الثلاثاء 24 سبتمبر 2019 06:29 ص

"هل تخلت سويسرا الخليج عن حيادها؟".. سؤال طرحه مراقبو الشأن العماني خلال الشهور الماضية بعد استقبال السلطنة لـ"بنيامين نتنياهو" بالعاصمة مسقط على رأس وفد إسرائيلي.

وفرضت الزيارة السؤال باعتبارها تطورا نوعيا في مسار السياسة الخارجية العمانية التي طالما اتسمت بمنهج "عدم الانحياز" لأي من أطراف الصراع الإقليمية ومحاولة تشكيل علاقات متوازنة بينها جميعا، في دور شبيه بذلك الذي تلعبه سويسرا في أوروبا.

وعزز من دلالة الزيارة تسارع وتيرة التطبيع بين دول الخليج العربي و(إسرائيل) مؤخرا، وتأكيد تقارير صحفية غربية أن المنامة ربما توقع "اتفاقية سلام" مع (تل أبيب) قريبا، في وقت تصاعدت فيه لقاءات مسؤولين سعوديين وإماراتيين بنظرائهم الإسرائيليين علنا في مناسبات عدة، آخرها مؤتمر وارسو للسلام والأمن بالشرق الأوسط، في فبراير/شباط 2019، الذي دعت إليه الولايات المتحدة بالأساس للحشد الدولي ضد النفوذ الإقليمي لإيران، ثم مشاركتهم في يونيو/حزيران الماضي بورشة المنامة المعنية بالشق الاقتصادي لصفقة القرن الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية.

لكن مسقط تتمتع بعلاقات مستقرة تاريخيا مع طهران، على عكس أغلب دول الخليج، فما هو داعي الاتجاه العماني نحو تعميق التطبيع مع (إسرائيل) إذن؟ وكيف بدأت السلطنة هذا المسار وعملت على تطويره؟

  • جذور تاريخية

ورغم إقامة سلطنة عمان علاقات دبلوماسية واستخباراتية مع (إسرائيل) بعد التوقيع على اتفاق أوسلو عام 1993، إلا أن إجابة الأسئلة السابقة لا تعود إلى هذا التاريخ في الواقع، بل إلى نحو 40 عاما مضت.

فجذور فكرة التطبيع العماني بدت واضحة عندما كانت السلطنة الدولة العربية الوحيدة التي اعترفت باتفاق السلام المصري الإسرائيلي في كامب ديفيد (1979) في وقت اتجهت فيه العديد من الدول العربية إلى مقاطعة القاهرة احتجاجا عليه.

وتحولت الفكرة إلى واقع رسمي عندما قام رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك "إسحاق رابين" بزيارة إلى عمان عام 1994؛ حيث استقبله آنذاك السلطان "قابوس بن سعيد". 

ورغم كونه اللقاء الأول بينهما، إلا أنه اتسم بطابع استراتيجي؛ حيث ناقشا قضايا مثل "تبادل المياه" وكيفية "تحسين إمداداتها"، ما بدا حينها مؤشرا على اتجاه عماني قوي للحاق بركب أوسلو.

وعزز من ترجيح هكذا اتجاه، استضافة رئيس الوزراء الإسرائيلي المؤقت "شمعون بيريز" لوزير الخارجية العماني "يوسف بن علوي" في القدس بعد عدة أيام من اغتيال "رابين" عام 1995، وتوقيع اتفاق بين الجانبين في يناير/كانون الثاني 1996، يقضي بافتتاح متبادل لمكاتب تمثيل تجاري.

لكن العلاقات العمانية الإسرائيلية عادت إلى التجمد مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في أكتوبر/تشرين الأول 2000، ولم تعد إلى سابق مسارها إلا في عام 2008، عندما التقى "بن علوي" وزيرة الخارجية الإسرائيلية "تسيبي ليفني" خلال زيارتهما لقطر.

