الأربعاء 29 أبريل 2015 03:04 ص

يقول أحد المؤرخين في القرن السابق إن تطور التاريخ من «تحت» يخلق شروطا جديدة لا يمكن الا ان تكون العمود الفقري للتطور الحر اللاحق. إن الخارج، الاستعماري تحديدا، لا يمتلك هذه الفرص. وهو اذ يمنع هذا التطور الحر للمنطقة اجتماعياً، فإنه يكبلها أيضا بقوانين فشله السياسي والاجتماعي في داخل المتروبول.

إن أوباما، اذ يضع خيول طموحاته السياسية وبرنامجه في «التغيير» الاميركي، في اسطبلات الوهابية الخليجية، لن يخدم سوى المجمع الصناعي العسكري النفطي العالمي، على قاعدة العلاقة الجدلية بين القصف اليومي المنهجي بالطيران وتجارة الإعمار اللاحق للشركات الدولية.

من هنا لا بد من التركيز على فترة قصيرة وبشكل يبدو ضيق جدا لأننا قد نعاني من فقدان النظرة العامة الشاملة، فالأحداث الحقيقية، لا الاعلامية المركبة تتقرر على الأغلب من خلال التواتر العشوائي أولا، والتأكيد المكثف للبراكسيس الانساني. لذلك، من المهم الوقوف بعيداً عن الأشجار والنظر الى الغابة كلها.

إن العناية هنا بالتربة التي تحتضن الوقائع، لا تقل عن الاهتمام بالبذور التي غرسها الاحتلال الاميركي في العراق، والمنطقة ومن ثم بالمنجل المطلوب لحصاد غلتها السياسية. والاستعانة بالتاريخ القريب للاحتلال يعتبر ضرورة ملحة وليس تكرارا لممثلين فاشلين على مسرح شعبي جوال. من هذه الزاوية، لا بد من تسليط الضوء وبالإيقاع نفسه وفي الإطار الزمني ذاته، على الجذور القريبة للحرب الأهلية العراقية وتطورها الى حرب أهلية عربية.

في مقالته القديرة في العام 2006 وبعد الانتخابات النيابية، يؤكد اندرو اراتو استاذ النظرية السياسية - الاجتماعية في جامعة نيويورك، أن «كعب أخيل» العملية السياسية في العراق هو نخبها القيادية. وهو يجزم بأن «نهاية اللعبة» ستكون لها تداعياتها المتنوعة في العراق والاقليم في أقل من عقد من السنين. ان المكونات الثلاثة تشكو من غياب «قيادة» حازمة ونزيهة وحكيمة في داخل كل منها أو على صعيد علاقاتها المتعاونة او المتنافرة. ولا يوجد استقلال سياسي لديها ولا تسعى الى بناء لاصق وطني لاحتياجاتها السياسية او لمستقبل بلادها.

فالتسنن السياسي لم يدرك لحد الآن هزيمته التاريخية، وأن من الصعب عليه استعادة موقعه المركزي السابق. والتشيع السياسي يكابد اهتزازات متواصلة داخله، ومن العسير عليه تكوين كتلة متماسكة، فضلاً عن تأثره البالغ بالصراع الداخلي المذهبي وبالصراع الاقليمي الطوائفي القائم بين إيران واميركا والمحور الوهابي الخليجي. وهو ايضا لديه اختراقات مهمة من قبل العديد من المحاور الممتدة من إيران إلى اميركا. والعراق مقبل في العقد القادم على سلسلة من العمليات السياسية والعسكرية، التي ليس لها سوى اسم واحد هو «الحرب الأهلية».

أما الكرد فهم يعوضون التاريخ بالجغرافيا الملفّقة، حيث ينوح المؤرخ كمال مظهر حين يردد أن الجغرافيا ظلمت الكرد، ما جعلهم يستبدلونها بالموارد المنهوبة. ولقد صاغ الاحتلال الدستور لهم بطريقة تضمن لهم قوة «خاصة» تخترق الآخرين ولا يسمح باختراقهم. ويستشهد بأحد المحافظين الجدد حين قال إن العراق أصبح أضعف مما خططنا له والكرد أقوى مما نريد.

وهو يعطي مثلاً طريفا على حماقة اللغز الكردي في الانتخابات التي جرت في العام 2005، حيث من المعروف ان جلال الطالباني كان يكرر دائما أن بغداد أكبرمدينة كردية في العراق. بينما علق عادل برواري، أحد القيادات الكردية، بأن الكرد في بغداد صوتوا للشيعة طائفيا أكثر من تصويتهم للكرد أثنيا. لكن تقدم «داعش» الأخير كشف العار الذي تختفي وراءه النخب الكردية حين أوشك التنظيم ان يحتل السنجق لولا تدخل الطيران الأميركي في الزمن الملائم. 

وفي الفترة نفسها، 2006، يمكننا الاطلاع على الدراسة المهمة التي كتبها ايدوين بلاك عن الاحتلال الأميركي للعراق، وكيف ان وثيقة داخلية من وزارة الخارجية الاميركية في العام 2001 سجلت، فيها تعبير «كومونولث الشرق الأوسط الاميركي»، الذي يتكون من اتحاد فدرالي للمجموعات الطوائفية والأثنية في المنطقة.

