الأربعاء 25 فبراير 2015 08:02 ص

بين أيدينا توقع لمجريات أحداث العقد الخامس من ستراتفور. فكل خمس سنوات منذ 1996 (1996 و2000 و 2005 و 2010 والآن 2015) تقوم ستراتفور بإصدار توقعات دورية.

إننا فخورون بما نقدمه. لقد توقعنا عدم تمكن أوروبا من الخروج من أزماتها الاقتصادية وسقوط الصين وكذلك توقعنا الحرب بين الولايات المتحدة والحركات الجهادية. ولا ننكر أننا أخطأنا في بعض التوقعات. فنحن لم نتوقع أحداث 11 سبتمبر/أيلول، والأكثر من ذلك أننا لم نتوقع ردة الفعل الأمريكية على الأحداث.

ولكن في 2005 توقعنا الصعوبات التي ستواجهها الولايات المتحدة، وكذلك حاجة الولايات المتحدة للانسحاب العسكري من العالم الإسلامي. وتوقعنا ضعف الصين في وقت مبكر جدًا، كما توقعنا ذلك في الوقت الذي توقع فيه آخرون صعودها اقتصاديًا لتتفوق على الولايات المتحدة. وقبل كل شيء؛ فقد توقعنا صمود قوة الولايات المتحدة. وهذه التوقعات غير قائمة على الوطنية أو الشوفينية. بل إنها توقعات نابعة من نموذجنا لرؤية الولايات المتحدة كقوة بارزة.

إننا لا نتوقع كل شيء. بل إننا نركز على التوجهات الرئيسية في العالم. وهكذا؛ فإننا في هذا التقرير نسرد بعض التوقعات مما أسلفنا توقعه في عام 2010.

إننا نرى الحرب الأمريكية الجهادية تخمد جذوتها. ولا يعني هذا أن التسلح الإسلامي سوف ينتهي إلى غير رجعة. كما أن محاولات الهجمات سوف تستمر وسوف ينجح بعضها. وإلى جانب ذلك فإن الحربين الرئيسيتين في المنطقة سوف تخمدان بشكل دراماتيكي إن لم ينتهيا بحلول 2020. كما أننا رأينا ولا زلنا نرى الوضع الإيراني وقد أصبح أقرب إلى كونه تحت السيطرة. سواء كان هذا من خلال العمل العسكري وعزل إيران أو من خلال التفاهمات السياسية مع النظام الحالي أو الذي يأتي بعده فإن هذا أمر غير واضح ولكنه غير ذي صلة بالقضية الجغرافية السياسية. وسوف يتم احتواء إيران؛ حيث أنها - وبكل بساطة - لا تملك قوة كافية لأن تصبح لاعبًا رئيسًا في المنطقة أكثر مما هي عليه في الوقت الحالي.

إن تنوع النظم والتركيبات السكانية التي تشهدها أوروبا سوف يضع مؤسسات الاتحاد الأوروبي تحت ضغط شديد. ونتوقع أن تبقي المؤسسات على قيد الحياة. ولكن الشكوك تساورنا بشأن عمل هذه المؤسسات بشكل فعال. كما أن التوجه السياسي الرئيسي سوف يكون بعيدًا عن الحلول متعددة الجنسيات ليصير إلى قومية أكبر مدفوعًا بالتباينات الاقتصادية والقوى الثقافية والاجتماعية. فالنخب التي شكلت الاتحاد الأوروبي سوف تجد نفسها تحت طائلة ضغوط متزايدة من الشعوب. والتوتر بين المصالح الاقتصادية والاستقرار الثقافي سوف يُشكل أوروبا. وبناءً على ذلك؛ فإن العلاقات الأوروبية - الأوروبية ستكون في وضع غير مستقر ولا يمكن التكهن بها.

وسوف تقضي روسيا عقد 2010 تسعى لتأمين نفسها قبل أن يضربها التراجع الديموغرافي. وسوف تقوم بذلك من خلال محاولة الانتقال من صادرات السلع الأساسية إلى معالجة الصادرات السلعية والارتقاء من سلسلة القيم من أجل تحصين اقتصادها في الوقت الذي لا تزال تركيبتها السكانية تسمح لها بذلك. وسوف تحاول روسيا في الوقت نفسه أن تعيد دمج الجمهوريات السوفيتية السابقة بأي شكل من أشكال التضامن من أجل تأجيل مشكلاتها الديموغرافية، وأن توسع سوقها، وفوق كل ذلك تعيد استيعاب بعض موادرها الإقليمية. تنظر روسيا إلى نفسها والسلاح مسلط صوبها. وعلى كل حال؛ فإنه خلال عقد 2010 سوف تتسبب أفعال روسيا في قلق كبير لجيرانها على صعيد الأمن القومي، وكذلك التحول السريع في السياسات الاقتصادية.

