الثلاثاء 14 يوليو 2015 04:07 ص

ما هي بالضبط علاقة النظام الإيراني بالعراق؟ تحدث الجنرال «حسين حمداني» مستشار قائد الحرس الثوري الإيراني ونائب آمر قاعدة «الامام الحسين»، في خطاب ألقاه، يوم 8 يوليو/تموز، عن العلاقة، قائلا: «في وقت مضى، كان هدفنا الأول الوصول الى البصرة التي لم نصل إليها. الآن، وبعونه تعالى، نحن نحارب أعداء الإسلام ليس في البصرة فحسب بل في بغداد وسامراء، وقد ذهبنا أبعد من ذلك، نحن نحارب أعداء الإسلام في بلدان البحر المتوسط»، ويعٌرف «حمداني» أعداء الإسلام بأنهم «أعداء إيران الأساسيون، مسلمو الأنظمة الصهيونية الأمريكية، أي، التكفيريين والسلفيين وطالبان». أما آلية إنجازات إيران، فقد لخصها بقوله: «أنجزت قواتنا دورا لا ينكر في الانتصار على التكفيرين نتيجة حضور أولادنا بالعراق، كما في سوريا، وتأسيس الحشد الشعبي». 

المعروف أن الجنرال «حسين الحمداني» كان مسؤولا عن قوات الحرس الثوري بطهران التي قعمّت التظاهرات الشعبية، عام 2009. وهو معروف، أيضا، بوصفه المعارضين (فبراير/شباط 2011 )، بأنهم مجموعة غوغاء ويجب عليهم: «أن يعلموا أننا نعتبرهم أعداء للثورة الإسلامية وجواسيس، وسنتصدى لدسائسهم بقوة». هذا الجنرال، المتطرف، حتى بمقياس النظام الإيراني القمعي لكل من لا يسير على صراط الملالي، هو أحد القادة الإيرانيين الذين ابتلينا بقتالهم في مدننا، دفاعا عن «الإسلام» ومن أجل «فلسطين»، ليس في البصرة فحسب بل وكما يتباهى، متفاخرا، في عاصمتنا بغداد وسامراء بالاضافة إلى سوريا ودول البحر المتوسط. وتأتي تصريحاته لتؤكد، على الرغم من إنكار رئيس الوزراء «حيدر العبادي»، أن قيادة ميليشيا «الحشد الشعبي» هي قيادة إيرانية والتي لولاها «لسقطت بغداد». 

يأتي خطاب «الحمداني» متزامنا مع نشر وكالة الانباء العراقية صورا لـ«قاسم سليماني»، قائد فيلق القدس، وهو، على مشارف الفلوجة أثناء الهجوم الكبير (متى لم يكن الهجوم على الفلوجة كبيرا؟!) ليقود أو «لإسداء المشورة» لمليشيا «الحشد الشعبي» والجيش والأمن المسنودة جويا بقصف القوة الجوية الامريكية والعراقية المزودة بأسلحة الدمار الشامل الحديثة ضد السكان، أي البراميل المتفجرة. 

كيف تترجم حرب إيران على أعدائها «التكفيريين السلفيين – أعداء الإسلام»، بالعراق، استنادا إلى وجود القوات الإيرانية سواء بشكل «فيلق القدس» أو الطيارين الإيرانيين المشاركين بقصف المدن العراقية، كما كشف، أخيرا، أن هناك 38 طيّارا إيرانيا يشاركون في العمليات العسكرية، أو المتطوعين أو الموالين لهم، مع تباهي قادة الحشد الشعبي، علانية، بذلك؟

ما اختلافه عن وجود قوات الاحتلال الأمريكي كمستشارين ومدربين وداعمين للحرب ضد «داعش» دفاعا عن «الديمقراطية الوليدة»، وهل يكفي التحجج بالدفاع عن الأماكن المقدسة والأنظمة الاستبدادية لتغطية استراتيجية التوسع العسكري ؟

غالبا ما تلجأ الأنظمة الاستبدادية، حالما تقترب شعوبها من إنضاج ظروف تحررها، إلى خلق «بعبع خارجي»، يسٌوق بذريعة الدفاع عن الأمن القومي أو الوطن أو المقدس الديني. بضاعة أمريكا هي الديمقراطية وجمعها بين انفتاح الأسواق لرأسمالها ومصالحها القومية مع قناعات شعبها حول حرية الإنتخاب والخيارات الفردية. أما إيران، هل هناك ما هو أكثر نجاحا من الدفاع عن الأماكن المقدسة بالعراق ضد «التكفيرين- أعداء الإسلام»، لتجييش عواطف عامة الإيرانيين وتحشيدهم لارتداء كفن الشهادة، في ذات الوقت، الذي يسكت فيه البعض خشية مس المقدس والتعرض لإرهاب أجهزة النظام القمعية؟ 

لقد أثبت التاريخ المعاصر أن جرعة التجييش العقائدية (بشقيها المتدين والعلماني) والمذهبية المركزة، وإن تم حقنها من الخارج، مضمونة النجاح في خلق الفتنة، وشق صفوف العباد، نتيجة الاستثمار في خلق هويات مفتتة ومتصارعة فيما بينها . فيفقد، خلال فترة وجيزة من المنظور التاريخي، الوطن والتاريخ والثقافة، معناه ليحل محله النزاع القومي – الديني/ المذهبي والاستقتال على حيز مكاني، بثروة ستستنفد، وهويات تستند إلى ذاكرة تختلط فيها الأسطورة بالوهم. هذه هي ملامح الواقع العراقي الذي ساهم بخلقه المحتل الامريكي – البريطاني – الصهيوني، ويتغذى عليه المحتل الإيراني الذي طالما صرح قادته بأنهم عرضوا «مساعدتهم» على القيادة الامريكية في عملية «تحرير» العراق، إلا أن الأمريكيين رفضوا المساعدة لأنهم ظنوا أنفسهم قادرين على تحقيق الهيمنة على العراق خلال أشهر. فبات العراق ساحة لتصفية الحسابات مع وجود ساسة محليين بولاءات متعددة ما يوحدها هو عدم الولاء للعراق. 

