الثلاثاء 26 مارس 2019 05:03 ص

صحوة الجنيه المصري وغفوة الدولار

اقترضت الحكومة 7 مليارات دولار بفبراير الماضي من صندوق النقد وسندات دولية وأذون دولارية محلية.

أول اختبار لتراجع الدولار بداية أبريل وحتى يونيو بزيادة الطلب عليه لاستيراد احتياجات رمضان والعمرة واقتراب سداد ديون نادي باريس.

قبل عدة شهور، توقعت مؤسسات مالية مصرية وإقليمية وعالمية، صعودا للدولار مقابل الجنيه المصري لأسباب كثيرة، وكان من بين تلك المؤسسات: بنك غولدمان ساكس الأمريكي، و"سي آي كابيتال"، وكابيتال إيكونوميكس، وهيرمس، وأتش سي وفاروس، وبلتون، وستاندرد أند بورز، وأرقام كابيتال، وبنك الإمارات دبي الوطني، ووزارة المالية المصرية وغيرها.

وبنت هذه المؤسسات توقعاتها على عدة مؤشرات، منها زيادة أعباء الديون المستحقة على مصر من أقساط وفوائد خلال العام الجاري والأعوام القادمة خاصة مع حدوث قفزة في قيمة الاقتراض الخارجي وبلوغه عتبة المائة مليار دولار، وانتهاء اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي، في شهر يونيو المقبل والذي على أثره يتوقف الاقتراض من الصندوق وتبدأ مرحلة السداد.

ومن بين المؤشرات كذلك، انسحاب ما يقرب من 10 مليارات دولار من الأموال الساخنة من مصر التي كانت مستثمرة في أدوات الدين الحكومية وذلك في العام الماضي 2018، وزيادة العجز في صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك المصرية، وعدم تحسن إيرادات النقد الأجنبي بالشكل الذي كان متوقعا عقب تعويم الجنيه المصري في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

وحددت بعض هذه المؤسسات سعرا متوقعا للدولار مقابل الجنيه، وإن اختلفت التقديرات ما بين 18 و19 جنيها بنهاية العام الجاري، بل إن بنك الاستثمار المصري "اتش سي" توقع في بداية شهر فبراير/شباط الماضي، صعود الدولار إلى 19.6 جنيها بنهاية عام 2019.

أما مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس" العالمية، فتوقعت في شهر يوليو/تموز الماضي، انخفاض قيمة الجنيه بشكل تدريجي، وصولا إلى 20 جنيها في العام المقبل 2020، لتتقارب مع توقعات سابقة لبنوك استثمار "فاروس" و"سي آي كابيتال"، في نهاية عام 2017.

وحتى ما بعد فترة بدء موجة تراجع الدولار، واصلت المؤسسات المالية توقعاتها بتراجع العملة المصرية وليس العكس، مثلا توقع استطلاع أجرته المجموعة المالية هيرمس المصرية، أحد أكبر بنوك الاستثمار الإقليمية يوم 3 مارس/آذار الماضي، تراجع قيمة الجنيه إلى نحو 19 جنيها بنهاية العام الجاري 2019.

وزادت تكهنات ارتفاع الدولار عقب تصريحات محافظ البنك المركزي، طارق عامر، لوكالة بلومبرغ، والتي توقع فيها تذبذبا في سعر الصرف خلال الفترة المقبلة، وما تبع التصريحات من تداعيات سلبية أخطرها زيادة اكتناز الدولار من المدخرين للاستفادة من ارتفاع سعره المتوقع.

لكن ما حدث هو العكس تماما، فمنذ يوم 27 يناير/كانون الثاني الماضي وسعر الدولار في تراجع، لدرجة أنه فقد نحو 60 قرشا من قيمته منذ ذلك التاريخ، وكان لتراجع الدولار مقابل الجنيه أسباب منطقية، منها اقتراض الحكومة 7 مليارات دولار خلال شهر فبراير/شباط الماضي وحده، منها 2 مليار من صندوق النقد الدولي، و4 مليارات عبر طرح سندات دولية، ومليار عبر أذون دولارية تم طرحها في السوق المحلية. وهذا المبلغ وفر سيولة وقدرة أكبر للبنوك على تلبية احتياجات عملائها من النقد الأجنبي.

كما تقترب الحكومة من اقتراض 1.5 مليار يورو، "ما يعادل 1.7 مليار دولار"، وهو ما سيوفر سيولة إضافية تزيد المعروض من النقد الأجنبي.

ومن بين أسباب تراجع الدولار كذلك، حدوث تحسن في إيرادات بعض القطاعات، مثل التحويلات والسياحة والصادرات، والتوقف عن استيراد الغاز، بل والبدء في تصديره لدول مجاورة منها الأردن، وهو ما سيوفر نحو 600 مليون دولار للخزانة العامة كما أعلنت مصادر رسمية.

كما أن عودة الأجانب للاستثمار في أدوات الدين الحكومي، خاصة أذون الخزانة، عبر البنوك مباشرة، بعد إلغاء البنك المركزي آلية تحويل أموال المستثمرين الأجانب، وفر سيولة للقطاع المصرفي، وهي السيولة التي كانت تذهب للبنك المركزي وتتم إضافتها للاحتياطي الأجنبي.

وهناك أسباب أخرى تتعلق بطرح الحكومة حصة من أسهمها في الشركات العامة للبيع، ومنها الشرقية للدخان، التي جذبت مستثمرين عرب وأجانب ضخوا عشرات الملايين من الدولارات في السوق المصرية، إضافة إلى مد الحكومة أجل سداد ديون خارجية مستحقة عليها لدول الخليج والصين بقيمة نحو 10 مليارات دولار، وهو ما ساهم في الحفاظ على قيمة الاحتياطي لدى البنك المركزي.

كما أن تلبية البنوك احتياجات عملائها خاصة المستوردين من النقد الأجنبي خفف من الضغط على سوق الصرف الأجنبي، إضافة إلى أن ترجع استيراد السيارات من الخارج بسبب حملة المقاطعة الواسعة #خليها_تصدي خفف من الطلب على الدولار.

كل هذه العوامل وغيرها مثل موسم الاجازات الصينية التي تتراجع فيها الواردات المصرية من الصين ساهم في خفض قيمة الدولار مقابل الجنيه بشكل لم تتوقعه حتى المؤسسات المالية والاستثمارية.

لكن هل موجة تراجع الدولار ستستمر؟

على المدى القصير، صعب التكهن، وربما يكون أول اختبار لهذا التراجع هو بداية شهر أبريل/نيسان المقبل وحتى شهر يونيو/حزيران، وهي الفترة التي تشهد عادة زيادة في الطلب على الدولار بسبب استيراد احتياجات شهر رمضان، وموسم عمرة رمضان، واقتراب موعد سداد ديون نادي باريس.

  • مصطفي عبدالسلام - كاتب ومحرر صحفي اقتصادي
المصدر | العربي الجديد