الاثنين 15 يونيو 2015 05:06 ص

ساعة التوقف الافتراضية التي نشرتها صحيفة «هورييت ديلي نيوز» في موقعها على الانترنت، توقفت بعد ثلاثة ايام و22 ساعة ودقيقة و45 ثانية. هذا هو الزمن الأطول الذي حافظ فيه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان على الصمت خلال هذه الحملة الانتخابية، حيث ظهر ثلاث مرات في اليوم في التلفاز وأسمع صوته في خطابات علنية متهكمة ضد المعارضة. وقد تسببت نتائج الانتخابات بصدمة وصمت مطبق لدى الرئيس، لا سيما في الوقت الذي انتظرت فيه تركيا سماع صوته.

 لكن بين جدران قصره الفخم، الذي كلف دافع الضرائب ملايين الدولارات، لم يهدأ العمل للحظة. فبعد اعلان نتائج الانتخابات فورا، عقد اردوغان جلسة مع مستشاريه ورؤساء حزبه، وقد استمرت الجلسة 20 ساعة. حسب مصادر تركية لم تكن الجلسة هادئة، وتبادل الجميع الاتهامات وكان هناك من اتهم رئيس الحكومة، أحمد داود أوغلو بالمسؤولية عن الفشل الكبير.

 مؤيدو أردوغان في وسائل الاعلام وجهوا أصبع الاتهام إلى نشطاء الشبكات الاجتماعية أيضا، الذين لم يقوموا بما يكفي من أجل تجنيد الجمهور للتصويت لحزب العدالة والتنمية، ولم يتطرقوا للموضوع الاقتصادي وباقي المواضيع التي تقلق الجمهور.

 بعد ذلك بفترة قصيرة بدأت تصفية الحسابات مع الإعلام، هذه المرة ليس مع الاعلام المعارض، التي تعرضت في السنوات الاخيرة لضربات قوية من النظام، وانما تلك التي تؤيد الحكومة، حيث اسرع صديق أردوغان مثلا طورجاي جينر – الملياردير الذي يملك من ضمن ما يملكه «جينر ميديا جروب» المسؤولة  عن عدة وسائل اعلامية مهمة في الدولة – لاقالة آغا اونر وهي مقدمة برامج مشهورة في شبكة TV SHOW بالاضافة الى 25 موظف في الشبكة. بعض هؤلاء كتبوا على الشبكات الاجتماعية قبل الانتخابات انهم يؤيدون حزب الشعوب الديمقراطي المقرب من الاكراد، وآخرون انتقدوا بطريقة معتدلة أردوغان، والان حانت لحظة الحساب.

 لكن هذا الحساب باتجاهين، لأنه في نفس اللحظة بدأت وسائل اعلام مؤيدة لاردوغان بتعديل تأييدها على ضوء الأجواء الجديدة في تركيا بعد الانتخابات. هذه الظاهرة تذكر مراجعة الذات التي قامت بها الصحافة المصرية بعد الثورة عام 2011. حيث نقل مؤيدي حسني مبارك بسرعة تأييدهم للثورة وانضموا للمعارضين في محاولة للابقاء على الشرعية الجماهيرية الخاصة بهم.

 لكن تصفية الحساب مع الخصوم السياسيين قد تكون خطيرة. على الأقل حتى إقامة الائتلاف الذي سيشكل الحكومة، لأن الهدف القادم هو الاستقرار السياسي. الكاتب التركي ساميا ايديز تحدث عن رغبة المستثمرين ورجال الأعمال في تركيا قائلا: «الأمر الأفضل الذي كان يمكن أن يحصل هو هزيمة لأردوغان ونجاح لرئيس الحكومة داود أوغلو أي أن عدد أعضاء حزب العدالة والتنمية في البرلمان يكون قليل بما يكفي لمنع أردوغان من تنفيذ رغبته في إقامة حكم رئاسي، لكن كبير بما يكفي لتمكين رئيس الحكومة من تشكيل حكومة بدون شركاء». أي بالارقام بان يكون 276 - 329 مقعدا للحزب في البرلمان. لأن رجال الاعمال، وليس هم فقط، يعارضون الحكم الرئاسي، وبنفس الوقت يخافون من حكم ائتلافي يعرقل عمل الحكومة، لكن نتائج الانتخابات لم تستمع للرغبات. أردوغان لا يستطيع تغيير الدستور مع حزب فاز بـ 259 مقعدا. لكن رئيس حكومته ايضا لا يستطيع تشكيل حكومة بدون ائتلاف.