وسوف تكون الدول الأكثر اهتمامًا - وتأثرًا - هي الدول التابعة السابقة في أوروبا الوسطى. إن الاهتمام الأساسي لروسيا لا يزال السهل الأوروبي الشمالي؛ والذي يُعد طريق الغزو التقليدي لروسيا. وسوف يعظم التركيز مع كون أوروبا أصبحت غير متوقعة سياسيًا. إن الضغط الروسي على أوروبا الوسطى لن يكون ضغطًا عسكريًا شاملاً، ولكن أوروبا الوسطى قد تحولت إلى التهديد. إننا نؤمن أن هذا الضغط المستمر والمتزايد سوف يُحفّز التطور الاقتصادي والاجتماعي والعسكري في أوروبا الوسطى.

وعلى الجانب الأمريكي، فإن هذا العقد سيشهد زيادة - على المدى الطويل - في القوة الاقتصادية والعسكرية التي بدأت منذ أكثر من قرن من الزمان. ولا تزال الولايات المتحدة القوة العسكرية المُهيمنة على مستوى العالم، وتنتج 25٪ من ثروة العالم كل عام، ولكنها ليست القادر على فعل كل شيء.

العقد القادم

دخل العالم في مرحلة إعادة هيكلة الذات منذ عام 2008، عندما غزت روسيا جورجيا ووقعت الأزمة المالية عالية المخاطر. لقد برزت ثلاثة أنماط. أولاً: دخل الاتحاد الأوروبي في أزمة لم يكن هناك سبيل لحلها، بل وتفاقمت حدتها. ومن المتوقع ألا يعود الاتحاد الأوروبي إلى وحدته التي كان عليها في السابق، وإذا قُدّر له البقاء على قيد الحياة فإنه سيعمل وفق آلية محدودة ومُجزّأة في العقد المقبل. ومن غير المتوقع أن تستمر منطقة التجارة الحرة في العمل دون زيادة الحماية الاقتصادية. ويُتوقع أن تعاني ألمانيا انتكاسات اقتصادية حادة في العقد المقبل، أما بولندا فستعمل على زيادة قوتها الإقليمية نتيجة لذلك.

وتظل المواجهة الحالية لروسيا مع أوكرانيا محور النظام الدولي خلال السنوات القليلة المقبلة، لكننا لا نعتقد أن الاتحاد الروسي يمكن أن يظل في شكله الحالي لعقد كامل. اعتمادها البالغ على صادرات الطاقة وعدم موثوقية التوقعات بشأن تحديد الأسعار يجعل من المستحيل لموسكو الحفاظ على العلاقات المؤسسية عبر رقعة واسعة من الاتحاد الروسي. ونتوقع ضعف سلطة موسكو بشكل كبير، ما يؤدي إلى تفتيت رسمي وغير رسمي لروسيا. وسوف يصبح أمن الترسانة النووية الروسية مصدر قلق رئيسي في الوقت الذي ستُسرع فيه وتيرة هذه العملية في وقت لاحق خلال العقد.

لقد دخلنا فترة تتسارع فيها سقوط الدول القومية التي أنشأتها أوروبا في شمال إفريقيا والشرق الأوسط. فالسلطة لم تعد في قبضة الدولة في العديد من البلدان بعد أن آلت الأوضاع إلى يد الفصائل المُسلحة. وقد تسبب هذا في فترة من الاقتتال الداخلي المكثف. وتستعد الولايات المتحدة لتخفيف الوضع من خلال القوة الجوية وقوات محدودة على الأرض، لكنها لن تكون قادرة أو مستعدة لفرض تسوية. تركيا - التي أصبحت حدودها الجنوبية عُرضة للخطر نتيجة القتال -سوف يتم سحبها إلى القتال ببطء. وبحلول نهاية هذا العقد؛ فإن تركيا ستظهر كقوة إقليمية كبرى، وستزداد المنافسة التركية الإيرانية نتيجة لذلك.

