الثلاثاء 4 سبتمبر 2018 10:09 م

هناك الكثير مما تتفق عليه فرنسا وإيطاليا فيما يتعلق بليبيا، فكلاهما يريد تحقيق الاستقرار في البلاد؛ حتى لا تصبح ملاذا للعنف أو ساحة للمهاجرين الأفارقة، وكلاهما يرغب في منع الحكومتين الليبيتين المتناحرتين من محاربة كل منهما الآخر.

ولكن رغم ذلك، لا يسير البلدان في نفس المسار، فباريس وروما على طرفين متقابلين من النزاع، ولدى كل منهما رأي مختلف جدا عن الآخر حول ما يجب أن يحدث لتحقيق هذه الأمور.

وبعد جمع أبرز اللاعبين الليبيين في مؤتمر في شهر مايو/أيار، أقنعت باريس الفصائل المختلفة بإجراء انتخابات في 10 ديسمبر/كانون الأول.

لكن روما، في المقابل، لا ترغب في إجراء أي انتخابات هذا العام، وتخطط لعقد مؤتمرها الخاص حول مستقبل ليبيا في أكتوبر/تشرين الأول. ويدور الخلاف جزئيا حول الأهداف والاهتمامات المختلفة للدول المشاركة في ليبيا، وطالما بقيت باريس وروما تقدمان طرقا مختلفة للوساطة في صراع شمال أفريقيا، تبقى احتمالات النجاح قاتمة.

التاريخ يعيد نفسه

وتعود المنافسة بين القوى الأوروبية، إيطاليا وفرنسا على وجه الخصوص، في شمال أفريقيا إلى القرن التاسع عشر. وعلى عكس بريطانيا وفرنسا، برزت إيطاليا كقوة استعمارية في وقت متأخر، ولم تغز سوى القارة الأفريقية، بعد توحيد البلاد عام 1871.

ومع بدء التدافع من أجل أفريقيا، نظرت روما إلى الأراضي التي كانت في ذلك الوقت تابعة للدولة العثمانية في طرابلس وما حولها، كجزء من مجالها من التأثير. وللاستيلاء على المناطق التي ستعرف بعد ذلك باسم "الشاطئ الرابع" في إيطاليا، وقعت روما في البداية سلسلة من المعاهدات بين عامي 1900 و1902، اعترفت بموجبها بالسيطرة الفرنسية على المغرب، في مقابل تعهد باريس بأنها لن تحاول الاستيلاء على الأراضي الليبية.

وفي عام 1911، أمرت إيطاليا بغزو "كيرينيكا" (برقة) و"تريبوليتانيا" (طرابلس)، واستولت في النهاية على تلك المناطق من الدولة العثمانية.

سيطرت إيطاليا على "الشاطئ الرابع" حتى الحرب العالمية الثانية. وفي أعقاب اندلاع الحرب، قسمت القوى المنتصرة "ليبيا الإيطالية" إلى 3 مناطق تحت السيطرة الفرنسية والبريطانية. وأدت موجة إنهاء الاستعمار في أفريقيا في الخمسينيات والستينيات (استقلت ليبيا عام 1951) إلى تقليص النفوذ الفرنسي والبريطاني، لكن باريس احتفظت بعلاقات عميقة بممتلكاتها الاستعمارية السابقة، وتواصل لعب دور بارز هناك، خاصة في غرب أفريقيا.

ولم تحظ إيطاليا إلا بالقليل من النجاح في محاولاتها لتجديد نفوذها في ليبيا عندما أصبحت منبوذة دوليا تحت حكم "معمر القذافي" حيث تحول رئيس الوزراء الإيطالي آنذاك "سيلفيو برلسكوني" لمغازلة الرئيس المستبد الذي قرر الانفتاح على الغرب عام 2003.

وفي غضون عامين، افتتحت روما خط أنابيب الغاز الطبيعي الاستراتيجي "الدفق الأخضر"، لنقل الغاز الطبيعي الليبي إلى إيطاليا. ثم في عام 2008، وافق "بيرلسكوني" و"القذافي" على صفقة بقيمة 5 مليارات دولار، وافقت فيها إيطاليا على دفع تعويضات لليبيا عن الحوادث التي وقعت خلال الحكم الاستعماري، في حين وافق "القذافي" على المساعدة في عرقلة تدفق المهاجرين الأفارقة المتجهين إلى ليبيا للوصول إلى أوروبا من خلال إيطاليا.

غير أن سقوط "القذافي" غير المشهد. وعندما بدأت الحرب الأهلية في أوائل عام 2011، وجد "برلسكوني" نفسه متورطا في فضيحة محلية أجبرته على الاستقالة.

