وعليكم أيها العرب أن تدفعوا الثمن، شرق أوسط جديد، ديموقراطية واقتصاد سوق.

أما ايران، فتحسب ما يضمره كلام المجموعة، فلها المواجهة منكم، فلا يمكن أن يتكرر الفشل مرتين في الأرض ذاتها. لكن اللافت أن هذا العالم القدير قام بنشر دراسة مهمة وخطيرة حول المفاوضات السرية بين أميركا وايران، وقد كانت برعاية الديبلوماسي المعروف توماس بيكرينغ. وقد أكد بالتفاصيل أن الأزمة بين ايران والغرب لا تختص بالطاقة النووية فحسب، بقدر ما تتعلق بالسيطرة السياسية والهيمنة العسكرية للولايات المتحدة على الاقليم.

من الاحتواء المشترك الى الاستئصال المشترك

بيد أن عالم الاجتماع «جوناثان كتلر»، الذي أيد بحرارة وجهات نظر «اودونيل»، أكد بتحليله المفصل في «حرب واشنطن في العراق»، أن إدارة «بوش» الابن قد طورت من خلال التصاقها بالمحافظين الجدد، سياسة «كلينتون» في الاحتواء المشترك، والتي صاغها «مارتن انديك» في أيار 1993، وبدأت تعتمد رويدا رويدا على مخطط المحافظ الصهيوني دافيد وورسمر الذي شرحه في كتابه «فشل اميركا في هزيمة صدام»، حيث دعى الى انتهاج سياسة «الاستئصال المشترك» للعراق أولا وبعدها ايران.

فالثانية يمكن محاربتها سياسيا عن طريق «التشيع العراقي»، وعسكريا من خلال «التسنن العربي» في العراق ومحيطه. وكان مستشاراً عند ديك تشيني، وقد شكك في قدرات اوباما في التعامل مع الأزمة العراقية، فاقترح التعامل مع المسألة من زاويتين: الأولى تتمثل بالاحتضان العربي النفطي للتسنن العراقي والثانية معاكسة الخشية التقليدية من تأثيرات ايران على العراق بسيناريو جديد هو إحداث تأثيرات عراقية على ايران.
تجارب الغزو المعاصرة

واذا نظرنا إلى الحالة المشتعلة الآن في المثلث «العراقي ـ السوري ـ اليمني»، فلا يمكن الا الاستشهاد بما أورده المؤرخ العسكري مارتن فان كريفيلد حين اعتبر أن موشي دايان فشل في تعليم الاسرائيليين «عيب الغزو» لأراضي العربية، فيما فشلت اميركا في تربية عرب النفط «عيب الغزو» لأراضي بعضهم البعض. والحال أن هذه المقولة تستند إلى الرأي الجدلي القائل بأن التناقضات العلنية المضللة بين الموقفين الاميركي والوهابي النفطي الخليجي ليس سببها التعارض بين مصالح الطرفين، وانما الأمر محاولة اميركية للحفاظ على المصالح المشتركة لكن من وجهة نظرها، على أن تؤخذ بالاعتبار علاقة التابع بالمتبوع في المعادلة، لأن اميركا هي التي تقرر وحدها المسيرة في التحليل الأخير.

انفجار الجغرافيا السياسية العراقية

ان الجغرافية السياسية ليست منقلة فحم بدوية، فهي بركان هائل من المصالح والهويات والطموحات المتناقضة. وإن الصورة التي رسمها المحلل الصهيوني الاميركي، الان شوارتز، في العام 2006، للعراق في العقد القادم، (أي الآن) هي متطابقة بشكل مدهش مع الأحداث الجارية حالياً ومع تصريحات عادل جبير، السفير السعودي في واشنطن. فهو يشير من دون مواربة الى أن تجديد «الجيوش العربية» مهم دوريا لخوض حروب «عربية بينية» من أجل تطوير اقتصاد «الخصخصة» النامي في أحشائها.

وهو ينصح اسرائيل بأن يكون دورها مخابراتيا في العمليات العسكرية، ومن الضروري ألا يتصاعد أكثر من سقف التحالف التاريخي بين الغرب واسرائيل. وهو يضيف ان اسرائيل قد أثرت جيوسياسيا على المنطقة العربية ولكنها لم تؤثر على المحيط غير العربي بشكل كاف، بينما كان بن غوريون يعتبر هذا المحيط مساحة مهمة في فكر الدولة الإسرائيلية. وفي حين فشلت تركيا في التمدد على هذا النحو، فإن إيران نجحت بحذاقة في اختراق محيطها. 

