مع إعلان انتهاء فتح صناديق الاقتراع وفرز الأصوات وصدور النتائج غير الرسمية للانتخابات البرلمانية التركية، حصل حزب العدالة والتنمية على 40.8% من الأصوات، تقل عما حصل عليه في انتخابات 2011، حين حقق الحزب 49.83% من الأصوات، فيما حاز حزب الشعب الجمهوري (العلماني) على 25.1%، وحزب الحركة القومية على 16.4%، وحزب الشعوب الديمقراطي (الكردي) على 12.9%.

ووفقا لهذه النتائج يحصل حزب «العدالة والتنمية» على 258 مقعد في البرلمان، وحزب «الشعب الجمهوري» على 132 مقعد، وحزب «الحركة القومية» على 81 مقعد، وحزب «الشعوب الديمقراطي» على 79 مقعد.

ويري مراقبون أن عملية الشيطنة التي تعرض لها «أردوغان»، وحزب «العدالة والتنمية» على كل صعيد، مع تصاعد مسألة الهويات، تجعل النتيجة جيدة بالنسبة للحزب نسبيا رغم أن حصته من المقاعد تقلصت حوالي 9%.

وأغضب «أردوغان» العلمانيين في بلاده مرة أخري حين أعاد ترديد شعر قاله وهو عمدة لاسطنبول وتسبب في سجنه عبر الحكام العسكريين، وفيه يقول: «مساجدنا ثكناتنا.. قبابنا خوذاتنا.. مآذننا حرابنا.. والمصلون جنودنا.. هذا الجيش المقدس يحرس ديننا».

وبهذه النتائج وهذا الفوز تمكن حزب «العدالة والتنمية»، من الفوز بالمرتبة الأولى للمرة الرابعة على التوالي، في الانتخابات العامة بتركيا، حيث فاز منذ تأسيسه في 14 أغسطس/آب 2001 في 4 انتخابات عامة، في 2002، و2007، و2011، فضلا عن انتخابات العام الجاري 2015، كما فاز أيضا في ثلاثة انتخابات محلية، في أعوام 2004، و2009، و2014، إلى جانب فوزه بانتخابات الرئاسة التركية، العام الماضي.

حكومة إئتلافية

مع عدم حصول حزب «العدالة والتنمية» على عدد غير كاف من الأصوات للحصول على الأغلبية في البرلمان وهي 276 مقعد، لن يتمكن من تشكيل حكومة بمفرده، وبالتالي فإن الحكومة التركية التالية ستكون حكومة ائتلافية بين أحزاب أخري معه.

وبعدما أعلن زعيم حزب الشعوب الديمقراطي الكردي «صلاح الدين ديميرطاش» أن حزبه لن يشكل ائتلافا حكوميا مع حزب «العدالة والتنمية»، فإن هذا يترك المجال مفتوحا أمام سيناريوهات ثلاث لتشكيل الحكومة التركية المقبلة.

(السيناريو الأول): ائتلاف 258 عضو من حزب العدالة والتنمية مع 132 عضو من حزب الشعب الجمهوري، بمجموع 390 عضوا.

(السيناريو الثاني): ائتلاف 258 عضو من حزب العدالة والتنمية مع 81 عضو من حزب الحركة القومية، بمجموع 339 عضوا.

(السيناريو الثالث): ائتلاف 132 عضو من حزب الشعب الجمهوري مع 81 عضو من حزب الحركة القومية و79 عضو من حزب الشعوب الديمقراطي، في ائتلاف يضم 292 عضوا.

وقد رجح محللون (سيناريو رابع) هو حكومة ائتلافية بين حزب «أردوغان» وحزب الأكراد، يجري بموجبها الاتفاق على تعديل للدستور يقوّي موقع «أردوغان»، ويعترف بالمقابل بحقوق أكبر للأكراد.

ولكن قول «صلاح الدين ديمرطاش»، رئيس حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، أن «الانتخابات البرلمانية وضعت حدًا لمحاولات انتقال تركيا للنظام الرئاسي»، ربما يشير لرفضه تعديل الدستور للوصول إلي نظام رئاسي.

وفي حال فشل الأحزاب التركية في تشكيل حكومة ائتلافية، يمنح القانون التركي للرئيس «رجب طيب أردوغان» حق الدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة بعد 45 يوم من إعلان النتائج.

فوز بطعم الهزيمة

من جهته، علق «أحمد دواد ‫‏أوغلو» رئيس وزراء تركيا ورئيس حزب العدالة والتنمية على نتائج ‫‏الانتخابات قائلا: «إن قرار شعبنا هو الأعلى والنهائي، وينبغي على جميع الأطراف السياسية احترام هذا القرار، ومن شرفة حزب ‫‏العدالة والتنمية أقول إن قرار شعبنا العظيم، فوق كل شيء، وينبغي تنفيذه في كل الظروف».

وتابع: «‫‏العدالة والتنمية هو المنتصر والفائز الأول في هذه الانتخابات بدون أي شك، ويتوجب على الأحزاب الخاسرة ألا تظهر نفسها وكأنها منتصرة، وينبغي على الجميع أن يعيد حساباته».

ورغم تصريحات «‫‏أوغلو» التي أكد فيها أن حزبه هو المنتصر والفائز الأول إلا أن خبراء ومحللين وصفوا النتائج التي حققها حزب «العدالة والتنمية» بأنها فوز ولكن بطعم الهزيمة لأن الحزب الحاكم خرج من دائرة الحكم منفردا لأول مرة، بعد تراجع نسبة ما حققه من نتائج في الانتخابات البرلمانية.

