الأحد 14 يونيو 2015 09:06 ص

فور صدور «إعلان حقوق الإنسان لمجلس التعاون لدول الخليج العربية» رسميا وتصديق المملكة العربية السعودية عليه، بعد مرور عدة أشهر من إقرار قمة التعاون الخليجي له، تساءل كثيرون: ما هو الفارق بين هذا «الإعلان الخليجي» الذي جاء متأخرا 67 عاما عن «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» الصادر في 10 ديسمبر/كانون الأول 1948؟، وما دلالة صدور هذا الاعلان الآن؟

ومع أن تبرير صدور الإعلان الخليجي معروف وشبه معلن، وهو الرد علي التقارير الحقوقية التي تتحدث عن عدم التزام السعودية أو غالبية دول الخليج ببعض قوانين ومواثيق حقوق الانسان الموقعة عليها، فقد ظهر من مقارنة الإعلانيين فوارق جوهرية تمثلت في ربط الإعلان الخليجي بين هذه الحقوق، وخاصة حرية التعبير وحرية الاعتقاد، وبين ضوابط البيئة الخليجية والشريعة الإسلامية، والتي دائما ما يردد ساسة الخليج بأنها «خصوصية»، وهو ما جعل غربيين يرون هذه «الضوابط» قد فرغت الإعلان الخليجي من مضمونه، وقالوا في تحليلات وتقارير صحفية أن هذه الضوابط قد تستخدمها السلطات لتبرير أيضا عدم احترام حقوق التعبير أو الاعتقاد بحجة «الخصوصية».

يلاحظ أن الإعلان قد تعاطى في المادة التاسعة منه موضوعا حساسا وهو حرية الرأي والتعبير، والذي تناولته المواثيق الدولية كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 ديسمبر/كانون الأول 1948 مثلا في المادة 19 منه حيث نصت على «لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأي وسيلة ودونما اعتبار للحدود».

إذ أن أهم 3 مواد أو حريات وردت في المواد 6 و7، 9 وهم: (حرية المعتقد) و(حرية الرأي والتعبير) تم تقييدهما بعبارات «وبما لا يخل بالنظام العام والآداب العامة»، و«وفقًا للنظام (القانون)»، ما يعني سهولة التنصل من هذه الحريات بأسباب مسبقة أو شروط لهذه الحريات.

فالمادة رقم (6) من الإعلان الخليجي تنص علي: «حُرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية حق لكل إنسان وفقًا للنظام (القانون) وبما لا يخل بالنظام العام والآداب العامة»، بينما تنص المادة رقم (7) علي: «احترام الأديان السماوية، وعدم ازدرائها أو التطاول على أنبيائها أو رموزها، واحترام التنوع الثقافي للأمم الأخرى مكفول وفقًا للنظام (القانون)».

أما المادة (9) الهامة فتنص علي أن: «حرية الرأي والتعبير عنه حق لكل إنسان، وممارستها مكفولة بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية والنظام العام والأنظمة (القوانين) المنظمة لهذا الشأن».

مقارنة بين الإعلانيين

إعلان حقوق الإنسان لمجلس التعاون لدول الخليج العربية تضمن 47 مادة، بينما الإعلان العالمي يتكون من 30 مادة فقط، وأهم موضوعاته وهو (حرية الرأي والتعبير) كفل الإعلان الخليجي ممارستها ولكنه وضع أسسا وضوابط تنظيمية لتلك الممارسة تتلاءم مع البيئة الخليجية باشتراطه أن تكون تلك الممارسات متوافقة مع الشريعة الإسلامية والنظام العام والقوانين المنظمة لهذا الشأن.

ونظير هذه المادة في الإعلان العالمي هو المادة رقم 19 التي تنص علي: «لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية»، وهي لا تضع قيودا كالإعلان الخليجي.

أما حرية التنقل والإقامة والمغادرة فقد أكد عليها الإعلان الخليجي أيضا في مادته العاشرة كمبدأ عام ومطلق لا يحده أو ينظمه إلا القوانين السارية، وهو ما يتسق تماما مع ما ورد في المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بفقرتيها حيث نصت الأولى على أنه «لكل فرد حق في حرية التنقل وفي اختيار محل إقامته داخل حدود الدولة، أما الثانية فأكدت أنه لكل فرد حق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده».