أما الصين فقد أكملت دورتها كدولة مرتفعة النمو وبلد ذات أجور منخفضة، ودخلت مرحلة جديدة، وهذا هو الوضع الطبيعي الجديد. وتشمل هذه المرحلة نموًا أبطأ بكثير وديكتاتورية متزايدة بشكل بالغ لاحتواء القوى المتباينة التي أنشأها النمو البطيء. وسوف تستمر الصين في تبني خطوات تجعل منها قوة اقتصادية كبرى، ولكنها لن تكون المحرك الديناميكي للنمو العالمي كما كانت في وقت سابق. وسيقتنص هذا الدور مجموعة مختلفة من الدول التي نطلق عليها مجموعة الــ 16 لما بعد الصين، والتي تشمل الكثير من جنوب شرق آسيا وشرق إفريقيا وأجزاء من أمريكا اللاتينية. كما لن تكون الصين قوة عسكرية عدوانية أيضًا. وستبقى اليابان المرشح الأكثر ترجيحًا لمنصب المهيمن في شرق آسيا، بسبب جغرافيتها واحتياجاتها على اعتبار أنها مستورد على نطاق واسع.

وستواصل الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها كقوة اقتصادية وسياسية وعسكرية كبرى في العالم، ولكنها ستكون أقل انخراطًا مما كان في الماضي. انخفاض معدل صادراتها وزيادة الاعتماد على الذات في مجال الطاقة وخبراتها على مدى العقد الماضي سيجعلها حذرة بشكل متزايد بشأن أي تورط اقتصادي وعسكري في العالم. لقد عرفت الولايات المتحدة ما يحدث للمُصدرين أصحاب الوزن الثقيل عندما لا يقوم العملاء أو حتى لا يستطيعون شراء منتجاتهم. كما عرفت أن أمريكا الشمالية ساحة يمكن لواشنطن أن تزدهر فيها من خلال تعاقدات انتقائية في مكان آخر. وسوف تواجه تهديدات استراتيجية رئيسية من قوة نسبية، لكنها لن تلعب دور المستجيب الأول كما حدث في السنوات الأخيرة.

باختصار، سيكون عالمًا تُميزه الفوضى والاضطراب، مع تغيير الحرس في العديد من المناطق. الثابت الوحيد هو قوة الولايات المتحدة المستمرة والناضجة دوما، وهي القوة التي لن يتم تركيز الضوء عليها كما كان في السابق، حيث سيتم استخدامها في العقد المقبل أقل بكثير من العقد المنصرم.

الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تشهد منطقة الشرق الأوسط - وخاصة المنطقة الواقعة بين بلاد الشام وإيران جنبًا إلى جنب مع شمال إفريقيا - انهيارات محلية. ونعني بهذا أن الدول القومية التي وضعتها القوى الأوروبية في القرنين الـ19 والـ20 تتفتت إلى فصائل على أساس العصبية أو الدين أو تحول المصالح الاقتصادية. وفي بلدان مثل ليبيا وسوريا والعراق شهدنا انتقالاً من الدولة القومية إلى فصائل تحارب بعضها البعض وتتحرك عبر حدود تلك الدول.

وتسير هذه العملية على خطى نموذج لبنان في فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي عندما توقفت الحكومة المركزية على العمل وذهبت السلطة إلى الفصائل المتحاربة. ولم تتمكن الفصائل الرئيسية من هزيمة الآخرين، كما لم يستطع أحد هزيمتها. لقد تم التلاعب بها ودعمها من الخارج، فضلاً عن الدعم الذاتي. وتحول الصراع بين هذه الفصائل إلى حرب أهلية سكتت لكنها لم تنته. كما ترك فراغ السلطة في جميع أنحاء المنطقة، وتجد الجماعات الجهادية مساحة للعمل، لكن الانقسام الداخلي قائم.

لا يمكن وقف هذا الوضع من قبل قوى خارجية. مقدار القوة المطلوبة وطول أمد نشر القوات يفوق قدرة الولايات المتحدة حتى لو توسعت بشكل كبير. وبالنظر إلى الوضع في أجزاء أخرى من العالم - وخاصة في روسيا - يمكن للولايات المتحدة ألا يقتصر تركيزها على هذه المنطقة فقط.

وفي الوقت ذاته؛ يمثل هذا التطور - وخاصة في الدول العربية إلى الجنوب من تركيا - تهديدًا للاستقرار الإقليمي. وتعمل الولايات المتحدة على التخفيف من خطر فصائل معينة؛ والتي سوف تتغير مع مرور الوقت من خلال استخدام قوة محدودة. ولكن الولايات المتحدة لن تنشر قوات متعددة الأقسام في المنطقة. وفي هذه المرحلة؛ فإن معظم البلدان في المنطقة لا تزال تتوقع الولايات المتحدة كقوة حاسمة على الرغم من أنها شهدت فشل الولايات المتحدة في هذا الدور خلال العقد الماضي. ومع ذلك؛ فإن التوقعات تتحول ببطء أكثر من الواقع.

