الخميس 18 يونيو 2015 10:06 ص

ما زال الخبراء وصنّاع القرار في إسرائيل يُحاولون سبر تداعيات نتائج الانتخابات التركيّة، وتأثيرها على إسرائيل، كما أنّ مراكز الأبحاث الإستراتيجيّة تعكف على نشر دراسات جديدة عن الوضع الذي آلت إليه تركيّا، بعد فشل حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس التركيّ، «رجب طيّب أردوغان» في الحصول على أغلبية ساحقة تسمح له بتشكيل حكومة، دون الحاجة إلى الائتلاف مع أحزابٍ أخرى.

وفي هذا السياق، قالت دراسةً جديدةً أصدرها مركز أبحاث الأمن القوميّ الإسرائيليّ، التابع لجامعة تل أبيب، جاء فيها أنّه قياسًا على انتخابات تركية سابقة، لم تذكر إسرائيل بصورة موسعة، ولا يجب اعتبار ذلك أنّه نتيجة لتهدئة في التوتر بين الدولتين، وإنمّا على الأرجح لأنّ القيمة الإضافية التي أكّدتها إسرائيل فُهمت هذه المرة على أنّها محدودة، على حدّ تعبيرها.

وقالت الباحثة غاليه ليندنشتراوس، إنّه بشكل عام التأييد للفلسطينيين يعتبر أمرًا يحظى بإجماع يفوق كل تصور، على سبيل المثال الرئيس المشترك للحزب الكردي دميرتاش قال أثناء عملية (الجرف الصامد) في غزة في معرض انتقاده بشدة لأردوغان: كفاك صراخًا، إذا كنتم تريدون تقديم المساعدة للشعب الفلسطيني، كفاك خداعًا للشعب، تعال لنوقف جميعنا المذبحة الإسرائيلية من خلال مقاطعة جدية.

علاوة على ذلك، أوضحت الدراسة أنّه وخلال العملية خرجت جميع الأحزاب بتصريح مشترك يستنكر الهجمات ضد المدنيين ويدعو  إلى الوقف الفوري للعملية، رئيس حزب الـ (MHP) دولت باخجلي تطرق في الماضي إلى الاعتذار الإسرائيلي لتركيا بشأن سيطرة الأخيرة على "مافي مرمرة" بقوله أنّه يجب تفسير ذلك  كجزء من المحاولات الإسرائيلية للدفع باتجاه إقامة دولة كردية، الأمر الذي يعارضه هو بشدة.

وحسب رأيه، فإنّ هذه المحاولات يراد منها تأمين المصالح الأمنية الإسرائيلية، وعلى النقيض من ذلك نائب رئيس حزب الـ (MHP) ترول توركت، والذي عبّر عن موقفه في تشرين الأوّل (أكتوبر) من العام 2014 فقال إنّ تركيا يجب أنْ تعيد سفراءها إلى تل أبيب والقاهرة، على حدّ تعبيره.

وتابعت الدراسة قائلةً إنّه من المفترض أنْ يعتبر ظهور الموضوع الإسرائيليّ قبيل موعد الانتخابات هو السبيل لتسليط الضوء على القدس، والذي يُقسم قادة حزب العدالة والتنمية بأنّه سيأتي يوم يحتلونها فيه، لافتةً إلى أنّ التركيز على المكون الدينيّ كان سبيلًا آخر لإبراز خاصية الحزب الدينية، وفي محاولة الحفاظ على تأييد الناخبين الأكراد الأقحاح (المحاولة التي أثبتت فشلها على الأغلب)، أهمية العملية كانت جزءًا من جهود إبقاء الحزب الكرديّ تحت نسبة الحسم.

ورأت الدراسة أنّه من وجهة نظر إسرائيليّة فإنّ الخطاب بشأن القدس مقلق لأن تأثيره يتجاوز حدّ التوترات بين الدولتين، وحتى أبعد من القضية الإسرائيلية الفلسطينية، فمن شأنه أنْ يُستخدم  كنقطة تشتيت أخرى تستخدم من قبل الجهات المعنية في تعميق الفجوة بين إسرائيل والعالم الإسلاميّ، حسبما ذكرت.