وأكد إعلان حقوق الإنسان لمجلس التعاون لدول الخليج أيضا بجانب (حرية التنقل والإقامة والمغادرة) في المادة 11 منه أنه «لا يجوز إبعاد مواطن عن بلده أو منعه من الدخول إليها»، وهو ما ألمح إليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عجز مادته التاسعة حيث أشار فيها إلى أنه «لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا».

وفيا يخص الاعتراف بالشخصية القانونية للإنسان فقد تناولتها المادة 12 من إعلان حقوق الإنسان لمجلس التعاون لدول الخليج العربية حيث قررت أن «الشخصية القانونية حق لكل إنسان»، وهو ما سبق وأن أكده الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته السادسة حين قرر أنه «لكل إنسان، في كل مكان، الحق بأن يعترف له بالشخصية القانونية».

منع إسقاط الجنسية

ولأن سحب الجنسية من بعض المعارضين في الخليج وتحويلهم إلى فئة (بدون) أو سحب الجنسية منهم والضغط عليهم لقبول جنسية «جزر القمر» كان أحد المشاكل التي تواجه أصحاب الرأي، فقد جاء نص إعلان حقوق الإنسان لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في المادة (13) منه بالتأكيد على أن «الجنسية حق لكل إنسان ينظم منحها القانون، ولا يجوز إسقاط الجنسية أو سحبها إلاّ في حدوده» وهو ما رآه البعض تطورا مشهودا،

وهو أيضا تذكير بفحوى المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ولكن بتصرف يسير حيث نصت تلك الأخيرة على أنه لكل فرد حق التمتع بجنسية ما، ولا يجوز، تعسفا، حرمان أي شخص من جنسيته ولا من حقه في تغيير جنسيته.

وتفرد نص الإعلان العالمي في هذا الشأن بالنص على جزءين هما عدم جواز الحرمان من الجنسية تعسفا، وعدم جواز حرمانه من حقه في تغيير جنسيته وهو ما يميز ذلك النص الوارد بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالنص على موضوع الحق في تغيير الجنسية على عكس إعلان حقوق الإنسان لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي لم يتعرض لذلك الموضوع، بينما ربطه بالقانون، والذي يصدر أحيانا من مؤسسات غير تشريعية أو بمرسوم رئاسي أو ملكي أو أميري أو سلطاني وبقوة القانون.

الأسرة والمجتمع

وفي مجال تنظيم العلاقات الإنسانية والاجتماعية وتكوين الأسرة فقد قرر إعلان حقوق الإنسان لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في مادته الرابعة عشرة أن «الأسرة هي الوحدة الطبيعية والأساسية في المجتمع قوامها الرجل والمرأة ويحكمها الدين والأخلاق وحب الوطن، ويحفظ الدين كيانها ويقوي أواصرها ويحمي الأمومة والطفولة وأفراد الأسرة من جميع أشكال الإساءة والعنف الأسري، وتكفلُ الدولة والمجتمع حمايتها».

وأضاف في المادة 15 منه أن «الزواج وتأسيــس الأســرة حق للـرجل والمــرأة، ويـنعقد الزواج برضا الطـرفيـن دون إكــراه، وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية والقانون»، وهو ما يؤكد المرجعية الدينية والأخلاقية والوطنية في ذلك الموضوع لما تتمتع به من احترام.

ولكن النص المقابل أو النظير لهاتين المادتين والوارد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يراع الخلفية الدينية الإسلامية في ظل النظر إليه بوصفه إعلانا عالميا يخاطب كافة البشر بغض النظر عن دياناتهم حيث ورد في المادة 16 منه النص على أنه «للرجل والمرأة، متى أدركا سن البلوغ، حق التزوج وتأسيس أسرة، دون أي قيد بسبب العرق أو الجنسية أو الدين، وهما متساويان في الحقوق لدى التزوج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله»، وأنه «لا يعقد الزواج إلا برضا الطرفين المزمع زواجهما رضاء كاملا لا إكراه فيه»، وأن «الأسرة هي الخلية الطبيعية والأساسية في المجتمع، ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة».

