الجمعة 5 يوليو 2019 09:20 م

تقترب لعبة التحدي التركية مع الولايات المتحدة، الحليف الأكثر أهمية لأنقرة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، من نهايتها حيث تواصل تركيا التأكيد على أنها ستتسلم نظام الصواريخ الروسية الصنع "إس - 400" الشهر المقبل؛ وتقول الولايات المتحدة إنها ستفرض عقوبات على تركيا إذا فعلت ذلك سواء باستخدام قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات (CAATSA) أو عبر إنهاء مشاركة تركيا في برنامج مقاتلات "إف - 35" عالية التقنية.

ويمكن للولايات المتحدة في هذه العملية أن تتسلح بخيارات انتقامية من شأنها أن تضر الاقتصاد التركي. ولكن حتى في الوقت الذي يناقش فيه الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" والرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" إمكانية التوصل إلى اتفاق في اللحظة الأخيرة حول هذه القضية، فمن المرجح أن ترسل الاعتبارات السياسية الداخلية لتركيا الحلفاء الظاهريين إلى طريق المواجهة، بدلاً من التسوية.

وقد اختبرت النزاعات السياسية البارزة على مر السنين العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة. وأدى الغزو التركي لقبرص في عام 1974، والغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ومؤخراً، دعم الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب التي يهيمن عليها الأكراد في الحرب الأهلية في سوريا، إلى توتر العلاقات بين حلفاء الناتو منذ فترة طويلة.

وعلى الرغم من أن التسليم الوشيك لنظام الصواريخ الروسية "إس - 400" إلى تركيا يمثل كسرًا محتملًا آخر للعلاقة، إلا أن التهديدات الأمريكية من غير المرجح أن تثني تركيا عن شراء نظام الدفاع الجوي مما يخلق مخاطر جديدة لاقتصاد أنقرة غير المستقر بالفعل ويكشف عن خلاف آخر في العلاقة المعقدة بين البلدين.

مصالح أنقرة ومخاوف واشنطن

بالنسبة للبلدين، هناك مصالح عميقة على المحك حيث ينبع السبب المباشر لشراء "إس - 400" من الفشل السابق لأنقرة وواشنطن في التوصل إلى اتفاق بشأن بيع أنظمة صواريخ "باتريوت" الأمريكية إلى تركيا، والتي بدأت تبحث نظام دفاع جوي جديد للدفاع عن نفسها في الوقت الذي أصبحت فيه أكثر انخراطا في الحرب الأهلية السورية.

وبعد أن رفضت تركيا شروط اتفاق "باتريوت"، فإنها طلبت عروضا أخرى عبر عملية مناقصة، واختارت في نهاية المطاف النظام الروسي. وترك القرار شعوراً طويلاً بعدم الثقة بين تركيا والولايات المتحدة، مما زاد من رغبة تركيا في تنويع موردي الأسلحة.

ولكن الفوائد التقنية المباشرة لمنظومة "إس - 400" لا تكفي لتفسير سلوك تركيا. بالنسبة لأنقرة. وستوفر عملية الشراء ترقية لعلاقات تركيا مع روسيا، التي تصبح أكثر أهمية على المستويين الأمني ​​والاستراتيجي، لأن موافقة موسكو صارت حاسمة لتركيا من أجل تحقيق أهدافها في سوريا.

ويساعد شراء الأسلحة الروسية أيضًا تركيا على الوفاء باستراتيجيتها طويلة المدى لتنويع إمدادات الأسلحة والاستفادة من عمليات نقل التكنولوجيا من شركاء غير الولايات المتحدة. أما بالنسبة لـ"أردوغان" وحزبه فإن شراء المنظومة الروسية رغم اعتراضات واشنطن يبهج الناخبين الذين يشكلون جزءًا كبيرًا من قاعدته السياسية والذين يرغبون في رؤية تركيا تتصرف بشكل أكثر استقلالية في السعي لتحقيق مصالحها الوطنية.

بالنسبة للولايات المتحدة، فإن شراء أنقرة للمنظومة الروسية يحمل تداعيات استراتيجية وعسكرية تنذر بالخطر. ومن شأن العلاقات الدفاعية الروسية التركية الموسعة أن تعقد تحالف أمريكا مع تركيا وحلف الناتو. وتشعر الولايات المتحدة بالقلق أيضًا من أن تركيا قد تستخدم نظام "إس - 400" لمسح طلعات الطائرات من طراز "إف - 35" مما يجعل المعلومات الاستخباراتية حول الطائرة في أيدي الروس.

وتجادل تركيا أن نظام "إس - 400" يستقبل بالفعل معلومات طائرات "إف - 35" التي تقوم بدوريات بالقرب من إقليم لينينغراد الروسي حول سان بطرسبرج، وكذلك في سوريا، لكن ذلك فشل في التأثير على الولايات المتحدة. نتيجةً لذلك، تفكر واشنطن في إنهاء مشاركة تركيا في برنامج تطوير "إف - 35" مع فرض عقوبات على تركيا من خلال قانون "حماية سماء الناتو" الذي يعمل عليه الكونغرس الأمريكي حاليا.