وظلت علاقات التطبيع ترواح بين اتصالات سرية ولقاءات علنية لـ"بن علوي" ومسؤولين إسرائيليين؛ حتى التقى "نتنياهو" وزير الخارجية العُماني عام 2017، على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، الذي مثل نقطة تحول مهدت لثاني زيارة لرئيس وزراء إسرائيلي إلى مسقط.

وحسب القناة العاشرة الإسرائيلية (القناة 13 حاليا)، تمثلت نقطة التحول في تطوير للاتصالات بين (إسرائيل) وعُمان في أبريل/نيسان 2017، تحت إشراف جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي (الموساد)، وصولا إلى ترتيب لقاء "نتنياهو-قابوس".

وجاء إعلان الزيارة في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2018، مفاجئا؛ إذ أورده التليفزيون العماني الرسمي وأفرد له مساحة تغطية خاصة.

وشارك في الزيارة رئيس الموساد ومدير عام الخارجية الإسرائيلية، وتناول سبل دفع عملية السلام في الشرق الأوسط، وفقا لما أعلنه مكتب "نتنياهو".

  • دور الموساد

وخلال تلك السنوات، كان جهاز الموساد مفتاح تطوير العلاقة بين الجانبين، وهو ما كشف تفاصيله الكاتب الأمريكي "بن كاسبيت" في مقال نشره بموقع "المونيتور".

وصف المقال رئيس الموساد، "يوسي كوهين"، بأنه الشخصية التي تقف وراء الثمرة الدبلوماسية التي يتم جنيها في الوقت الحالي بين (إسرائيل) والعالم الإسلامي.

 وأضاف أن "كوهين" سبق له التنقل ذهابا وإيابا بوتيرة مكثفة بين عواصم المنطقة، بما فيها مسقط، وأسهم كثيرا في تعميق تعاوناتها السرية مع (تل أبيب).

وأشار "كاسبيت" إلى أن "كوهين"، الذي يتكلم العربية والإنجليزية بشكل مذهل ولديه مؤهلات سياسية بارزة، يُوصف في الكواليس الداخلية للسلطة في (إسرائيل) بأنه "وزير الخارجية الفعلي".

  • أبعاد استراتيجية

وتمكن رئيس الموساد من تنسيق اتفاقات عابرة للمجال السياسي مع عمان، خلال زيارة "نتنياهو"؛ حيث شهدت تعميق مستوى التطبيع إلى أبعاد اقتصادية، منها مشروع "مبادرة سكة حديد السلام" لربط (إسرائيل) بدول الخليج، الذي عرضه وزير المواصلات الإسرائيلي "يسرائيل كاتس"، وفقا لما أوردته صحيفة "مكور ريشون" العبرية.

وتمت صياغة المشروع ليتوافق مع خطة التطوير السعودية التي أعلن عنها ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، والتي تتضمن إقامة مشروع "نيوم"، حسب الصحيفة التي رجحت إبلاغ (إسرائيل) للسعودية مسبقا بزيارة السلطنة.

ويقوم المشروع على إنشاء سكة حديد تربط بين موانئ (إسرائيل) مع البحر المتوسط، ودول الشرق الأوسط من خلال الأردن والسعودية ودول الخليج، ومنها عمان.

وفي سياق متصل، جاء إعلان "نتنياهو"، في 10 ديسمبر/كانون الأول 2018، أن سلطنة عمان "ستسمح لطائرات إسرائيلية بالتحليق في مجالها الجوي"، مؤكدا أنه يريد العمل وفق نهج مختلف عبر التقدم باتجاه تطبيع العلاقات مع العرب دون المرور عبر حل النزاع مع الفلسطينيين.

لكن السماح العماني بعبور الطائرات لن يعمل على تقصير الرحلات الإسرائيلية من وإلى الشرق الأقصى طالما لم تأذن السعودية أيضا بعبور الطائرات ذاتها عبر أجوائها، ومن هنا كانت الدوافع الإقليمية لاتجاه مسقط نحو تعميق التطبيع مع (تل أبيب) ذات طبيعة مختلفة عن باقي دول الخليج.

