الاثنين 24 سبتمبر 2018 06:09 ص

لا يتورع الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" عن استثمار الفرص التي تأتيه دون ترتيب، ليحرز أهدافا رتب لها جيدا منذ مدة، هكذا ينظر مراقبون إلى إعلان موسكو تزويد النظام السوري بمنظومة "إس-300" الصاروخية للدفاع الجوي، بعد أيام قليلة من إسقاط الطائرة الروسية "إيل-20" فوق الساحل السوري باللاذقية، وهي الحادثة التي حملت روسيا (إسرائيل) مسؤوليتها.

واقعيا، فإن الطائرة الروسية أسقطت بنيران الدفاع الجوي السوري والتي استهدفتها بشكل خاطئ، حينما كانت تتصدى لغارات خاطفة نفذتها مقاتلات "إف-16" إسرائيلية على مطار اللاذقية ومحيطه، وبالتالي كان منطقيا أن ينتظر النظام السوري تحمل جزءا من الغضب الروسي بعد الحادث، رغم تحميل موسكو (تل أبيب) مسؤولية الأمر برمته.

لكن ما حدث، هو أن روسيا أصرت على تفريغ شحنة الغضب الكامل في وجه الإسرائيليين، والذين حرصوا على تهدئة الخواطر بوفد رفيع المستوى طار إلى موسكو، لكنه رجع مصدوما بإصرار روسي على الغضب، وانتظرت (تل أبيب) خطوات رد فعل إضافية.

وكان مراقبون، يجزمون بأن رد الفعل الروسي لن يذهب بعيدا بما يحطم الاتفاق المتين بين موسكو و(تل أبيب) على تنسيق وجهات النظر والعمليات العسكرية في الداخل السوري، وهو الاتفاق الذي جاء بعد زيارات متكررة لرئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" إلى موسكو ولقائه "بوتين".

لذلك، فإن "بوتين" أطلق رصاصة على التنسيق العسكري مع (إسرائيل) في مقتل، حينما قرر مد النظام السوري بالمنظومة "إس-300".

هكذا جاء الانتقام الروسي من "الغدر" الإسرائيلي، إن صح التعبير، فالروس يؤكدون أن الإسرائيليين لم يبلغوهم بالضربة الجوية على اللاذقية إلا قبل أقل من دقيقة على تنفيذها فعليا، وأنهم لم يعطوهم إحداثيات الأهدف، كما هو معتاد في خط الاتصال العسكري الساخن بينهما، وهو ما أدى إلى عدم تمكن الروس من إبعاد طائرتهم في الوقت المناسب، ليذهب 15 جنديا روسيا ضحية هذا الأمر.

"بوتين" يستغل الفرصة

الخلاصة أن "بوتين" وللمرة الثانية يستغل حادثة يبدو فيها أمام العالم، وكأنه معتدى عليه، ليفرض توازنات قوى طويلة الأمد على الميدان السوري، هذا ما حدث تماما للمرة الأولى بعد حادثة إسقاط طائرة حربية روسية بصاروخ من مقاتلة تركية في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، على الحدود السورية التركية، حيث قرر الرئيس الروسي نشر منظومة "إس-400" الأحدث في قاعدة "حميميم".

المختلف هنا هو أن موسكو أعطت للتحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، ضمانات في 2015 بألا يتسبب نشر "إس-400" في التأثير على الطلعات الجوية التي ينفذها التحالف في الأجواء السورية، مشددة على أن التنسيق بين الجانبين سيستمر، لكن في الحالة الحالية لا يبدو أن موسكو موافقة على استمرار التنسيق العملياتي مع (إسرائيل)، والتي كانت قد طلبت صراحة من "بوتين" عدم إعطاء نظام "بشار الأسد" منظومة "إس-300".

"بوتين" أيضا استغل حادث إسقاط طائرته بواسطة مقاتلة تركية، وأدخل دبابات "تي 92" إلى سوريا، مما سمح بتوسيع تمركزه على الأرض وتثبيته باللاذقية، وأصبحت قاعدة "حميميم" مقرا دائما للروس لعقود مقبلة.

وفي الحالة الحالية، وبشكل عام، تثور عدة ملاحظات عند الحديث عن القرار الروسي بتزويد نظام "الأسد" بمنظومة "إس-300":

1- منح منظومة "إس-300" إلى النظام السوري، تعني أن موسكو قررت أن تفرض وجودا جديدا لها في الميدان السوري على مستوى الدفاع الجوي في مختلف أنحاء سوريا، بعد أن كان هذا الوجود يقتصر على حماية قاعدة "حميميم" بمنظومة "إس-400".