ولفتت الدراسة أيضًا إلى أنّه يجب أنْ ننتبه إلى أنّ جزءًا من الخطاب الذي مفاده إنْ لم تكن معنا فأنت علينا، الذي اعتمده حزب العدالة والتنمية خلال الحملة التي أجراها الحزب، وضع علامة واضحة على إسرائيل بأنها تدعم من يعارضون الحزب، وجند لهذا الغرض خصيصًا الحوار حول الدولة الموازية والذي يرمز إلى أنّ حركة فتح الله غولن الدينية (والتي كانت في الماضي حليفة للحزب، وقد أصبحت منذ فترة خصمًا له) ومؤيديها الذين يشغلون مناصب دينية في الخدمات الشعبية، يحاولون تقويض سلطة حزب العدالة والتنمية، والذين معهم جهات خارجية انضمت إليهم يغبطون تركيا على مكانتها المتقدمة في المجتمع الدولي، ومن بينهم إسرائيل واليهود الذين يتعاونون مع الحركة، مُشيرة في السياق عينه إلى أنّ الرئيس التركيّ أردوغان زعم في انتقاده الموجه لصحيفة “نيويورك تايمز″ الأمريكيّة بأنّ أموالًا يهودية من وراء الصحيفة.

بالإضافة إلى ذلك، قالت الدراسة الإسرائيليّة، إنّه لا ينبغي استبعاد إمكانية إعادة السفراء إلى أنقرة وتل أبيب عند نقطة معينة في فترة حكم الحكومة الجديدة في تركيا، ولا يجب أنْ نتوقع تحسنًا حقيقيًا في العلاقات بين تركيا وإسرائيل في المستقبل المنظور، فبينما تزعزعت العلاقات المتوترة أصلًا في أعقاب سلطة حزب العدالة الطويلة الأمد بسبب الخطاب الأردوغاني، ولكن هناك عدد من المشاكل الأساسية سوى ذلك، وعلى رأسها تأثير التطورات السلبية بين إسرائيل والفلسطينيين، وعلى وجه الخصوص تعتبر غزة وحكم حماس نقطة خلاف مركزية بين الدولتين.

وخلُصت الدراسة الإسرائيليّة إلى القول إنّه ربمّا يمكن للاعتراف المتنامي من جانب إسرائيل بالحاجة العاجلة لحث جهود إعمار غزة أنْ تنفس جزءًا من التوتر بين إسرائيل وتركيا، على الأقل حول هذه النقطة، حسبما أكّدت. من ناحيته، رأى مُحلل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة (هآرتس) د. تسفي برئيل، أنّ حلم أردوغان بالحصول على 330 مقعدًا، الأمر الذي يسمح له بتغيير الدستور بشكلٍ يسمح له صلاحيات عملياتيّة واسعة قد تحطّم.

ولفت إلى أنّ هذا الفشل هو فشل شخصيّ لأردوغان، الذي خاض الانتخابات على منح الثقة المطلقة له من الشعب التركيّ، كما أن النتائج أفشلت أحلام أردوغان لانتهاج السياسة الداخليّة والخارجيّة كما يُريد. وقال المُحلل أيضًا إنّه للمرّة الأولى يُدّمر الاعتقاد بأنّه لا يُمكن الانتصار على حزب العدالة والتنمية، وكذلك فإنّ أردوغان بعد هذه الانتخابات لن يكون الرجل الذي لا يُقهر.

ولاحظ أنّ نتائج الانتخابات، ستُحوّل الرئيس التركيّ من رئيس قادر على فعل كلّ شيء إلى زعيمٍ يُناضل من أجل الحفاظ على البنية السياسيّة التي أقامها، ولفت إلى أنّ الصعوبة الأولى التي سيُواجهها أردوغان تتمثل في كيفية تشكيل الحكومة التركيّة القادمة، والتي ستؤلّف من دون أنْ تكون عرضةً لتهديدات حجب الثقة عنها بشكلٍ كبيرٍ.

وبرأيه فإنّ السيناريو الأسوأ الذي قد يخرج إلى حيّز التنفيذ هو العودة إلى الائتلافات التي كانت قبل العام 2002، وهذه الائتلافات التي لم تتمكّن من فعل أيّ شيء، وسببت في عدم الاستقرار السياسيّ في تركيّا.