الخميس 18 يوليو 2019 04:03 م

الاقتصاد الأردني... هل يتحسّن فعلاً؟

الحكومة في الأردن تمر بمرحلة تغيّر واضحة في نماذج الأعمال في أسواقها.

يتمتع الأردن باستقرار نقدي، فأرباح المصارف جيدة، والسيولة المتاحة فيها مقنعة، وكذلك كل النسب المصرفية.

سيمتنع الناس عن الإنتاج أو يبحثون عن وسائل لتجنب الضرائب إن وصلت حدودا غير معقولة.

هناك توسع في استخدام العمالة بقطاعات غير رسمية ونمو الاقتصاد غير الرسمي البعيد عن نظر الحكومة وضرائبها.

لماذا ازدادت مديونية الحكومة رغم رفع نسب الضرائب ورسوم عقارية وجمركية وقضائية وطوابع البريد؟

*     *     *

تصريحات رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز ووزير المالية عزالدين كوناكرية تقول إن الاقتصاد الأردني بدأ يدخل مرحلة التعافي، بعد صراع طويل مع المرض والضغوط الخارجية والتقلبات السياسية ونقص المساعدات، وزيادة العجز الحكومي، وارتفاع البطالة ونسب الفقر. وتؤكد الحكومة أن هنالك مؤشرات إيجابية تمنح الدفء في أوصال الاقتصاد الباردة، وتضخ الدم في عروقه الضيقة.

ومن الأمثلة المؤكّدة، بلغة الأرقام، تحسن الصادرات خلال عام 2018 بنسبة 3.6%، واستمرار تلك الزيادة في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2019 بنسبة تصل إلى 7% مقارنة بالأشهر النظيرة من العام الماضي.

ووفقاً لإحصاءات غرفة صناعة عمان، فإن صادراتها زادت في الثلث الأول من عام 2018 بنسبة 9% عن الفترة المقابلة من عام 2017. وإذا استمر هذا النمو، فإن الصادرات الأردنية سوف تقارب تسعة مليارات دولار خلال عام 2019، علما أنها كانت 7.5 مليارات دولار عام 2017.

وحصلت أيضاً زيادة ملحوظة على أرباح الشركات المساهمة العامة. وقد حققت أكثر من 115 شركة مساهمة عامة أرباحاً عام 2018 بموجب أرقام سوق عمان المالي، وقلّت خسائر شركات (78 شركة مساهمة عامة) بمقدار 50 مليون دينار. ولذلك حصل تحسن هذه الشركات المساهمة العامة بمقدار يفوق مائة مليون دينار عما كانت عليه خلال 2017.

وحيث إن التحسن أصاب الشركات الكبرى، وخصوصا الفوسفات التي حققت ربحاً قدره 50 مليون دينار في عام 2018 مقابل خسارة 50 مليوناً عام 2017، وشركات البوتاس التي زادت أرباحها بمقدار 55 مليون دينار خلال عام 2018.

لكن الرقم الأهم هو البنك العربي الذي وزع على المساهمين نسبة عالية من الأرباح (40%)، بعدما حققت أرباحه الإجمالية نسبة 54% بسبب فوزه في القضية المرفوعة ضده في المحكمة العليا الأميركية، ما مكّنه من إلغاء المخصصات التي وضعت جانباً تحسّباً لخسارة القضية.

المؤشر الثالث هو زيادة أعداد السياح العرب والأجانب إلى الأردن عام 2018، واستمرار هذا النمو خلال النصف الأول من عام 2019. وقد بلغ الدخل الصافي من السياحة خلال عام 2018 أكثر من خمسة مليارات دولار، مقابل 4.6 مليارات دولار عام 2017، أو بزيادة نسبتها 8% بحسب أرقام النشرة الإحصائية للبنك المركزي. وهنالك تقديرات أن الدخل السياحي عام 2019 سيرتفع بنسبة 12%.

وبالطبع، يتمتع الأردن باستقرار نقدي، فأرباح المصارف جيدة، والسيولة المتاحة فيها مقنعة، وكذلك كل النسب المصرفية، مثل نسبة المديونية إلى رأس المال أو إلى الودائع، ونسبة السيولة، وغيرها. وتحقق البنوك أرباحاً جيدة بالنسبة لحساب رأس المال لديها.

