الأربعاء 13 مارس 2019 11:03 م

خلال انقلاب عام 2013، الذي أطاح بالرئيس المصري المنتخب "محمد مرسي"، قال القائد العسكري، الجنرال "عبد الفتاح السيسي": "تدرك القوات المسلحة أن الشعب المصري، الذي يدعونا إلى دعمه، لا يدعونا في الواقع إلى تولي السلطة. ولكن بدلا من ذلك، فإنه يدعونا إلى أداء الخدمة العامة، وتأمين الحماية الأساسية لمتطلبات ثورته".

وبعد مرور 6 أعوام، ما زال "السيسي" رئيسا، كما أن البرلمان المصري على وشك إقرار حكمه حتى عام 2034، متجاهلا المطالب الثورية التي دفعت ملايين المصريين إلى إنهاء حكم "حسني مبارك"، الذي استمر 30 عاما، في يناير/كانون الثاني 2011.

وعلى عكس آمال عامي 2011 و2013، تتجه مصر أكثر نحو الاستبداد. ويقبع عشرات الآلاف من المواطنين في السجون المكتظة. ويتم قمع حرية التعبير واستقلال وسائل الإعلام وحركات المعارضة باسم استقرار الدولة. ويبرز التعذيب، والاحتجاز غير المبرر، واعتداءات الشرطة، وأحكام الإعدام، كأدوات إستراتيجية للدولة لإسكات المحتجين.

ظاهرة جديدة

وفي 14 فبراير/شباط، وافق 485 من بين 596 نائبا مصريا على مناقشة تعديلات دستورية تسمح لـ"السيسي" ببسط سلطته. وستعمل التعديلات المدخلة على الدستور على إطالة فترة الرئاسة الحالية، من 4 أعوام إلى 6 أعوام، وتوسيع دور الجيش كهيئة إشرافية فوق الدولة، ومنح الرئيس الحق الدستوري في تعيين القضاة والنائب العام.

وعلى الرغم من أن الدستور الجديد لا يزال يقصر مدة الرئيس على ولايتين، إلا أن "السيسي"، الذي تم انتخابه لولاية ثانية في مارس/آذار 2018، سيتم منحه استثناء خاصا. وستتم الآن مراجعة التعديلات المقترحة من قبل اللجنة التشريعية والدستورية بالبرلمان في غضون 60 يوما، قبل تصويت مجلس النواب، ويلي ذلك استفتاء شعبي.

وقال "أحمد سميح"، مدير معهد الأندلس المصري لدراسات التسامح ومناهضة العنف: "هذه ظاهرة جديدة تماما. لم يتمكن الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر، ولا الرؤساء الآخرون الذين تبعوه، من التلاعب بالدولة والجيش بالشكل الذي فعله السيسي في الأعوام الـ5 الماضية".

وفي حين وجه "عبدالناصر" والرئيس الذي تلاه "أنور السادات" انتباه الرأي العام تجاه الحرب ضد (إسرائيل)؛ فليس لـ"السيسي" عدوا خارجيا؛ ولذلك يركز كفاحه بالكامل على قمع الشعب المصري.

الحكم من خلال القمع

وطوال فترة وجوده في السلطة، أقر "السيسي" قوانين قاسية واسعة النطاق. وداس على الحقوق الإنسانية والمدنية عبر احتجاز الآلاف من الناشطين والصحفيين والطلاب والمعارضين السياسيين، بمن فيهم رئيس أركان الجيش السابق، "سامي عنان". كما كبح استقلال القضاء عبر توظيفه في قمع كل شكل من أشكال المعارضة، في حين أعاق الاستقلالية الأكاديمية عن طريق إعادة التعيين المباشر لرؤساء الجامعات.

وأدت الإجراءات القانونية الجديدة، مثل ما يُعرف بـ"قانون التظاهر" لعام 2013، وقانون مكافحة الإرهاب لعام 2015، وقانون المنظمات غير الحكومية لعام 2017، وقانون الجرائم الإلكترونية لعام 2018، إلى زيادة كبيرة في سلطة الأجهزة الأمنية في إجراء عمليات المسح والقمع والإسكات والاحتجاز بحق المعارضين السياسيين. وقد تنجح التعديلات المقترحة عام 2017 على قانون الجنسية في سحب الجنسية المصرية عن المواطنين الذين يعيشون في الخارج وتتهمم السلطة بالعمل مع وكالة أجنبية يعتقد أنها تقوض النظام الاجتماعي أو الاقتصادي للدولة.