 «يعلمنا التاريخ أن حكومة ائتلافية ليست جيدة لتركيا»، قال داود اوغلو «لكننا جاهزون لاي سيناريو بناء على التطورات الاخيرة». تركيا لم تنجح بالعمل كما هو لازم عندما قادتها حكومات ائتلافية. الخلافات والصراعات لم تتسبب فقط باضرار اقتصادية كبيرة، وانما ايضا لاندلاع احداث عنف ادت الى انقلابات عسكرية في حالتين. لكن "التطورات الاخيرة" على حد قول داود اوغلو – أو بطريقة اكثر وضوحا، سقوط حزب السلطة- تستوجب ائتلاف الذي بدونه قد تسقط الحكومة عند اقامتها. وقال أردوغان في حديثه هذا الأسبوع مع أكبر أعضاء البرلمان سنا دنيز بيكل الذي كان رئيس الحزب الجمهوري المعارض (قبل ان يستقيل عام 2010 بسبب نشر افلام فيديو يظهر فيها بغرفة مع واحدة من اعضاء البرلمان) قال أردوغان أن «جميع الخيارات لاقامة ائتلاف مفتوحة» وصحيح أيضا أن إمكانية تقديم الانتخابات واردة لكن من المشكوك فيه ان يرغب حزب السلطة مواجهة اختبار الجمهور مرة أخرى في الوقت القريب.

المفارقة التي يتعرض لها أردوغان ستكون حجم التنازلات التي سيقدمها لشركائه. فمثلا ضم حزب الاكراد الذي فاز بـ 80 مقعدا سيضطره إلى تعديل الروحية القومية التي عبأها في العام الاخير، وبالتالي التصالح مع الأكراد الأمر الذي يعني تنازلات كبيرة بخصوص الحكم الذاتي الثقافي الذي يسعى اليه الأكراد. وتبني خط ليبرالي كما يريد الحزب، وإعادة النظر في سياسته تجاه الأقلية الكردية في سوريا والعراق. وفي نفس الوقت يستطيع أردوغان متابعة تنفيذ الأجندة الإسلامية الخاصة به. حيث أن الأكراد حازوا على أصوات الاكراد المحافظين الذين صوتوا في الماضي لحزب العدالة والتنمية.

بالمقابل، فإن الشراكة مع الحزب القومي الذي على رأسه دولت بهتشلي قد تضر بعلاقات تركيا مع الاتحاد الاوروبي وتهدد عملية المصالحة مع الأكراد وتضطر أردوغان إلى اتخاذ سياسات أكثر اعتدالا تجاه سوريا حيث أن الحزب القومي يتهم أردوغان بجر هذه الحرب إلى داخل سوريا. ومشاركة الحزب القومي برئاسة كمال كيليشلد راولو، ممكنة بالرغم من الخلاف الأيديولوجي العميق بينه وبين حزب السلطة. والحرب البشعة التي أدارها أردوغان ضد عدوه. لكن يمكن أن يفضل أردوغان شريك صغير على الحزب الذي لديه 132 مقعدا في البرلمان، ويستطيع المطالبة بتنازلات أكثر.

تركيا التي تحولت في الأشهر الاخيرة إلى حليفة للسعودية وقطر في الحرب ضد داعش، تثير الآن اسئلة في هاتين الدولتين حول التزامها بالسياسة المشتركة. رؤساء أحزاب المعارضة في تركيا قالوا خلال الحملة الانتخابات إنهم لن يستمروا في سياسة دعم المنظمات الراديكالية في سوريا، بما فيها الإخوان المسلمين وجبهة النصرة. السعودية وقطر ترى هذه المنظمات على أنها مرساة ايجابية في الحرب ضد داعش في حربه ضد الأسد. إذا وضعت أحزاب الائتلاف الحجارة على رقبة هذه السياسة فإن تركيا ستفقد مكانها في الائتلاف العربي الجديد. وفي المقابل، السياسة الجديدة ضد المنظمات الراديكالية قد تُقرب تركيا من مصر، بعد أن قطعت مصر علاقاتها الرسمية معها في العامين الاخيرين بسبب تأييد أردوغان للإخوان المسلمين.

في ظل خيبة أمل السعودية من فقدان أردوغان لقوته، وهو الشريك السني، فإن إيران مرتاحة جدا. «هذا نتيجة اللعنة السورية التي ستطارد أردوغان والعثمانيين الجدد... الشعب التركي وقف ضد الطموح العثماني لأردوغان ودفنه الى الأبد»، كتب موقع «فارس» المقرب من حرس الثورة.

وهناك من تحدث عن وجود اتحاد الشماتة بين إسرائيل وإيران. من المبكر القول إن السياسة الخارجية لتركيا ستتغير، وكيف ستتأثر علاقاتها الإقليمية. الاهتمام الآن أكثر بتأثير الانتخابات على اقتصاد الدولة، والاستثمارات الاجنبية ومستقبل حزب العدالة والتنمية، الذي هبط من حزب أبدي قادر على كل شيء إلى حزب مصاب.