ان انقاذ العراق في مخطط الان شوارتز لن يكون على عاتق اميركا قط، وانما هي مهمة عربية كاملة لابعاد اميركا عن مرمى النيران وتحييد اسرائيل عن الصراعات البينية، على أن يكون لها دور مباشر في الوقت الملائم. كما أننا نجد شوارتز متفقا وبالتفاصيل مع سائر الدراسات التي صدرت في سنوات 2006 ـ 2008، حول أهمية «الاندفاعة» التي قادها الجنرال ديفيد بيترايس في تلك الآونة حين كان قائدا للقوات الاميركية في العراق، والتي كانت المعول الرئيسي في دفن «المقاومة الوطنية» ضد الاحتلال الأميركي، وبداية الهيمنة الطوائفية السياسية على المشهد العراقي.

تحويل الحرب الأهلية العراقية إلى حرب أهلية عربية

يمكن القول من دون مبالغة أن زيارة «ديفيد بيترايس» قبل أسابيع الى السنجق الكردي ومقابلته مع «مسعود بارزاني» هي رجوع المجرم الى مسرح الجريمة. فالدراسة التي نشرت في كلية الجيش والحرب الاميركية من قبله بعد نجاح «الاندفاعة» (2007-2008)، تشير بوضوح الى وجهة نظر بيترايس حيال دور «الاندفاعة» التي هدفت إلى استئصال المقاومة العراقية، في الأحداث القادمة في العراق والمنطقة العربية المتاخمة له.

فهو يقول إن معدل عمر «المقاومة» في العراق والمنطقة، لا يتجاوز عشر سنوات، وبعدها على اميركا وأعوانها في الاقليم تحويل هذه المقاومة الى صديق يمكن التفاهم والتنسيق معه، أو يتم تصفيتها سياسيا وعسكريا، أو أنها يمكن ضمن مجرى الصراع أن تتغير الى احدى المنظمات الارهابية الموجودة في المنطقة، ومنها «القاعدة»، حيث يذكر ذلك بالنص. وعليه،

فالمهمة الأساسية بالنسبة لاميركا ليست متابعة برنامجها فقط، وانما اثبات مصداقيتها من خلال ادارة النتائج مستقبلا، (يقصد الآن)، وتصريحاته الأخيرة في المقابلة التي أجراها مع «واشنطن بوست» في 19 آذار2015 تفيد بذلك، حين قال إن «الحشد الشعبي» في العراق هو أشد خطورة من «داعش». 

في السياق نفسه، يقول «تشارلي ميلر»، كاتب «مسودات بيترايس»: نحن في صدد انشاء القاعدة الملائمة لاعادة اعمار العراق بعد الحرب الأهلية القادمة، اذا ما انتهت! لأن الصدامات يمكن، بل يجب أن تستمر الى العام 2015. هنا تبدو النظرية بخيلة والحقيقة مسرفة. لأن المعلق الصحافي «توماس ريكس» يعقب في هذا المنحى بقوله «نحن باقون بأشكال مختلفة في العراق ونخدع الشعب العراقي». وهو يشدد على ان المركزية النفطية التي تطرح من قبل نوري المالكي هي الوحيدة التي تعرقل الخطة التي طرحها بيترايس، لأنها الأسلوب التطبيقي الناجح للحفاظ على وحدة البلاد.

وهو في كتابته هذه يحاجج الدراسة التي قدمها بيتر منصور، المساعد التنفيذي عند بترايوس، والتي تجزم بأن هذه الحرب لا يمكن تجاوزها في سنوات عديدة. ويعطف على كلامه المساعد العسكري عند بترايوس الاسترالي ديفيد كيلكولين، الذي ساهم في الدراسة ذاتها، بالقول إن الحرب الأهلية الحقيقية لم تحدث لحد الآن. من هنا فإن خطة «الاندفاعة» كانت ضمن فكرة بيترايس الرئيسية، القاضية بضرب المشروع الايراني المركزي في العراق أولاً وفي المنطقة العربية ثانياً، واستنادا الى تعبير دنيء صدر من رجل خروط اسمه غراهام فولر بأنه من الضروري تطبيق سياسة «الذيل الشيعي الذي يهز الكلب السني»!

إن أمريكا تريد التعويض عن فشلها العراقي، عبر جعله حديقة خلفية مستقرة لها، بالأساليب كافة وبمختلف الابداعات. وهي تدفع أدواتها الى القبر وهم يرفعون رايات الانتصار الوهمية. كما انها ترسم مخططا شاملا عبر ابتعادها الميداني عن الأرض وتحكمها في السماء، تثبّت بنتيجته تضاريس جديدة في الحرب الأهلية العربية. وهي تستدعي السؤال المتكرر حول كيفية تمكن سوريا والآن اليمن، من مواجهة هذه الأوضاع المتداخلة بعدما أوصلت المنطقة بأسرها الى مختبر للتجارب المتلاحقة، وأصبح العراق أنبوبها المركزي في تحقيق التفاعل.