2- المنظومة الروسية الممنوحة لنظام "الأسد" ستحتاج إلى تواجد خبراء روس لتشغيلها ولمدة طويلة، وتدريب جيش النظام السوري عليها.

3- (إسرائيل) كانت قد هددت من قبل بضرب منظومة "إس-300" إذا تم تسليمها إلى النظام السوري، فهل ستجرؤ على تنفيذ ذلك التهديد، في ضوء ما تمثله المنظومة من كبرياء عسكري روسي تحرص موسكو على عدم المساس به، علاوة على إمكانية مقتل الخبراء الروس الذين سيتواجدون لتشغيل تلك المنظومة وتدريب السوريين عليها.

4- "بوتين" كان يريد هذا السيناريو منذ زمن، وهو كان موافقا على منح المنظومة لنظام "الأسد" منذ 2010، لكنه لم يفعل بسبب الرفض الإسرائيلي لهذا الأمر، ومثلت حادثة إسقاط "إيل-20" فرصة للتحرر من ذلك الأمر.

5- القرار الروسي بتسليم المنظومة للنظام السوري هو تصريح من موسكو لـ"الأسد" بالدفاع عن مجاله الجوي ضد الغارات الإسرائيلية بشكل حقيقي، وإعلان لـ(تل أبيب) بأن الروس ضاقوا ذرعا باستمرار تلك الغارات، والأهم من ذلك أنهم يرون أن مبرراتها قد انتهت.

6- ما سبق يعني أن روسيا باتت ترى أنها سمحت لـ(إسرائيل) بما يكفي لتقليم أظافر إيران في سوريا، وأن الغارات الإسرائيلية العنيفة والمتكررة على سوريا خلال الأسابيع الماضية، وبضوء أخضر روسي قد أتمت تلك المهمة.

7- يرى مراقبون أن معظم الأهداف الإيرانية الفاعلة في سوريا، قد سمح الروس للإسرائيليين بضربها، وأن ما تبقى من أهداف هي تابعة للنظام السوري نفسه، ولا تريد موسكو أن تتضرر البنية العسكرية للجيش النظام السوري مجددا، بعد أن كان على شفا الانهيار بسبب ضربات المعارضة المسلحة العنيفة، قبل أن تتدخل روسيا وتنقذه وتستعيد المساحات الشاسعة التي فقدها من يد المعارضة.

8- يعتقد مراقبون أن إيران بالفعل انسحبت من الجولان بشكل كامل، بعد أن كانت تخطط للتمركز فيه، وهو ما مثل خطا أحمر لـ(إسرائيل)، وجاء ذلك بعد ضغط شاركت به روسيا، والآن لا يبدو أن المبررات الإسرائيلية للتدخل العسكري في سوريا باتت مقنعة للروس.

9- بدأ الروس يشكون في أن الغارات الإسرائيلية بدأت تستهدف النظام السوري نفسه، خارج إطار التفاهمات بين موسكو و(تل أبيب) باستهداف الأهداف الإيرانية والتابعة لـ"حزب الله" على الأراضي السورية فقط، وأن تلك التدخلات ربما باتت تجرى لمصلحة الولايات المتحدة وقوى غربية.

10- ما زاد من شكوك الروس هو عدم تنسيق (إسرائيل) معهم خلال الضربة الأخيرة للاذقية، لذلك بادر الإسرائيليون إلى تقديم معلومات استخباراتية إلى الروس تؤكد لهم بأن الهدف الذي تم ضربه في اللاذقية كان إيرانيا، لكن يبدو أن موسكو لم تقتنع بالأمر.

11- سيكون "بوتين" حريصا، بالتوازي مع هذا التصعيد، على عدم السماح للإيرانيين بتجاوز خطوطه الحمراء في سوريا، لكي لا يضع نفسه مجددا في مواجهة مع (إسرائيل) ستكون مختلفة تماما هذه المرة بعد إدخال "إس-300"، ولأنه يعلم أيضا أن الإسرائيليين لن يصمتوا على أي محاولة إيرانية جديدة للتمركز في سوريا، حتى ولو كلفهم الأمر مواجهة "إس-400" وليس "إس-300" فقط، وهو أمر أعلنته (تل أبيب) بشكل واضح.