وكما يكشف الواقع بشكل بطيء، فإن هناك دولة واحدة فقط لها مصلحة غالبة في تحقيق الاستقرار في سوريا والعراق، لكنها غير قادرة على العمل على نطاق واسع - مرة أخرى بسبب موقعها الجغرافي - ولديها وسائل قليلة لتحقيق نجاح محدود في المنطقة. هذا البلد هو تركيا. وفي هذه المرحلة؛ يحيط بتركيا صراعات في العالم العربي وفي القوقاز وحوض البحر الأسود. ولكن تركيا تجنبت المغامرة والمخاطرة حتى الآن.

ولن تستطيع تركيا المضي قدمًا بدون الحاجة إلى التدخل الأمريكي لأسباب سياسية وعسكرية. وسيضطر ذلك الولايات المتحدة للتدخل، ولكن سيكون هناك ثمن؛ المشاركة في احتواء روسيا. ولا تتوقع الولايات المتحدة أن تتولى تركيا دورًا قتاليًا في الحرب كما أنها لا ترغب بذلك لنفسها. ومع ذلك؛ فإنها تريد درجة من التعاون في إدارة البحر الأسود. ولن تكون تركيا جاهزة لسياسة مُستقلة تمامًا في الشرق الأوسط، وستدفع الثمن لعلاقة مع الولايات المتحدة. ويُمهد هذا السعر الطريق لتمديد خط الاحتواء إلى جورجيا وأذربيجان.

نتوقع استمرار حالة عدم الاستقرار في العالم العربي طيلة عقد من الزمن. كما نتوقع انجرار تركيا أيضًا إلى الجنوب، وبقدر مخاوفها من القتال على مقربة من حدودها - والنتائج السياسية التي قد يتمخض عنها هذا القتال - فإنها ستجد نفسها مضطرة للتورط والمشاركة. وسوف تدخل بأقل قدر ممكن وفي الوقت الذي لا يمكنها الانتظار لما بعده، لكنها في النهاية ستتدخل، وسوف يزداد تدخلها في نهاية المطاف كمًا وكيفًا. ومهما كان ترددها، فإن تركيا لا يمكن أن تصمد أمام سنوات من الفوضى عبر حدودها، ولن يكون هناك بلد آخر يتطوع ليحمل عنها العبء. وإيران ليست في وضع  من الناحية الجغرافية أو العسكرية – يجعلها تقوم بهذه الوظيفة، وأيضًا المملكة العربية السعودية. ومن المرجح أن تحاول تركيا بناء تحالفات من خلال وصولها في نهاية المطاف إلى شمال أفريقيا لتحقيق استقرار الوضع. وستنمو المنافسة التركية - الإيرانية مع مرور الوقت، ولكن تبقى خيارات تركيا مفتوحة للعمل مع كل من إيران والمملكة العربية السعودية حسب الحاجة. ومهما كانت الديناميكية، فإن تركيا سوف تكون في القلب منها.

لن تكون تلك هي المنطقة الوحيدة التي تلفت انتباه تركيا. وفي الوقت الذي ستضعف فيه روسيا، فإن التأثير الأوروبي سوف يمتد ببطء باتجاه الشرق صوب المناطق التي لديها مصالح تاريخية مع تركيا، مثل الشاطئ الشمالي للبحر الأسود. ويمكننا أن نتوقع تخطيط تركيا لتوجيه قوتها شمالاً – تجاريًا وسياسيًا - ولكن من المحتمل أن تكون عسكرية في بعض الأحيان. وعلاوة على ذلك؛ فإنه في الوقت الذي ستضعف فيه بقايا الاتحاد الأوروبي والاقتصادات الفردية، فإن بعض الدول ستتجه نحو الشرق، وسوف تزيد تركيا من تواجدها في منطقة البلقان باعتبارها القوة الوحيدة الباقية القادرة على القيام بذلك.

وقبل أن يحدث ذلك ينبغي على تركيا إيجاد توازن سياسي داخلي. إنها دولة علمانية ومسلمة. وحاولت الحكومة الحالية سد الفجوة، ولكنها في نواح كثيرة تبتعد عن العلمانيين الذين هم كثرة. هناك حكومة جديدة بالتأكيد ستظهر خلال السنوات القادمة. وهذا هو خط الصدع الدائم في تركيا المعاصرة. مثلها مثل العديد من البلدان، فإن قوتها سوف تتمدد في ظل حالة من عدم اليقين السياسي. فإلى جانب هذا الصراع السياسي الداخلي، فإن الجيش والمخابرات والسلك الدبلوماسي بحاجة إلى تطوير الحجم والمهام خلال العقد المقبل. ومع ذلك؛ فإننا نتوقع أن نرى تسارعًا في وتيرة ظهور تركيا كقوة إقليمية كبرى في السنوات الــ 10 المقبلة.