  • ثقل إقليمي

فعمان ذات العلاقة المستقرة مع إيران تحاول اكتساب ثقل إقليمي وحماية دولية في آن واحد بمواجهة ما بدت أنها محاولات فرض وصاية من جانب المعسكر الإماراتي السعودي مؤخرا، وهو ما تركز دبلوماسية مسقط جهودها لضمان الإفلات منه، على نحو ما فعلت قطر، لكن بطريقة مغايرة.

ثمة علاقة بهذه الاتجاه مع نزاع حدودي يطفو على السطح بين مسقط وأبوظبي بين حين وآخر، ويعود إلى اقتطاع بعض الأراضي العمانية لصالح دولة الامارات عند تأسيسها بعد ظهور النفط بكميات وفيرة في أبوظبي.

وكان آخر سجالات هذا النزاع ضم الإمارات لمسندم العمانية إلى خريطتها بنظام ملاحة السيارات، ومغادرة وزير الخارجية الإماراتي "عبدالله بن زايد"، حفلا أقامته سفارة سلطنة عُمان بأبوظبي، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بمناسبة العيد الوطني الـ48، بسبب سماعه كلمات "من ظفار إلى مسندم" بالاحتفالية، باعتبار أن "مسندم" تشكل إشكالية حدودية بين البلدين.

لكن أوج سجالات التوتر بين الجانبين ظهرت عام 2011 عندما أعلن التليفزيون العماني الكشف عن "خلية تجسس" تعمل لصالح الإمارات على أراضيها، الأمر الذي سارعت أبوظبي إلى احتوائه دبلوماسيا بسرعة.

وبدت الطموحات التوسعية للإمارات واضحة من نهجها في التعامل مع الأزمة اليمنية بعد عاصفة الحزم (2015)، ومسارعتها للسيطرة على أكبر كم ممكن من الموانئ إقليميا وعالميا، وهو ما رصده صانع القرار العماني واتجه إلى مواجهته عبر ذات المسار الذي يمثل "مركز الثقل" في استراتيجية أبوظبي الدولية منذ ثورات الربيع العربي وحتى اليوم، وهو العلاقة مع (إسرائيل).

فاستراتيجية أبوظبي تقوم على تقديم نموذج خليجي ليبرالي يوصف بـ"المعتدل"، عبر تطوير علاقات قوية مع (تل أبيب) بالدرجة الأولى، ومن ثم ضمان تأييد واشنطن، خاصة في ظل إدارة الرئيس الأمريكي الحالي "دونالد ترامب".

وفي هذا الإطار، يمكن قراءة محاولة تأمين استراتيجي تقوم بها مسقط عبر تطوير التطبيع مع إسرائيلي، تتعلق بطموحات التوسع الإماراتي والتوتر المكتوم بينهما. لكن ماذا عن الدوافع الأخرى؟

  • تهور سعودي

يمثل ولي العهد السعودي الحالي "محمد بن سلمان" دافعا آخر لسلطنة عمان نحو محاولة ضمان مركز ثقل إقليمي عبر تعميق التطبيع مع (إسرائيل)، خاصة بعد تأكيد معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدني، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، على أن إقدام "بن سلمان" على "غزو السلطنة" غير مستبعد، في ظل تبنيه سياسات متهورة وعدم اكتراثه بردود الأفعال، ومحاولته إجبار دول الجوار الإقليمي على التماهي مع سياساته إزاء قطر وإيران.

وعزز من هذا الدفاع ما كشفه أمير الكويت "صباح الأحمد الجابر الصباح"، في سبتمبر/أيلول 2017، عندما صرح بأن وساطة بلاده منعت "تدخلا عسكريا" في قطر على إثر الأزمة الخليجية التي اندلعت بعد قيادة السعودية والإمارات قطعا شاملا للعلاقات مع الدوحة في 5 يونيو/حزيران من العام ذاته.