صدام الحلفاء

أنتجت هذه المصالح صدامًا بين الحليفين: فمن ناحية، لا تريد تركيا أن تبدو وكأنها تراجعت عن اتفاقها الذي طال انتظاره، في حين أن الكثيرين في الولايات المتحدة - بما يشمل البيت الأبيض والكونغرس - يرغبون في مواصلة المواجهة مع تركيا حول "إس - 400".

ونتيجة لذلك، تجد تركيا نفسها في وضع يتعين عليها فيه أن تقرر ما إذا كانت ستتراجع، بطريقة ما، عن الصفقة أم أنها سوف تقبل الضرر الاقتصادي المحتمل للعقوبات وطردها النهائي من برنامج المقاتلة الأمريكية. لكن بينما تدرك تركيا جيدًا العواقب الاقتصادية المترتبة على اختيارها، فإن الاعتبارات السياسية المحلية تدفع أنقرة إلى تجاوز الاقتصاد واختيار المنظومةالروسية.

وقد اكتسب "أردوغان" نفوذا محليا من خلال تأجيج القومية عبر تحدياته المتكررة للضغوط الإمبريالية الغربية المزعومة ضد بلاده. وفي الوقت الحاضر، يحسب "أردوغان" أن التهديدات الأمريكية خادعة، ويدفعه ذلك إلى اختيار طريق يعزز شعبية الحكومة لكن الحالة الهشة لاقتصاد تركيا تثير مسألة ما إذا كانت مثل هذه المناورة السياسية تستحق العناء بالنسبة لأنقرة في ظل الركود الاقتصادي وتراجع النمو. 

لكن الفترة الزمنية الطويلة نسبيا - خمس سنوات - حتى الانتخابات المقبلة المقررة في عام 2023 تشكل أيضًا جزءًا من حسابات أنقرة فيما يتعلق بالمخاطر الاقتصادية، حيث يعتقد "أردوغان" أن لديه وقتًا لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد حتى لو فرضت الولايات المتحدة عقوبات تتسبب في فرار المستثمرين الأجانب أو المزيد من الكساد.

على مستوى الصناعات الدفاعية، تهدف تركيا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي بحلول عام 2023 وهي الذكرى المئوية للاستقلال الوطني. وفي الوقت الحاضر، يصنف الأتراك أنفسهم بأنه مستقلين بنسبة 70% في هذا القطاع حيث سجلت صناعة الدفاع أرقام نمو مثيرة للإعجاب في السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت الصادرات بنسبة 64% على أساس سنوي في يناير/ كانون الثاني هذا العام وتجاوزت رقم ملياري دولار لأول مرة على الإطلاق خلال عام 2018.

وعلى الرغم من هذه الأرقام، قد تكون تركيا على استعداد للتضحية بنجاحها في صناعة الأسلحة على أساس أن عقوبات "قانون مواجهة خصوم أمريكا" التي سوف تستهدف فقط قطاع الدفاع لن تضر الاقتصاد في البلاد على نطاق أوسع.

بعد كل شيء، يمثل قطاع الدفاع في البلاد أقل من 1% من الاقتصاد التركي ويعمل به 30 ألف شخص فقط في سوق العمل البالغ عدده 31 مليون شخص. ووفقًا لآخر عمليات التسريب حول العقوبات الأمريكية المحتملة، يمكن للسلطات الأمريكية أن تمنع 3 شركات دفاع تركية من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي وهو قيد من شأنه أن يؤذي الشركات المعنية بشكل طبيعي، ولكن ليس بالضرورة أن يؤذي ذلك بقية الاقتصاد.

تأثير العقوبات

ومع ذلك، فإن العقوبات الأمريكية سيكون لها تأثير حقيقي على تركيا. من ناحية، تمثل هذه التدابير خيبة أمل سياسية لقادة البلاد، الذين يعلقون جزءًا من روايتهم على عودة تركيا لتأسيس صناعة دفاع قوية.

علاوة على ذلك، ستكون العقوبات بمثابة ضربة شخصية لـ"أردوغان"، الذي وعد بالنمو في هذا القطاع. وسيكون ذلك أيضًا بمثابة انتكاسة للأمن التركي، حيث إنه سيؤدي إلى إبطاء سعي البلاد لتحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال إعاقة تشكيل قطاع دفاعي متطور عبر التعاون مع الولايات المتحدة. وقد يؤدي خروج تركيا من برنامج "إف - 35" إلى خسارة ما يتراوح بين 10 مليارات و 30 مليار دولار من عائدات التصدير من منتجاتها الدفاعية.

وفي حالة قيام الولايات المتحدة بالانتقام من تركيا، قد تطغى المشاكل الاقتصادية على التزام أنقرة بصفقة "إس - 400" في النهاية وتمهد الطريق لمفاوضات أكثر جوهرية حول هذه القضية.

وكجزء من حل توافقي، يمكن لتركيا أن تتخلى عن المنظومة الروسية عبر التبرع بها لحليف إقليمي، مثل أذربيجان. ولكن في نهاية المطاف، لا يوجد أي ضمان بأن الضغط الاقتصادي الأمريكي الكبير سوف يفرض حلاً وسطًا، مما يعني أن الخلاف حول "إس - 400" قد يفسد العلاقات الأمريكية التركية لسنوات قادمة.

المصدر | ستراتفور