الخميس 11 يوليو 2019 04:35 م

السجون في مصر ومنطق العقاب

السجن في مصر لا يتصل بوظيفة الدولة الأخلاقية ولا دورها في الضبط والرقابة.

لا تكون العزلة الانفرادية وسيلة للتأديب بل لإلحاق "الجنون" بالضحايا وقتلهم بمعزل عن رفاق الأسر!

في مصر، السجن وسيلة لإنتاج "جريمة" تصنعها الدولة في الوعي الجمعي وتلحق بها عموم المواطنين.

الهدف ليس تأديبًا فحسب بل التزام المحكومين "خارج الأسوار".. "بقوانين الطوارئ ومنع التجوال والتجمع في المساحات العامة"!

*     *     *

ارتفعت أخيرا أصوات الاحتجاج على أوضاع المسجونين في "أفران" النظام المصري.. حبس انفرادي، عزلة تامة، منع من التريّض، حرمان من العلاج والرعاية الطبية حتى في حالات الطوارئ، حرمان من زيارة الأهل، تعذيب بالكهرباء، بالمنع من الماء، باحتجاز زاد الزيارات، وغيرها من أدوات "التنكيل"..

يصف كثيرون ما يحدث "اقتل بطيئا" بحق ستين ألفًا من سجناء الهوية، والفكر، والشعور. لكن السلطة لا تهدف إلى قتلهم فحسب، بل لتخليق صورة "المجرم " في وعي المحكومين، للتمثيل بهم، وتصوير "الجريمة" المفترضة التي تتعدّى حدود الفعل البشري..

وتبرّر انتهاك حياة الملايين، وتتيح، ولو نظريا، تجاوز قيود "الحرب على الإرهاب"، كونها في الحقيقة "حربًا على الحرية"، على "الوعي الإنساني" وعلي الأفراد، بعدما أصبح المحكومون "أفرادًا" فكّكت السلطة كل حواضن الانتماء التي حمتهم سابقًا.

في مصر، السجن وسيلة لإنتاج "الجريمة" التي تصنعها الدولة في الوعي الجمعي، وتلحق بها عموم المواطنين، لكي تلاحقهم تداعيات "الوصم" على الصعيدين، الفردي والجماعي، سواء بسواء، ولكي تمتد عقوبة "الحرمان من الحرية" خارج الأسوار لكامل حياة المحكومين، وهذا ما لا تتناوله تقارير حقوق السجناء.

ليس مفهوم السجن في مصر هو "السيطرة على الحياة اليومية للمسجونين لتعديل سلوكهم"، كما تشير دراسةٌ في معرض تفكيك مؤسسة العقاب، وليس الهدف منه المساواة في العقوبة بين المواطنين بحرمانهم من الحرية، كما تقول مدارس التنوير، ولا "تبكيت" الفرد على معدلات الدخل والإنتاج التي كان يحققها قبل "الجريمة"، كما تقول المدرسة الرأسمالية.

السجن في مصر لا يتصل بوظيفة الدولة الأخلاقية، ولا دورها في الضبط والرقابة، وظيفته الوحيدة هي تخليق هذا "المجرم الاستثنائي" في وعي المحكومين، المجرم الذي لا تفيد معه أدوات الضبط المعتادة، كالحجز في الإصلاحيات والسجون الاعتيادية..

بل يستلزم "عقابًا استثنائيا"، يتيح للسلطة خرق كل الأعراف، والعودة إلى نماذج التعذيب في العصور الوسطى التي كان الجُرم، أي مجرد التفكير في رأي مخالف، سببا كافيًا لإيقاع أشد درجات الإيلاميْن، البدني والنفسي.

وهنا لا تكون العزلة الانفرادية وسيلة للتأديب، بل لإلحاق "الجنون" بالضحايا، وقتلهم، بمعزل عن رفاق الأسر. ولا يكفي العمل الإنتاجي للمجّندين، إجباريًا، في مؤسسة الجيش، عقابًا لجريمة "الحياة" في مصر، بل يكون السجن أداة العقاب لمن لا تقرّر السلطة تصفيتهم خارج إطار القانون، أو لا تحتاجهم في الأعمال الإنتاجية الخاصة بها، بعبارة أخرى، بمن تقرّر السلطة "التمثيل" بهم، واستعمالهم "مواد خاماً" لصناعة منظومة الخوف والقمع.

هذا ما يفسر انتقاء أفضل الرموز والناشطين للاعتقال، عمر الشنيطي الباحث ورجل الأعمال الناجح الذي اجتذب ملايين الاستثمارات، بمشروعات متميزة وتقديرات متزنة لا يفارقها الصواب غالب الأحوال.

زياد العليمي، البرلماني السابق والمحامي الذي يتفق على مصداقيته ناشطون من جميع الأطياف، وغيرهما من مسارات فكرية ومهنية مختلفة، يكاد يستحيل اتفاقها في أي جرم سوى "الأمل".

الهدف ليس التأديب فحسب، بل التزام المحكومين "خارج الأسوار" بالحيز المكاني "بقوانين الطوارئ ومنع التجوال والتجمع في المساحات العامة"، والحيّز المتصور للأفكار والمشاعر والتصرفات التي لا تقع في إطار "الجريمة".

بمعنى آخر، الهدف أن يتلفت المحكومون كل لحظة لـ "التبرع" بـ"ضبط" المجرم الاستثنائي، أو "إثبات" براءتهم، قبل أن يقعوا واحدًا تلو الآخر في التصنيف نفسه.

وحتى حينها، لا تتغير صورة المحكومين لدى النظام المصري كونهم "مجرمين" مسبقًا، قبل أن يولدوا، وكونهم سجناء محتملين ومواد تصلح لـ"التمثيل بها"، بحيث تصير أقصى أمنياتهم أن يحصل ذووهم على العلاج داخل السجون، أو رؤيتهم مرة كل عام أو عامين، أو ألّا يقعوا أنفسهم في الأسر بتهمة مماثلة، أو أن يدفنوا قتلاهم سريعًا قبل أن يتحللوا في المشارح، وعلى هذا يدور مدار الحديث عن "حقوق الإنسان".

وليس الحل هنا قاصرًا على المطالبة بالتعامل آدميًا مع السجناء، بل بسحب المكاسب التي تحققها السلطة باعتقالهم، بإرغامها على السماح لأصوات السجناء الأسرى، والمحتملين التي تبرز "بشريتهم"، وتنقض صورة "الاستثناء" التي جعلتها السلطة الأساس في الأذهان والأسماء، لتبرير أدوات السحق والتمثيل بالأفراد، وليس إصلاح جرمهم، إن كانوا حقًا مجرمين بأي حال، أو حتى عقابهم بشكل اعتيادي.

* سناء البنا كاتبة مصرية وباحثة في الاجتماع السياسي

مصر، السجن، وظيفة الدولة الأخلاقية، حقوق الإنسان، زياد العليمي، العزلة الانفرادية، الرأسمالية، الطوارئ، الأسوار،

المصدر | العربي الجديد