وهو ما يعني أن حزب «العدالة والتنمية» التركي أصبح أمام خيارات صعبة تتراوح بين تشكيل حكومة أقلية ستكون تحت رحمة بقية الأحزاب، أو تشكيل ائتلاف مع أحزاب أخرى (الحركة القومية أو حزب الشعوب الديمقراطية الكردي)، وهو ما سوف يترتب عليه دفع أثمان سياسية باهظة وتقييد سياسة تركيا الخارجية، ما قد يعني دخول تركيا في مرحلة عدم استقرار سياسي، سينعكس على أدائها خارجياً في ملفات أساسية مثل سوريا.

وأطاحت النتائج أيضا بأحلام الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» المتعلقة بوضع دستور جديد يحول تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي.

ويرغب «أردوغان» الذي تولى رئاسة الوزراء من 2003 حتى 2014 قبل أن يصبح رئيسا، في أن يعزز سلطات الرئاسة التي كانت منصبا شرفيا حتى وصوله إليها إلا أن المعارضين يخشون أن يكون ذلك بداية عهد حكم الرجل الواحد، حيث من المرجح أن يسعى «أردوغان» إلى انتخابه مرة ثانية ليبقى في السلطة حتى 2024.

خلط المشهد الاقليمي

ويري خبراء أن عدم فوز حزب «أردوغان» بالأغلبية وتشكيله الحكومة وحده، سوف يكون له تداعيات إقليمية أخري في ظل التضارب المحتمل في السياسة الخارجية بين حزب العدالة وأي حزب أخر يشاركه الحكومة، ما قد يؤثر على المشهد الإقليمي والدور التركي في سوريا والمنطقة.

وأكد الأكاديمي الموريتاني «محمد المختار الشنقيطي» أن الانتخابات التركية ستزيد من المشهد الإقليمي تعقيدًا على تعقيد، وقال فى تغريدة على تويتر: «هي تضع تركيا على مفترق طريق سياسي واجتماعي جديد».

وتساءل: «هل تراجع حزب العدالة والتنمية راجع إلى غياب كاريزما أردوغان، أم راجع إلى حضوره الطاغي الذي أصرّ على البقاء في السلطة وتغيير الدستور؟»، وأضاف: «يبدو لي أن السبب هو غياب أردوغان، لأن الضربة القاضية للحزب كانت في مدينة أردوغان اسطنبول، التي تراجع دعمها للحزب بشكل لافت».

ولكنه رجح أيضا أن «يكون انتقال الأكراد من حزب أردوغان إلى الحزب الكردي أضر بحزب أردوغان، إذ توجد كتلة بشرية كردية في اسطنبول أكثر منها في أي مدينة أخرى»، ومع هذا اعتبر «صعود الحزب الكردي قد يضر أردوغان على المدى القريب، لكنه مفيد لتركيا على المدى البعيد، إذ لا مستقبل لتركيا دون اندماج الأكراد ضمن نسيجها».

وكان الكاتب السعودي «جمال خاشقجي» قد قال إن نتيجة الانتخابات البرلمانية التركية «سيترتب عليها أحداث إقليمية هامة»، في إشارة لتأثيرها علي السياسة الخارجية التركية، ومن ثم الوضع الاقليمي والقضايا الساخنة مثل سوريا، والتحالف مع السعودية ضد ايران، وغيرها.

كما توقعت صحيفة «تليجراف» البريطانية أول أمس السبت، أن الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» سيواجه أول انتكاسة سياسية له بعد عقد من الهيمنة على سياسات البلاد، حيث تعتمد خططه لكسب المزيد من الصلاحيات لنفسه على الانتخابات البرلمانية. بحسب الصحيفة.

إذ أن فشل «أردوغان» وحزبه في الفوز بأغلبية ساحقة في الانتخابات البرلمانية، معناه أن يفشل «أردوغان» أيضا في تنفيذ التعديلات الدستورية التي يريد من خلالها ترسيخ سلطته أو يعطي نفسه صلاحيات رئاسية أكبر، ويؤثر علي سياسته الخارجية.

 

اقرأ أيضاً

تركيا والانتخابات الحرجة

هل النظام الانتخابي في تركيا حقا هو «الأكثر ظلما» في العالم؟

الانتخابات البرلمانية التركية واستحقاقاتها المستقبلية

الانتخابات البرلمانية التركية: المعركة تدور حول الدستور

الإسلام يتصدر الحملة الانتخابية بتركيا في أسبوعها الأخير

القدس العربي: الانتخابات التركية درس كبير للأتراك والعرب

زعيم حزب الأكراد: «الدولة الإسلامية» وراء تفجير ديار بكر جنوب تركيا

«ذا ديلي بيست»: سياسة تركيا تجاه سوريا لن تتغير بعد نتائج الانتخابات الأخيرة

إيران وحماس تهنئان تركيا بنجاح الانتخابات التشريعية

النساء والأقليات الدينية والعرقية تغير وجه البرلمان التركي

«أردوغان» يتهم الغرب بدعم «جماعات كردية إرهابية» في سوريا

«أردوغان» يسجل هدفا في مرماه

تداعيات عربية للانتخابات التركية

رئيس بحجم طبيعي

«الشعب الجمهوري»: يجب أن تتولى أحزاب المعارضة تشكيل حكومة تركيا الجديدة

مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي: نتائج الانتخابات التُركية لن تحسن علاقات أنقرة بتل أبيب

«أردوغان» خسر معركة لكن لم يخسر الحرب!

«أردوغان» يحذر من تأخير تشكيل الحكومة