أمام هذه الحقائق، يتساءل المواطن الأردني، ولماذا إذاً ازدادت مديونية الحكومة بالأرقام المطلقة، حيث بلغت 29 مليار دينار أردني، أو 40.5 مليار دولار أميركي، علماً أن قانون ضريبة الدخل الجديد، والذي أثار زوبعة كبيرة في الشارع الأردني، قد رفع النسب الضريبية على شرائح الدخل والأرباح العليا والمتوسطة، وزادت نسب الرسوم العقارية والجمركية والقضائية والطوابع البريدية؟

ووفقاً للأرقام المتاحة عن الأشهر الخمسة الأولى من عام 2019، تراجع دخل الحكومة بمقدار يزيد عن 400 مليون دينار عما هو مقدّر في قانون الموازنة العامة. ويطمئن وزير المالية الشعب الأردني بأن السبب هو تراجع معدل النمو إلى 1.9% خلال الفترة نفسها، بدلاً من 2.0%، ويؤكد أن مساعدات دعم الخزينة، والبالغة حوالي 600 مليون دينار، ستصل إلى حساب الخزينة في شهر ديسمبر/ كانون الأول أو نهاية السنة المالية، ما سيخفض من نسبة المديونية، ويمكّن الحكومة من سداد التزاماتها.

كما يؤكد الوزير أن منحة البنك الدولي التي ستصل خلال العام بعد إقرارها من أصحاب القرار في البنك ستقلل من عبء الدين العام، لأن الحكومة سوف تستخدم هذا القرض السهل بفوائده وطول مدته (أكثر من 30 عاماً) لتسديد ديون أكثر كلفة وأقصر أمداً.

ولكن الحكومة في الأردن، كما في معظم الدول، ومعظم الدول العربية، تمر بمرحلة تغيّر واضحة في نماذج الأعمال في أسواقها، فالتغير التكنولوجي سمح لمستخدم التلفون الذكي بإجراء اتصالات هاتفية دولية، متجاوزاً خدمات شركات الاتصالات، وبدون رسوم وضرائب حكومية.

وهذا يفت في عضُد الموازنة من حيث الضرائب على أرباح شركات الاتصالات، ومن حيث الرسوم الحكومية على تلك المكالمات.

ولذلك، فإن شركات الاتصالات مضطرة لتغيير نمط خدماتها وأسلوب عملها لتحسّن أرباحها بعوائد أقل للحكومة والخزينة. وكذلك، فإن المطاعم المتزايدة في الأردن، تشهد بطئاً في نموها، أو تراجعاً في حجم مبيعاتها، بسبب ارتفاع كلفها وأسعارها، وارتفاع نسبة ضريبة المبيعات ورسم الخدمات، ما أغرى نساء كثيرات عاطلات عن العمل ببيع الطعام المطبوخ في البيوت.

ولم يقتصر الأمر على الطعام، بل امتد إلى تجارة الملابس في البيوت، وصناعة المقبلات والمكابيس، وتوضيب الخضار والفواكه ومساعدة ربات البيوت العاملات في سرعة إعداد الطعام المنزلي.

وهنالك أيضاً تجارة البسطات في الشوارع، للخضار والفواكه، والقهوة والشاي، والعصائر، وغيرها مما لا تطاله الضرائب والرسوم الحكومية. وكذلك جرى توسع في استخدام العمالة في القطاعات غير الرسمية، ونما الاقتصاد غير الرسمي البعيد عن نظر الحكومة وضرائبها.

وهنالك أمثلة كثيرة على هذا التغيير في نمط الأعمال، تطبيقا لما أكده ابن خلدون، أن الناس ستمتنع عن الإنتاج، أو ستَجِدّ في البحث عن وسائل للتجنب الضريبي، إن وصلت هذه الضرائب حدودا غير معقولة.

ويملي المنطق ألا تزيد الحكومة من تشديدها على المكلفين، لأن هذا سيقلل من أعدادهم، ويبقي عبء التشدد على من يطيعون القانون ويتقيدون به. ولكن الناس بذكائهم سيبتكرون وسائل للتجنب والتهرب الضريبي.

آن للأردنيين أن يراقبوا التطورات في نمط الأعمال وأساليبها في وطنهم، خصوصا وأن التجارة الإلكترونية ستصبح قريباً النمط السائد في التجارة الدولية.

* د. جواد العناني خبير اقتصادي، نائب رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي الأردني الأسبق.

المصدر | العربي الجديد