الثلاثاء 10 فبراير 2015 09:02 ص

الملاحظ، في الآونة الأخيرة، أن هناك من يحاول استخدام مصطلح «الدولة العميقة» لوصف الحال في العراق باعتبار أن سبب عجز النظام الحالي واخفاقه في تطبيق وعوده ووعود الإدارة الامريكية في بناء «العراق الجديد» وتحقيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، هو وجود هذه الدولة العميقة. فهل يمكن، فعلا، استخدام هذا المفهوم، كتبرير لكارثة الوضع بالعراق منذ الاحتلال، عام 2003؟

انتشر مصطلح الدولة العميقة، منذ سقوط نظام مبارك، للدلالة على عمق تخلل القوى الأمنية وأجهزة الاستخبارات التابعة لنظامه، بالاضافة إلى المخابرات الأجنبية، وامتدادات التنظيمات غير الرسمية ذات المصلحة في بقاء النظام، في إدارة الدولة المصرية عبر مختلف المؤسسات. ومنبع المصطلح هو تركيا، وقد عرٌف الرئيس التركي السابق سليمان دميرل الدولة العميقة بأنها موازية للقوات المسلحة، وقادرة على إخضاع الدولة الشرعية في أوقات الاضطرابات. وبالامكان تلخيص تعريف المفهوم بأنه مماثل لمفهوم «الدولة داخل دولة». 

بالنسبة إلى العراق، من الصعب تقبل محاججة وجود الدولة العميقة كعائق حقيقي لبناء «العراق الجديد» حسب المواصفات الدعائية السابقة واللاحقة للغزو الانجلو أمريكي. ولعل نقطة الاختلاف الأولى التي يجب التذكير بها، إذا ما حدث وتعامى عنها البعض انتقاء، هي الاحتلال. الاحتلال، وليس «التغيير»، هو جوهر التمييز بين ما جرى في العراق وما حدث في مصر وتونس وغيرها من البلدان العربية. فبينما تم اسقاط النظام العراقي، مهما كانت درجة خلافنا معه، بأيدي الغزاة، تم تغيير النظام، في تونس ومصر، بأيدي أبناء الشعب، بشكل عضوي من داخل المجتمع نفسه، مع إبقاء الجيش وأجهزة الأمن والقضاء القديمة على حالها، وهي المؤسسات التي تنشأ حولها شبكة الفئات الأجتماعية والأقتصادية التي يمكن إعتبارها الدولة العميقة، وغالبا ما تكون مرتبطة بمثيلاتها الخارجية. 

النقطة الثانية هي أن الاحتلال ومن صاحبه من أشخاص وأحزاب ومليشيات الخارج، قد أنهى الدولة العراقية، بجيشها وشرطتها وقضائها بجرة قلم الحاكم الأمريكي «بول بريمر» في عام الإحتلال الأول، وأصبح دودة الأرضة التي نخرت البنية التحتية والنسيج الاجتماعي العراقي، وإذا كان هناك من بقي من أجهزة استخبارات وأمن النظام السابق وموظفي المؤسسات المختلفة المعادين «للبناء الديمقراطي»، فإن حملات الاغتيال المنهجي والتهديد بالقتل والطرد التعسفي من العمل وسياسة «الاجتثاث»، خلال 12 عاما من الاحتلال المزدوج، تكفلت بأنهاء العناصر المكونة للدولة العميقة، ان وجدت. 

النقطة الثالثة هي عدم توفر شرط التدخل الخارجي في العمق، في الفترة السابقة لعام 2003، سواء كان غربيا أو إقليميا، إسلاميا أو صهيونيا. إذ حصل إجماع اقليمي ودولي (يماثل تشكيل التحالف الدولي بقيادة أمريكا، حاليا، ضد داعش) وبمساهمة، بدرجات مختلفة، من السعودية ودول الخليج وأيران، على اسقاط النظام، ولم يعد للنظام من يسنده لا في العمق ولا السطح. مما ينقلنا الى الوضع الحالي المتميز، والحق يقال، بعدم وجود النية لبناء الدولة العميقة وذلك لانتفاء الحاجة اليها لعدم وجود دولة وطنية اساسا، حيث تم تفكيك المؤسسات والجيش، ونهبت الممتلكات العامة، وتم استبدال الدولة بحكومة تتحكم بها المليشيات الطائفية المحلية والأقليمية علنا. وباتت ميزانية صادرات النفط، بعد تحطيم الصناعة الوطنية والانتاج الزراعي، مكرسة لأجهزة ومؤسسات تتغذى بالفساد، غير معنية ببناء الوطن، همها الاول والاخير حماية نفسها ومصالحها.