((4))

  • قناة اتصال

كما يمكن لعمان أن تمثل -بالنسبة لـ(إسرائيل)- قناة اتصال غير مباشرة مع إيران، وهنا تكمن أهمية موقعها الجغرافي استراتيجيا، باعتبارها تسيطر على مدخل الخليج العربي، وكذلك على مداخل مضيق هرمز من الناحية العربية.

وفي السياق، يشير المحلل الإسرائيلي "يوني بن مناحيم" في مقال له بموقع "ميدا" نقله موقع "رصيف 22"، إلى أنه "لا يمكن استبعاد احتمال أن تستطيع (إسرائيل) استعمال قناة الاتصال تلك وقت الحاجة عبر اتصالات سرية مع إيران بشأن كل ما يتعلق بالوجود الإيراني في سوريا.

وقد تفيد قناة الاتصال تلك في شأن السلطنة المحلي مستقبلا للحفاظ على استقرارها، حسبما يرى السلطان "قابوس"، الذي آثر اعتماد الكتمان الكامل في كل ما يتصل بخليفته، خاصة أنه لم يتزوج وليس له أشقاء أو وريث من صلبه.

فبمقتضى نظام الحكم العماني، يتعين على مجلس الأسرة الحاكمة أن يقرر من يخلف السلطان خلال 3 أيام من شغور المنصب، وتشير تقارير غربية إلى دور مهم ستلعبه واشنطن في تثبيت خليفة "قابوس" في حكم عمان، خاصة أنه احتفظ "في خزنته" بورقة كتب عليها اسم خليفته، وأوصى أن لا تُفتح إلا في حال عدم الاتفاق بين أبناء عمومته، بحسب تقرير لصحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، نقله موقع قناة "العالم" الإيرانية.

وعليه فإن انتقال عمان إلى نهج تطبيع العلاقة مع (إسرائيل) يصب في صالح ضمان استقرار وراثة ملك السلطنة أيضا، حسب مراقبين، خاصة في ظل تقارير تشير إلى معاناة "قابوس" صحيا.  

  • مستقبل العلاقة

وفي ضوء هكذا معطيات، تحاول عمان تعميق التطبيع مع دولة الاحتلال من أجل دور أكبر على مسار التفاوض لإيجاد حل للقضية الفلسطينية؛ الأمر الذي عبر عنه "بن علوي" في لقائه الأخير مع "نتنياهو" على هامش مؤتمر وارسو.

وتحت عنوان "بالون الاختبار العُماني"، أشارت الكاتبة الإسرائيلية "بازيت ربينا"، في مقال نشره موقع "مكور ريشون"، إلى أن التطبيع العماني مع (إسرائيل) يرتبط أيضا بما يعرف إعلاميا باسم "صفقة القرن" على نحو وثيق، وهي الصفقة التي يرفضها الفلسطينيون لتضمنها إقرار قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح بدون القدس الشرقية كعاصمة ودون إقرار لحق عودة اللاجئين.

ورغم أن "ترامب" لم يعلن رسميا عن تفاصيل الشق السياسي من الصفقة، إلا أن المبدأ الذي يستند إليه هو أن "أي اتفاق بين (إسرائيل) والفلسطينيين سيكون جزءا من شبكة اتفاقات ستحقق مكاسب سلمية لدول المنطقة"، وهو ما تدركه سلطنة عمان جيدا وتحاول توظيفه لما يخدم أهدافها.

ولذا لم يستبعد المحلل الإسرائيلي "يوني بن مناحيم" أن يقوم السلطان "قابوس" بدور "بن سلمان" ويتحول إلى القوة الدافعة التي تساعد الرئيس الأمريكي على تنفيذ الصفقة، خاصة بعد تأثر الوضع الدولي للسعودية على خلفية قتل الكاتب الصحفي "جمال خاشقجي".

المصدر | الخليج الجديد