ويلاحظ أن الاختلاف بين مضمون النصين في الإعلانين يفسره ما ورد في الفقرة 2 من المادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ونصه: «لا يخضع أي فرد، في ممارسة حقوقه وحرياته، إلا للقيود التي يقررها القانون مستهدفا منها، حصرا، ضمان الاعتراف الواجب بحقوق وحريات الآخرين واحترامها، والوفاء بالعادل من مقتضيات الفضيلة والنظام العام ورفاه الجميع في مجتمع ديمقراطي».

وهو ما يشير إلى إمكانية وضع قيود على الحقوق والحريات أو العمل على تنظيمها بموجب القوانين إذا كان الهدف من ذلك ضمان الاعتراف الواجب بحقوق وحريات الآخرين واحترامها، والوفاء بالعادل من مقتضيات الفضيلة والنظام العام ورفاه الجميع في مجتمع ديمقراطي.

وواقع الحال فإن بعض دول الخليج تحد من حرية كل من الرجل والمرأة في اختيار شريك حياتهما ، فنجد في دولة الإمارات، على سبيل المثال، مرسوم أميري يقضي بعدم الاعتراف بزواج المواطنة من أجنبي ، بينما لم يضع نفس الشرط للرجل بعدم جواز ذلك، لاعتبارات ترجع أن أغلب رجال السلطة متزوجون من أجنبيات وبالتالي إقراره يمثل إشكالية لهم وفقا للبعض.

كما تعاني المرأة في الإمارات التي تزوجت من أجنبي قبل صدور هذا المرسوم من عدم الاعتراف بأن أبناءها من زوجها الأجنبي من المواطنين، كنوع من زجر المواطنة على فعلتها بقبول الزواج من أجنبي، الأمر الذي دفع بحسب نساء ناشطات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تحايل المرأة على القانون فتلجأ إلى الزواج بأجنبي في أي بلد آخر ، ثم لجؤوها لاستقدامه تحت مبرر العمل والإقامة المشروعة ليكون لهما بعد ذلك الحق في العيش معا تحت سقف واحد، إلا أن هذا التحايل أيضا وضع المرأة في إشكالية أخرى في حال أنجبت منه وهو ماسبق الإشارة إليه.

وغير بعيد عن المجال الأسري والزواج، فقد أكد الإعلان في المادة 16 منه على أن «الحياة الخاصة مصونة لكل إنسان، ولا يجوز التعدي على حرمتها أو شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو اتصالاته، وله الحق في طلب حمايتها»، وفي ذلك صون لخصوصيات كل إنسان حتى يتعامل مع المجتمع وهو في مأمن من المنغصات خاصة.

وقد قرر عدم جواز التعدي على حرمة تلك الحياة الخاصة، أو شؤون الأسرة عموما لما تشكله من حساسية وخصوصية، أو المسكن وهو الملجأ والمأوى والذي يتطلب القدر الكافي من عدم اختراقه بأي صورة من الصور، وعلى النهج نفسه فقد قرر عدم جواز التعدي على المراسلات أو الاتصالات، مضيفا إن لكل إنسان الحق في طلب حمايتها وهو ما يؤكد التأكيد على تلك الخصوصية وكفالة حمايتها، وهو ما أشارت إليه المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حيث نصت على «لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملات تمس شرفه وسمعته، ولكل شخص حق في أن يحميه القانون من مثل ذلك التدخل أو تلك الحملات» ، وهو ما سبق أن قامت به سلطات الإمارات،على سبيل المثال، مع الناشط الحقوقي والمحامي والأكاديمي الدولي الدكتور «محمد الركن» قبل سنوات.

والإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو وثيقة حقوق دولية تمثل الإعلان الذي تبنته الأمم المتحدة 10 ديسمبر/كانون الأول 1948 في قصر شايو في باريس، ويتحدث عن رأي الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان المحمية لدى كل الناس.

بينما جاء إعلان حقوق الإنسان لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي اعتمده قادة دول الخليج، في ختام قمتهم التي استضافتها العاصمة القطرية الدوحة، وتم إقراره رسميا في دول مثل السعودية، ليؤكد على عدة مبادئ ونصوص دار حولها جدال عنيف خلال الفترة الماضية، منها: (سحب الجنسية)، و(التعذيب)، و(المحاكمات غير العادلة)، و(الأحكام القاسية)، و(اللاجئين السياسيون)، و(توطين البدون) و(إساءة السمعة) وغيرها من القضايا الحقوقية.