ولم الحاجة الى وجود دولة عميقة والمليشيات الطائفية بالاضافة الى القاعدة وداعش تتبرعم وتنمو مثل الأعشاب البرية الضارة الخانقة لكل نبتة مفيدة مهما كان حجمها ومقدار فائدتها؟ ان الجسد العراقي تنهشه المليشيات من كل الجهات، من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه، وهي تعمل جاهدة، على المكشوف، على تقسيمه والنيل من خيراته. ان المليشيات، بافرادها وعتادها، متوفرة للاستئجار، مثل العمال اليوميين، لكل من يدفع، لذلك نراها في تزايد يومي، بحيث اصبح من الصعب احصاؤها والتعرف على موقعها ضمن التسلسل المليشياوي الطائفي. لذلك، أيضا، تحتدم الخلافات فيما بينها وتصل الى حد الاقتتال كما حدث بين ميليشيا الصدر ومليشيا عصائب الحق المنشقة عنها، وكانت النتيجة وقوع المزيد من الضحايا الابرياء. 

في اجتماع بث تلفزيونيا، منذ أيام، جلس رئيس الوزراء حيدر العبادي على رأس طاولة اجتمع حولها حوالي 50 من قادة «الحشد الشعبي»، الذي تشكل بناء على فتوى المرجع علي السيستاني بالجهاد الكفائي لقتال « الدولة الاسلامية». قال العبادي ان الحشد الشعبي هو الاساس الدفاعي وسيبقى كذلك حتى مع وجود الجيش واقرار تشكيل حرس وطني. اراد العبادي طمأنة قادة الحشد البالغ عدده حوالي مليون شخص، كثير منهم يستلمون راتبين الاول باعتبارهم موظفي دولة والثاني كمتطوعين للدفاع عن «الأماكن المقدسة».

تحت هذه الذريعة، أيضا، كشف فيلق القدس الإيراني عن وجوده العسكري والسياسي بالعراق، ليطفو على السطح، مستغنيا بذلك عن التخطيط السري لبناء الدولة العميقة مستقبلا.

مع الحشد الشعبي أو ضمنه لاتزال المليشيات الرئيسية تحتل شوارع المدن الرئيسية ويقود افرادها حملات الاعتقال والابتزاز والاغتيال والخطف، وابرزها فيلق بدر (تأسس بايران)، الذي يدير فرق الموت ومؤسس لواء الشهيد باقر الصدر. وسرايا عاشوراء التابعة للمجلس الاسلامي الاعلى، وسرايا السلام (جيش المهدي سابقا) التابعة لمقتدى الصدر، عصائب الحق بقيادة قيس الخزعلي، جيش المختار ويتزعمه واثق البطاط، لواء أبو الفضل العباس بقيادة الشيخ علاء الكعبي، لواء اليوم الموعود، كتائب التيار الرسالي بقيادة الشيخ الشحماني. وفرقة الإمام علي التي تضم سريتين قتاليتين من فوج الكرار. وكتائب حزب الله المتعددة التي يستفسر عنها الكاتب يونس حنون، قائلا: « لست افهم لماذا يوجد ستة احزاب على الاقل اسمها حزب الله في العراق هي على التوالي (حزب الله /الجند المكين) و(كتائب حزب الله / المختار) و(كتائب حزب الله/النبأ العظيم) وكتائب (حزب الله/الفتح المبين) و(كتائب حزب الله / الغالبون) و(كتائب حزب الله / الثائرون)». 

وكأن الطائفية التي نثر بذورها الاحتلال غير كافية، تم في الأشهر الأخيرة، تأسيس مليشيا إيزيدية بحجة حماية الايزيدين من مقاتلي داعش، كما يتم، حاليا، تدريب مئات المسيحيين في قاعدة سابقة للجيش الأمريكي خارج مدينة كركوك، شمال غرب بغداد، لتشكيل ميليشيا تُحارب «الدولة الإسلامية».

وقد صادق الكونغرس الامريكي على تقديم 1.6 مليار دولار لتدريب وإعداد المقاتلين لمحاربة تنظيم «الدولة الاسلامية»، ونص قرار المساعدة على أنه يمكن استخدامها لتدريب الأقليات في سهول نينوى، كي تتمكن من الدفاع عن نفسها، حسب تقرير لصحيفة « وول ستريت جورنال».

واذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن قوات البيشمركة تتبع أوامر قيادة إقليم كردستان حتى وهي تقاتل في بقية أرجاء العراق، وأن وزير الداخلية، أي المسؤول الأول عن حفظ الأمن في البلد، هو القيادي الثاني في فرقة الموت/ فيلق بدر، لأدركنا حجم التحديات التي يواجهها كل من يؤمن بعراق حر موحد وحجم التضحيات التي يدفعها من يوم لآخر.

 

٭ د. هيفاء زنكنة كاتبة من العراق

 

 

المصدر | هيفاء زنكنة، القدس العربي