وتولت فرنسا مسؤولية السياسة الأوروبية فيما يتعلق بليبيا، وقادت تدخل "حلف الناتو"، الذي أطاح في نهاية المطاف بـ "القذافي"، في أكتوبر/تشرين الأول 2011، في الوقت الذي أثار فيه ذلك الاستياء في روما، التي اعتبرت تورط فرنسا بمثابة اغتصاب لنفوذ إيطاليا الطبيعي، وحافزا لدفع البلد الشمال أفريقي للانزلاق في دوامة الفوضى.

ووسط الفوضى في جميع أنحاء ليبيا، انقسمت حكومة البلاد إلى إدارتين متنافستين عام 2014، واحدة في الغرب في طرابلس، والأخرى في الشرق في طبرق. وفي ذلك الوقت، أزاحت الأزمات المحلية فرنسا وإيطاليا عن الشؤون الليبية، لكن الدولتين الأوروبيتين بدأتا في إعادة التعامل مع جارتهما الجنوبية خلال العامين الماضيين. وفي باريس، سعى الرئيس "إيمانويل ماكرون" إلى إعادة تنشيط علاقات فرنسا مع أفريقيا، والقيام بدور أكبر في الشرق الأوسط. بينما في روما، أصبحت قضية المهاجرين موضوعا سياسيا رئيسيا، مما أدى إلى ظهور الأحزاب اليمينية المتطرفة مثل "ليج".

ولا تزال المنافسة بين قوتي البحر المتوسط ​​شرسة، لأن إيطاليا وفرنسا لا ترغبان في التخلي عن نفوذهما أو التخلي عن أهدافهما، وبعضها لا يكون دائما متوافقا بشكل كبير.

فرنسا تبحث عن رجل قوي

وتعد وجهة نظر فرنسا حاليا بشأن ليبيا واضحة، فهي ترى الحكومتين المتنافستين في البلاد كواحدة من أكبر العوامل المساهمة في عدم الاستقرار الإقليمي.

وجعل الصراع البلاد ملاذا للتهريب والمجموعات الإرهابية، التي أدت إلى عدم الاستقرار في المنطقة المغاربية وساحل  غرب أفريقيا، الفرنسي النفوذ في جوهره، عن طريق إغراق المنطقة بالأسلحة مما ساهم في صعود تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى.

وفي محيط ليبيا، ساعد عدم الاستقرار هذا على إشعال انتفاضة عام 2013 في مالي، والتي أجبرت فرنسا في النهاية على التدخل. كما استخدم الجهاديون ليبيا كقاعدة خلفية لمهاجمة مجمع الغاز في "أمناس" في نفس العام.

كما تسببت ليبيا في مخاطر أمنية خطيرة للدول المجاورة التي لديها معها حدود يسهل اختراقها، مثل تونس وتشاد والنيجر، وجميعها دول حليفة ومقربة لفرنسا.

وفي حين أن عدم استقرار ليبيا ليس بالتأكيد المحرك الوحيد للعنف في هذه المناطق، إلا أنه مساهم رئيسي. وبناءً عليه، فإن الهدف الأساسي لباريس في ليبيا هو حل مشكلة غياب الأمن في البلاد، وهو أمر تعتقد أنه يتفاقم بسبب وجود حكومات متنافسة وقوات عسكرية مجزأة.

وبالنسبة لفرنسا، يمكن لجيش قوي تحت إشراف قائد ما يعرف بـ"الجيش الوطني الليبي"، المشير "خليفة حفتر"، أن يسيطر على جزء كبير من البلاد.

وسعيا لتحقيق هذا الهدف، أقامت باريس علاقات وثيقة مع الزعيم العسكري في الشرق، وإن كان ذلك بتكلفة، حيث أن موقف "حفتر" المتشدد، والمعادي للإسلاميين، مثير للجدل في بلد محافظ إلى حد كبير؛ حيث كان أداء الأحزاب الدينية جيدا في الماضي.

وفي نهاية المطاف، لا تريد باريس قبول التسوية التفاوضية التي لا تجمع ميليشيات ليبيا في ظل إدارة رجل قوي ذي أهداف واضحة لمكافحة الإرهاب.

وعبر الضغط من أجل إجراء الانتخابات في وقت عاجل، وليس آجلا، تراهن باريس على قوة "حفتر"، على أمل أن يلعب دورا قياديا في الجانب الأمني ​​(قد يدفع المارشال الميداني حليفا وثيقا لخوض الانتخابات، أو حتى قد يرشح نفسه). وعلى الأقل، من خلال ربط استراتيجيتها مع "حفتر"، تستطيع فرنسا التركيز على هدفها الأساسي، وهو كبح "الإرهاب" في أماكن مثل بنغازي وفزان (جنوب ليبيا).