وتعرضت هذه القوانين لانتقادات شديدة لكونها غامضة بشكل مفرط في تحديد ما يشكل خطرا على النظام الاجتماعي والاقتصادي المصري. علاوة على ذلك، فإن الإجراءات القانونية وغير القانونية، بما في ذلك التعذيب والمحاكمات الجائرة والإخفاء القسري، يتم تنفيذها بتوسع من قبل الشرطة المصرية وأجهزة المخابرات والجيش؛ لضمان عدم عرقلة أي شخص لسيطرة "السيسي" على السلطة، وعسكرة الحياة المصرية.

نهاية سلطة القضاء

وتعزز التعديلات الدستورية المقترحة سلطة "السيسي". ويوضح بيان موقع من 11 منظمة مجتمع مدني الأمر قائلا: "تقضي التعديلات على ما تبقى من استقلال القضاء عن طريق تحصين التشريعات الاستثنائية من المراجعة القضائية، مع إضفاء الطابع الدستوري على سلطة الرئيس أحادية الجانب في تعيين القيادات القضائية، وإلغاء الاستقلال المالي للقضاء".

وعبر هذه التعديلات، سيتم تدمير الفصل بين السلطات؛ مما قد يؤدي إلى تركيز مفرط للسلطة في يد الرئيس. وقد أثبت "السيسي" عدة مرات تردده في اتباع المبادئ الدستورية، كما هو الحال في بيع مصر لجزر "تيران وصنافير" إلى السعودية، دون الدعوة إلى استفتاء شعبي على النحو المنصوص عليه في الدستور.

وقد أدى التصويت البرلماني الأخير إلى بلورة الاستبداد والقمع في مصر. وبعيدا عن واجبهم المتمثل في التحقق من سلطة الرئيس والحكومة، تنازل المشرعون عن مسؤوليتهم الديمقراطية، وأصبحوا فقط أداة لشرعنة قرارات النظام. وعارض 16 نائبا فقط مناقشة هذه التعديلات.

ومن بين هؤلاء النائب "أحمد طنطاوي"، الذي أكد على خطورة تركيز السلطة في يد رجل واحد، وأن ذلك يمثل "نكسة وعودة إلى ما هو أسوأ من نظام ما قبل 25 يناير/كانون الثاني 2011". وقد تعرض نواب معارضون آخرون للتعديلات، مثل "خالد يوسف" و"هيثم الحريري"، إلى حملات إعلامية قاسية تشهيرية، حيث تم استخدام العلاقات الجنسية المزعومة كذريعة لاتهامهما بـ "الفحش الأخلاقي".

ولا يزال "السيسي" يعتمد على دعم العديد من المصريين، الذين يرون أنه المعقل الأخير ضد انتشار عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي. لكن وفقا لـ"سميح"، يفقد "السيسي" العديد من أنصاره الأقوياء وسط القمع والاقتصاد الراكد؛ حيث قال: "تم طرد العديد من العائلات المصرية المشاركة في قطاعات اقتصادية محددة مثل صيد الأسماك من سوق العمل حيث اكتسب الجيش الآن اليد العليا في تلك الأنشطة".

لكن احتمال أن تؤدي خيبة الأمل إلى رحيل "السيسي"، أو حتى الحد من طموحاته، احتمال ضعيف. وحتى الجيش، الذي يُنظر إليه غالبا على أنه على رأس السلطة قد تم تحييده. وخلال الأعوام الـ3 الماضية، نفذ "السيسي" سلسلة من التعديلات داخل السلطة التنفيذية، وقام بحملة تطهير بين جنرالات الجيش.

وكان اعتقال رئيس أركان الجيش السابق، "سامي عنان"، واستبدال رئيس جهاز المخابرات المصري، "خالد فوزي"، وتعيين أبناء "السيسي"، "محمود" و"حسن"، لشغل مناصب رئيسية في جهاز المخابرات العامة، كلها علامات واضحة على نية "السيسي" الخروج من حلة "مبارك" ليحول رئاسته إلى دكتاتورية شاملة.

المصدر | سكوت لوكاس - ذا كونفرزيشن