الثلاثاء 28 أبريل 2015 02:04 ص

قامت الولايات المتحدة، التي احتلت أفغانستان جنبا إلى جنب مع حلفائها في حلف شمال الأطلسي في عام 2003، بالإطاحة بحكومة «صدام حسين» في العراق ودمرت جيشه.

في ذلك الوقت شعر قادة إيران بالقلق خشية أن يتم تطويق إيران، و شعروا أيضا أنهم ليس لديهم وقت ليضيعوه من أجل تقديم  صفقة كبرى  للغرب تغطي جميع القضايا الخلافية، من تطوير الأسلحة النووية إلى عملية السلام الاسرائيلية-الفلسطينية وكذلك دعمهم لحزب الله وحركة «حماس».

أما بشأن الاتفاق الإطاري الأخير المتعلق بالبرنامج النووي الايراني فكان له تأثير معاكس. فعلى الرغم من أن الاتفاق يفرض بعض البطء على تسلح ايران النووي، إلا أنه لا يقيد، أو حتى يعالج، طموحات الهيمنة الإيرانية في المنطقة والتي أنفقت من أجلها مليارات الدولارات وعانت من العقوبات الخانقة. ونتيجة لذلك، فإن الاتفاق الإطاري جاء ليخلق  لحالة من الفوضى الاستراتيجية في منطقة مختلة بالفعل.

فقد أصبحت القوى الإقليمية مثل تركيا ومصر، والمملكة العربية السعودية (التي عملت عن كثب مع باكستان على الجبهة النووية)أكثر من أي وقت مضى على عتبة امتلاك قدرات نووية .

هذه هي أيام مجيدة لإيران. فبعد أكثر من عقد من العزلة الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية أصبحت مسيرتها نحو دولة نووية  تحظى بالشرعية الدولية. وعلاوة على ذلك، فقد تمكنت من إجبار الولايات المتحدة على التخلي عن حلمها في تغيير النظام، والتعايش، وحتى الانخراط، مع الثيوقراطية الإسلامية.

ميزان القوى في المنطقة يميل بالفعل لصالح إيران. في لبنان، وفلسطين، وسوريا، يسيطر وكلاء إيران على الجماعات التي تدعمها السعودية. وبالرغم من الضربات الجوية السعودية يبقى الحوثيون المدعومون من إيران في نطاق السيطرة على اليمن.

يمكن لقادة إيران أن يشكروا «جورج دبليو بوش». فبعيدا عن التورط في النتيجة التي كانوا يخشون في عام 2003، تركت حروب «بوش» في الشرق الأوسط إيران باعتبارها الفاعل الأكثر نفوذا في العراق. وكما ذكر مسؤولون سعوديون، فالميليشيات الإيرانية تحارب «الدولة الإسلامية» في المناطق ذات الغالبية السنية شمال وغرب بغداد لتعزيز السيطرة على العراق.

وقد تسبب التهديد المتصور الذي تشكله «الدولة الإسلامية» أيضا في إسقاط الولايات المتحدة عزل الرئيس السوري «بشار الأسد»، الحليف الإقليمي الرئيسي لإيران، من جدول أعمالها. وبالفعل، فقد انتهى بها الحال إلى التحالف غير المباشر مع حزب الله الوكيل الإيراني الرئيسي، الذي يقاتل إلى جانب قوات «الأسد» ضد القوات الجهادية الأجنبية.

وفي الوقت نفسه،  تتعثر علاقة أميركا مع حلفائها العرب التقليديين وهم الأنظمة السنية المحافظة في المنطقة، وذلك بسبب فشل الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» في الاستجابة الفعالة في أعقاب ثورات الربيع العربي. وحتى عروض «أوباما» بضمانات أمنية و«المظلات النووية» ليست قادرة على استعادة ثقتهم.

وصلت رسالة الاتفاق الإطاري لأعداء ايران واضحة كالتالي: عليكم حماية المصالح الحيوية الخاصة بكم، بدلا من الانتظار للولايات المتحدة. وهذا هو بالضبط ما  تفعله بلدان مثل مصر والمملكة العربية السعودية بعد أن شرعت في إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة لمحاربة النفوذ الإيراني في المنطقة، فضلا عن صلات أمنية سرية مع إسرائيل الضحية الأخرى للاتفاق الإطاري.

من زاوية أخرى تركيا أيضا منخرطة في إعادة الحسابات الاستراتيجية. فالرئيس «رجب طيب أردوغان»، الذي وصف إيران بأنها «بيته الثاني» خلال زيارته لطهران العام الماضي، قد اتهم في الآونة الأخيرة الجمهورية الإسلامية بأنها «تسعى للهيمنة على المنطقة».

ونتيجة لذلك، تجد تركيا نفسها في تعاون مع المملكة العربية السعودية في دعم «جبهة النصرة» الذراع السوري لتنظيم القاعدة، التي استولت علي إدلب في أول انتكاسة عسكرية كبرى للأسد في الأشهر الأخيرة. ومع ذلك، سلوك تركيا مؤخرا، من دعوة «أردوغان» الصادمة لوضع حد لنظام «سايكس بيكو» يشير في الواقع إلى التواطؤ مع «الدولة الاسلامية» في حصار «كوباني»، وهذا السلوك التركي يشجع القوى السنية الرئيسية في المنطقة على متابعة علاقات أوثق.

ولكن لم يوجد أي زعيم إقليمي يشعر بالخطر مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو». فقد استخدم  عبارات مبتذلة مستعارة من المحرقة لتصوير التهديد الإيراني، وبدا «نتنياهو» كزعيم غيتو يهودي يوشك أن يباد أكثر من كونه رئيس وزراء لدولة من أقوى الدول  في الشرق الأوسط.

ولعل أفضل مثال على عدم وعي «نتنياهو» هو حواره مع «أوباما». في الواقع، لقد أساء «نتنياهو» فهم تحدي ايران بشكل أساسي:  فهو ليس تهديدا وجوديا، ولكن جزء من صراع أوسع نطاقا للسيطرة الإقليمية. فبدلا من الانخراط في حملة غير واقعية لقتل الاتفاق النووي، كان ينبغي عليه التركيز على الآثار الاستراتيجية للصعود الإيراني. ومنها سلوك إيران الجيوسياسي، وليس من النووي الايراني.

بالطبع، مبالغة نتنياهو المقصودة تجاه التهديد الإيراني هي لصرف الانتباه عن المشاكل الحقيقية لإسرائيل، وخاصة الصراع الدائم مع فلسطين. لكنه يمكن أن يحجب خطايا الاحتلال مؤقتا فقط. وإذا لم يتم حل القضية الفلسطينية قريبا، لا يمكن أن يكون هناك تحالفات دائمة مع القوى السنية «المعتدلة» لمواجهة إيران.

من أجل تحقيق بعض مظاهر الاستقرار في الشرق الأوسط، يجب أن تفكر الولايات المتحدة خارج إطار اتفاق نووي مع إيران وتطوير مبادرة مع جميع أصحاب المصلحة لتشكيل نظام الأمن الجماعي وهي مبادرة من شأنها أن تعمل على استعادة الولايات المتحدة لثقة حلفائها في المنطقة.

في الواقع، لم يكن السؤال الرئيسي  متى ستقدر إيران على تطوير سلاح نووي، ولكن كيف يمكن دمجها في نظام إقليمي مستقر قبل أن تفعل.