إن ذريعة الدفاع عن الأماكن المقدسة هزيلة لأن ذات الأماكن كانت، عبر تاريخها، محمية من قبل أهلها، ولم يصبها سوء. وإذا ما قامت دولة ما باحتلال دولة أو بلد آخر، تحت أية ذريعة كانت سياسية أو دينية أو «إنسانية»، وأعادت تأسيسها وفق حق عسكري أو إلهي موعود، بما تراه الأفضل لسكان ذلك البلد، ألا يضع منطق الحق هذا أمريكا و(إسرائيل) وإيران والسعودية، من بين دول أخرى، في سلة واحدة؟ هل الحق الإلهي الموعود حكرا على إيران؟ لكن «الدولة الإسلامية» برئاسة «أبو بكر البغدادي» تحارب تحت ذات الراية «الإسلامية»، راية بناء الدولة الموعودة وقتال «أعداء الإسلام»، في الشام والعراق وصولا إلى بلدان الشرق الاوسط، أي ذات البلدان التي تتجسد فيها أحلام الحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج.

إن الصمت على الاحتلال الإيراني للعراق يساوي الصمت على الاحتلال الإمبريالي وجرائم «الدولة الإسلامية»، ولا يعني مناصبة الشعب الإيراني العداء أو التحالف مع الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني. إن من يعاني من استبداد النظام في بلده ثم يختار الوقوف بجانب نظام استبدادي آخر أو الصمت على جرائمه بحق شعبه لأنه يرفع راية «إنسانية» أو يتعرض للهجوم من قبل دولة أخرى لا يمكن ان يكون ساذجا بل أعمى البصيرة. 

لماذا يكرهوننا؟ كان السؤال الذي تتداوله الإدارة الامريكية كلما وجهت إليهم المقاومة العراقية الضربة تلو الضربة. ما تعامت عنه الإدارة هو أن العراقيين لايكرهون الشعب الأمريكي، ولا حتى الثقافة الأمريكية ومساهماتها العلمية والتقنية، بل الغزو والاحتلال وتخريب بلدهم وإهانتهم. لم تجلب قوات الغزو الأدب والموسيقى، بل الصدمة والترويع والطائفية والفساد. الجواب ذاته ينطبق على إيران. ألم نترب على سماع الغناء والموسيقى والشعر الإيراني؟ أي من وجبات الطعام لا تحمل وصفة إيرانية؟ والسجاد الإيراني الذي نعتبره الأرقى في العالم ؟ وزيارات الأئمة وأهل البيت؟ أليس هذا هو العمق الحضاري للعلاقة بين الشعوب؟

ولكن، هل هذه هي إيران التي نرى سياستها بالعراق اليوم؟ إيران المليشيات بإمرة فيلق القدس وبدر، لا يكاد أفرادهما يفتحون عيونهم لفرط استهلاك المخدرات. إيران النظام الذي نحر الثورة وقتل وطرد أبناءها، فصار صنوا لأسوأ النظم الجامعة ما بين استبداد الانظمة العلمانية وشعبوية المشاعر الطائفية الفجة، بهدف توسع جمهورية «ولاية الفقيه» الإسلامية. إيران التي غادرها أدباؤها وفنانوها ومفكروها حفاظا على حياتهم وإنجازاتهم. 

أين المخرج السينمائي «محسن مخلمباف»، الذي ساهم بتأسيس السينما الإيرانية الواقعية، ببساطتها الشاعرية المؤثرة؟ لماذا هاجر وهو الذي ناهض نظام الشاه واستبشر خيرا بالثورة الإسلامية فكان جوابها منع أفلامه؟ ولماذا اضطر أن يخرج فلمه التسجيلي عن تفاصيل حياة «خامنئي» وأولاده خارج بلده؟ والمخرج «جعفر بناهي»، صاحب فيلم «بالون»، الذي رسخ للسينما الإيرانية موقعا في السينما العالمية وتم منعه من الإخراج ووضعه تحت الأقامة الأجبارية بتهمة إخراج «أفلام معادية للجمهورية الإسلامية»؟ والقاضية «شيرين عبادي»، التي كانت مصرة على البقاء بإيران مهما حدث، لتهاجر وتقف معتذرة عن سياسة بلدها في دعم النظام الاستبدادي بسوريا؟ 

هذه أمثلة قليلة من قائمة طويلة، تدفعنا الى التأكيد، بأن النظام الإيراني، حاله حال «الدولة الإسلامية» وغيرهما، ليس النموذج الذي نتوخاه لتحقيق العدالة والمساواة ببلادنا ولا في أي بلد آخر. إذ ليس بمقدور النظام القامع لشعبه أن يمنح شعبا آخر الحرية والكرامة مهما كانت شعاراته صاخبة.

٭ هيفاء زنـﮔنة كاتبة من العراق