ومنذ العام 2006، ظهرت دراسات مهمة عديدة تشير الى ان اميركا تدعي علنا انها تأخذ بنظر الاعتبار دور المرجعية في النجف الأشرف، ولكنها فعليا تعارض ذلك بشدة. ومنها دراسة خاصة كانت جزءاً من «تقرير مجموعة العراق» برئاسة «جيمس بيكر – لي هاملتون»، حين أشارت الى الخلاف العميق بين المرجعية والاحتلال، المنصب حول «مركزية» الدولة والموارد. فالاحتلال تكمن خطته في تحويل البلاد، ومن خلال الدستور الغامض، الى فدراليات نفطية متناحرة، ولكن المرجعية ترغب في بناء مركزية بيروقراطية ونفطية مشتركة.

بمعنى آخر، فان المرجعية تحاول أن تطرح نموذجا متشابها ومتعاكسا أيضا في الوقت نفسه، للنموذج «البريطاني» في العهد الملكي المباد، أي بناء «دولة للجميع تحكمها الأغلبية الشيعية» بالتعاون مع «كتلة سنية متراصة» وحكومة «علمانية» تخضع للصندوق الانتخابي. وهذا ما يفسر دعمها في البداية لحكومة نوري المالكي وتخليها عنه حين تفاقم استبداده السياسي والطوائفي على السلطة في بغداد. ومن الضرورة أيضا الاشارة الى أن مواقفها الأخيرة تصب في الطاحونة نفسها بما فيها موقفها العلني في رفض العمليات العسكرية العدوانية في اليمن. 

واذا كانت «المصالحة» في العراق بين المكونات لم تنجح لأن ليس لها قوة عسكرية حقيقية على الأرض قادرة على انجاحها، وقادة النخب يختنقون بغازات عمالتهم وفسادهم، فإن القوى العسكرية الفعلية على الأرض كانت ترفض المصالحة وتراهن دائما على تغيير موازين القوى على الأرض. وكانت الوهابية الخليجية النفطية اللولب في دعم هذه التوجهات، علماً أن الجامعة العربية ساعدتها في هذا المضمار، وكذلك «مجلس العلاقات العربية» وأمينه العام نائب رئيس الجمهورية اياد علاوي، القطب الأساس في الصراع الايراني – الخليجي في العراق. بل إن الاعلام العربي «الليبرالي» كان ينسج على الموال نفسه. 

وفي العام 2008، طرح معهد دراسات الحرب، وثيقة مهمة يشرف عليها فردريك كاغان تشير، الى ان الصراعات المسلحة في العراق ستمتد الى العام 2018 وحتى الى خارج العراق. وقد أشاد بها وليم كريستول في «ويكلي ستاندارد»، مؤكدا أهمية تحقق نتائجها. علما أن كاغان هو الذي وضع خطة تحرير بغداد للجنرال ديفيد بترايوس وأطلق عليها اسم «خطة النصر» -2007، وكانت تقضي، اضافة الى تغيير وضعها الديموغرافي، ببناء أسوار وجدران حولها، وهو اقتراح نبراس الكاظمي المتفرغ في «معهد هدسون» والقيادي في «المؤتمر الوطني»، بحيث تعزل مجتمعاتها «المبوبة» بعضها عن بعض. وقد علق عليها المحلل مايكل شوارتز في التاريخ نفسه بأنها وصفة نموذجية للحروب الأهلية القادمة في العراق والمنطقة. 

وفي السنة نفسها أي 2006، أصدرت «مجموعة اكسفورد للدراسات»، بتمويل مباشر من تركي عبد العزيز وبإشراف الخبيرة غبرييل ريفكيند والمسؤولة عن منتدى مبادرة الشرق الأوسط، دراسة خطيرة حول العراق، «من المستنقع الى اليابسة»، شارك فيها روبرت مالي المستشار الحالي لشؤون الشرق الاوسط عند اوباما وكذلك السكرتير الاعلامي والمحلل السياسي السعودي نواف عبيد والذي قال علنا إن السعودية ستساعد العراقيين عامة، والسنة خاصة، بالمال والسلاح، وكذلك بزيادة تخفيض الانتاج النفطي لمحاربة النفوذ الايراني المتنامي لأن ذلك يؤدي الى خفض أسعار النفط مما يهدد الاقتصاد الايراني. 

وأخيرا وليس آخراً، فإن أميركا باحتلالها للعراق واعتداءاتها العسكرية عليه وفي الإقليم، تسعى لمنع التطور الحر «لتاريخ» المنطقة. والأحداث الراهنة، على خطورتها وأهميتها، ستبقى ناقصة عملياً في آفاقها، وهو ما يشرحه المؤرخ القدير عاصم الدسوقي حين يردد: «بأن هذه الأحداث لها قدرة على الاستمرار في حالة الحراك، مع عجز عن تحقيق شيء ملموس».