الثلاثاء 9 يونيو 2015 01:06 ص

يتفاقم الخطر في سوريا إلى حدّ أنه يمكن أن يقوّض أي نوع من الحلول التي تم تداولها في الأعوام الأربعة الماضية. كانت قوات المعارضة وسّعت أخيراً رقعة سيطرتها في الشمال، كما في الجنوب، وأكّدت وجودها الصامد في ريف العاصمة دمشق. أصبحت أي خطوة تالية لها قادرة على تهديد النظام بالانهيار. ما العمل؟ هنا، تحرّك تنظيم «داعش» أو جرى تحريكه أو أوحي له بأن تقدمه نحو حلب مرحّب به. وعندما فعل تلقى مساعدة من جانب النظام بقصف مركّز بالبراميل المتفجّرة وغيرها لمواقع المعارضين المتصدّين لـ «داعش». وقبل أسبوعين كان مقاتلو التنظيم اجتازوا مسافة صحراوية طويلة ومكشوفة من دون أن يتعرّض لهم أحد، لا طيران «التحالف الدولي» ولا طيران النظام، فاستولوا بسهولة ومن دون قتال فعلي على مدينة «تدمر».

تبادل أدوار، التقاء مصالح، تحالف ضمني موقّت، ضرورات تفرض أولويات؟ كل ذلك وارد في تفسير التنسيق الميداني بين النظام السوري و«داعش». فللمرة الأولى منذ بدء الصراع المسلّح في سوريا لم تتردّد الخارجية الأميركية في اتهام النظام «بمساعدة المتطرّفين والعمل على تقوية موقف داعش»، وأشارت الى تجنّبه توجيه ضربات إلى مواقع التنظيم، لكنها لم توضح لماذا امتنعت الطائرات الأميركية أيضاً عن ضرب تلك المواقع الشمالية التي تقع في منطقة عمليات «التحالف» طالما أن أحد أهدافه منع «داعش» من توسيع رقعة سيطرته. قد يقال، تفسيراً لذلك، أن الولايات المتحدة أوضحت منذ البداية أنها لن تتدخّل في أي قتال له علاقة مباشرة بالصراع الداخلي، لكنها كانت أصرّت مراراً على ضرورة تغيير المعادلة الميدانية بين المعارضة والنظام لكي يراجع الأخير حساباته ويقبل بحل تفاوضي، وها هي المعادلة تغيّرت فأدخل النظام «داعش» إليها لكن الولايات المتحدة لم تراجع حساباتها.

كانت إيران انشغلت بورشة الاتفاق النووي وما بعده، وبالتطورات في اليمن ثم في العراق، فتركت نظام بشار الأسد يراكم الخسائر، مقدّرة أن ما فقده لا يمسّ «سوريا المفيدة» أو «الكتلة الحيوية» التي تعتبرها كافية وضرورية لتأمين بقائه. غير أنها استشعرت خطراً من المرحلة المقبلة، فالطرق انفتحت أمام قوات المعارضة لتضع منطقة الساحل تحت التهديد، وإنْ لم تكن هذه أولويتها العاجلة. فلطالما اعتُبرت هذه المنطقة «معقلاً» للنظام، إذ ينتمي إليها معظم عسكرييه وتقطنها غالبية طائفته العلوية. وقد سبق للولايات المتحدة أن فرضت «فيتو» على أي محاولات لمهاجمة هذه المنطقة ومارست ضغوطاً على داعمي المعارضة لمنعها من التوجّه غرباً، وكل المحاولات التي جرت فعلاً أُفشلت بقطع الإمدادات والذخائر عنها، ما اضطرّها للانكفاء. لكن ايران وجدت هذه المرّة وجوب تدعيم هذه الجبهة معتبرةً أن سقوطها أو اختراقها يمثلان خسارة استراتيجية لها، لذا بدأت تستقدم قوات من العراق ومن شيعة أفغانستان للدفاع عنها. وفي الوقت نفسه خططت لدفع قوات المعارضة شرقاً كي تصطدم بمقاتلي «داعش» وتنشغل في قتال استنزافي معها.

مكمن الخطورة ليس في المجريات العسكرية بمقدار ما هو مرتبط بالنهايات المتصوَّرة للأزمة السورية. فالنظام وإيران والقوى الدولية متفقة على عدم السماح بإسقاط النظام عسكرياً، ويترجم ذلك عملياً بتسليح نوعي محدود للمعارضة وبمنعها من تجاوز خطوط معينة، ما بات يعني الحفاظ على خريطة السيطرة كما هي الآن، ولو مع بعض التعديل. لكنه يترجم أيضاً بلعب النظامين الإيراني والسوري بورقة «داعش» بشكل يضعف المعارضة ويحرج «التحالف الدولي»، أي أنه يشجع التنظيم على التوسّع للاستيلاء على مناطق للمعارضة، فيما تهتم إيران بالحفاظ على الأراضي التي تريد إبقاءها في كنف النظام. هذا يفترض «استدعاش» المعارضة ومناطقها وتركها لـ «التحالف» كي يتدبر أمره معها.

لا شك أن استراتيجية كهذه ترمي إلى استباق أي حلول أو مساومات. فإذا أرادت حتى روسيا وأميركا مجتمعتين تجديد البحث في حل مبني على بيان جنيف، أو طرح مشروع جديد، فإنهما ستصطدمان بأن الواقع الجغرافي لم يعد يسمح بـ «حل انتقالي» ولم يترك سوى خيارين: إما وضع المعارضة أمام التسوية التي يقترحها النظام، وهذا لن ينجح مهما بلغت ضغوط الدول الكبرى. وإما الشروع في طرح صيغ تقسيمية تجري بلورتها حالياً تحت تسمية «أقاليم»، لكن ايران تتهيّأ لإقناع الولايات المتحدة بأن المنطقة التابعة للنظام يمكن الدفاع عنها، وأنها آخر ما يتبقّى من سوريا خارج سيطرة «داعش».