الأربعاء 27 فبراير 2019 11:02 م

ربما لا تكون هيمنة «أمازون» على التجارة الإلكترونية والتجزئة المادية أمراً حتمياً كما يظن البعض، وستصل إلى نقطة تصبح عمليات توصيل البضائع بلا جدوى اقتصادية، خاصة للمستهلكين من الطبقة المتوسطة.

يركز المهتمون بتغول شركة أمازون عند الحديث عن الأضرار التي تلحقها بالاقتصاد على أنشطتها في قطاع التجزئة، لكن تقرير نتائج عملياتها للربع الأخير من عام 2018 يكشف بوضوح لا يقبل الجدل أن تركيزها ينصب بشكل متسارع على أنشطة شركات التقنية العملاقة.

وما بات مؤكدا أيضا أن مصدر أرباح «أمازون» الرئيسي والأسرع نمواً هو الإعلانات وشبكة خدمات «أمازون». أما مصدر دخلها الآخر الذي يشمل تسويق الخدمات الإعلانية فقد حقق 10 مليارات دولار من العائدات عام 2018، لكن اللافت أن نسبة نمو هذا النشاط بلغت 97% خلال الربع الأخير من العام على أساس سنوي.

كما تابعت شبكة خدمات «أمازون» التي كانت مصدر عائداتها الأساسي خلال السنوات العشر الماضية، فقد حققت نمواً بنسبة 46% خلال العام الماضي.

وفي الوقت الذي ساهم المصدران المذكوران معا بنسبة 15% من إجمالي عائدات «أمازون» في الربع الأخير، فإن نسبة مساهمتهما في عائدات الشركة الإجمالية تبلغ 33%.

وتقول الصورة في وجهها الآخر إن خطوط العمل الأخرى في «أمازون» التي تشمل التخزين الفعلي للسلع وتوصيل الطلبات، لم تعد ضمن أنشطتها سريعة النمو.

فقد زادت مبيعات المتاجر الإلكترونية - أي العملاء الذين يشترون المنتجات والوسائط الرقمية في «أمازون»، باستثناء مبيعات الطرف الثالث - بنسبة 14 في المائة على أساس سنوي في الربع الأخير من العام.

وانخفضت مبيعات المتاجر الفعلية - التي تتركز في شركة «هول فوودز» التي استحوذت عليها «أمازون»- انخفاضا نسبيا.

وبينما حققت التجارة الإلكترونية والتقليدية مجتمعة نسبة 61 في المائة من إيرادات «أمازون» سابقا، إلا أنها تمثل الآن 36 في المائة فقط من نمو العائدات، أي توازي عائدات الإعلانات وشبكة خدمات «أمازون».

وهناك سببان لهذه الاتجاهات المتباينة. على الجانب الرقمي - الإعلانات وخدمات الشبكة - كانت «أمازون» حريصة مسبقا على اقتحام السوق بتسارع أكبر مما هو عليه في قطاع التجزئة المادي.

فحجم سوق الإعلانات العالمي وحده، على سبيل المثال، يزيد على 500 مليار دولار، ما يعني أن حصة «أمازون» لا تزال أقل من 2 في المائة من هذا السوق.

أما تجارة التجزئة المادية، أو على الأقل جزء من التجارة الإلكترونية فيها، فكانت محط تركيز «أمازون» لأكثر من 20 عامًا حتى الآن. ومن الصعب الحفاظ على النمو السريع في أي سوق بعد نقطة معينة.

لكن هناك أيضًا جانب التكلفة.

والمعروف أن هامش الربح في تجارة التجزئة ضعيف، وتكاليف ما تحتاج إليه الشركة لتنمية تجارتها الإلكترونية تتزايد بسرعة في جميع قطاعات الاقتصاد. كما أن إنشاء مراكز التوزيع القريبة من العملاء باهظة التكاليف خاصة في ظل الإلحاح المتزايد من قبل قوى المجتمع لضمان حصول العاملين والسائقين في تلك المراكز على «أجر مجز».

ومن المؤكد أن أحد الأسباب التي دفعت شركة «أمازون» إلى رفع رسوم العضوية السنوية للخدمة الأساسية بمقدار 20 دولارًا أمريكيًا في العام الماضي. ولكن هناك نقطة أخرى تتعلق بالحجم الحالي لـ«أمازون» الذي يستمر فيه النمو بسرعة متزايدة، والصعوبات الناتجة عن تشدد ظروف سوق العمل عام 2019.

لذلك من المنطقي أنه عندما تفكر «أمازون» في مكان يضمن تنامي دولاراتها، فإنها سوف تركز أكثر على خطوط أعمال الخدمات الرقمية التي لا تزال تتيح حيز نمو مغرياً والهوامش المرتفعة التي توفرها، بدلاً من عمليات التجارة الإلكترونية الأكثر نضجًا وأقل هامشًا.

وبقدر انبهار الجمهور بخدمات «أمازون» في التجارة الإلكترونية، تجد الشركة نفسها مضطرة للتغيير. ربما لا تكون هيمنة «أمازون» على التجارة الإلكترونية والتجزئة المادية أمرًا حتميًا كما يظن البعض، وستصل إلى نقطة تصبح عمليات توصيل البضائع بلا جدوى اقتصادية، خاصة للمستهلكين من الطبقة المتوسطة الذين يعتبرون راحة جيوبهم أكثر أهمية من الراحة الجسدية.

من ناحية أخرى، تجد شركات التقنية العملاقة نفسها في حالة ترقب عندما يتعلق الأمر بتوسع شركة «أمازون». فحين يرتفع نشاطها الإعلاني من 10 إلى 50 مليار دولار على مدى السنوات القليلة المقبلة، فلا بد أن يأتي جزء من هذا النمو على حساب احتكار الإعلان الرقمي الحالي لـ«غوغل» و«فيسبوك» والنمو السريع المستمر لخدمات شبكة «أمازون».

وهذا لا شك نذير رعب لتلك الشركات.

وقد يتبين لاحقا أن هذا تطور مرحب به في أوساط المجتمع الأمريكي، الذي ربما لم يعد يتحمل ضغوط فقدان الوظائف في الوقت الذي يتحول تركيز «أمازون» نحو أنشطة أقل توظيفا.

لكن بالنسبة لشركات التكنولوجيا والاقتصادات المحلية في خليج سان فرانسيسكو، ربما يكون تأثير سلوك «أمازون» المؤذي قد بدأ للتو.