إيطاليا تنظر إلى الغرب

على الجانب الأخر، رفضت إيطاليا "حفتر" في استراتيجيتها لليبيا، إدراكا لعلاقات المارشال الميداني الوثيقة مع فرنسا.

وعلاوة على ذلك، فإنها ترى أن قدرتها على وقف تدفقات المهاجرين، وتأمين إمدادات الغاز، والحفاظ على العلاقات الاقتصادية في طرابلس ومصراتة، تتطلب علاقات أوثق مع غرب ليبيا، حيث لا يحظى "حفتر" بشعبية، بسبب انتشار الأحزاب الإسلامية وذكريات القتال العنيف بين ميليشيات "حفتر" والميليشيات في تلك المدن في عامي 2014 و2015.

وفي الوقت الذي تشعر فيه روما بالقلق من "التطرف" في ليبيا، ومن احتمال أن تكون بمثابة حاضنة للهجمات على الأراضي الأوروبية، فإن تركيزها الأساسي على القضايا الاقتصادية والهجرة.

ومن الناحية الاقتصادية، تربط إيطاليا علاقات تجارية عميقة مع طرابلس ومدينة مصراتة الساحلية الرئيسية. كما أن لديها مصالح في مجال الطاقة، عن طريق شركة "إيني"، في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك خط أنابيب "الدفق الأخضر"، وهي مصالح مهددة بشكل مباشر حلفاء "حفتر"، الذين سعوا إلى إضعاف شركة النفط الوطنية التي تتخذ من طرابلس مقرا لها، وإنشاء شركة نفط خاصة بهم.

وبشأن الهجرة، تعد غرب ليبيا نقطة انطلاق لمعظم المهاجرين الأفارقة الذين يبحرون نحو إيطاليا. ومنذ أن قامت السلطات المحلية بقمع المهاجرين الذين يستخدمون طريق شرق البحر الأبيض المتوسط ​​لدخول أوروبا من تركيا، أصبحت طرق وسط وغرب البحر الأبيض المتوسط ​​أكبر مصدر للمهاجرين إلى القارة. ولمحاربة ذلك، سعت روما إلى تعزيز خفر السواحل الإيطالي، ودفعت أموالا للميليشيات الغربية الليبية التي كانت تعمل في تجارة البشر، وفعلت مؤخرا صفقة بقيمة 5 مليارات دولار كانت قد وقعت في الأصل بين "القذافي" و"بيرلسكوني".

ونظرا لأن جميع متطلبات روما تقريبا تمر عبر غرب ليبيا، فإن المسؤولين الإيطاليين لا يملكون خيارا سوى الحفاظ على روابط عميقة مع طرابلس ومصراتة. وبناء على ذلك، ترتبط استراتيجية روما الحالية ارتباطا وثيقا بميليشيات طرابلس ومصراتة، بالإضافة إلى حكومة "فائز السراج" المعترف بها دوليا. وبالنسبة لإيطاليا، تهدد الانتخابات المبكرة، قبل أن يقوم الليبيون بحل خلافاتهم السياسية، بإرسال طرابلس وضواحيها إلى دوامة من العنف، من شأنها أن تقوض جميع مصالح إيطاليا.

تأجيج الوضع

ومما يضاعف اختلاف السياسات التي تتبناها الدولتان في ليبيا، مجموعة الخصومات والتحديات الداخلية، التي تجعل من المستحيل التوصل إلى قرار موحد، خاصة على خلفية المنافسة الجيوسياسية الفرنسية الإيطالية. ولقد تسبب موقف "حفتر" المعادي للإسلاميين في بث السم السياسي في معظم أنحاء غرب ليبيا. كما يعد نفوذ النخبة السياسية الإسلامية في غرب ليبيا شوكة، ليس فقط في حلق "حفتر"، بل أيضا في حلق مناصريه الآخرين المناهضين للإسلاميين في القاهرة وأبوظبي.

وتلعب إيطاليا وفرنسا دورا رئيسيا في ليبيا، ولكن بسبب الطموحات الجيوسياسية لكل منهما، من المرجح أن تظل السياسة الأوروبية الشاملة تجاه ليبيا منقسمة. وستواصل فرنسا تقديم دعمها لـ "حفتر"، وحثها على إجراء انتخابات في وقت لاحق من هذا العام.

لكن مع استمرار إيطاليا في دعم حلفائها في غرب ليبيا، وكثير منهم ليس لديهم ما يربحونه في انتخابات تجرى بهذا الشكل، بل وقد يخسرون كل شيء، فإن فرص إتمام الانتخابات أو توحيد ليبيا تصبح غير محتملة أكثر من أي وقت مضى.

المصدر | ستراتفور