الاثنين 22 يوليو 2019 05:10 م

حرب الناقلات و «الدرونات»

الهدف من «التعرض الخشن» إيرانياً وتشديد العقوبات على أمريكياً مسعى جاد من الطرفين، لإنضاج الوساطة وحفز الوسطاء.

يبدو أن ما يجري بين أمريكا وإيران ضربٌ من «التفاوض بالنار» ومآلات حرب «الناقلات» و«الدرونات» ستكون حلاً سياسيا.

قوى إقليمية صاعدة مصممة على احترام سيادتها وحفظ مصالحها بصرف النظر عن أساليبها وسياساتها.. إيران ليست وحدها فتركيا كذلك.

*     *     *

رفعت إيران قفاز التحدي في وجه الولايات المتحدة وحلفائها. أسقطت الطائرة الأمريكية من دون طيار، وضربت الناقلات في الفجيرة وعرض البحر، وألقت القبض على ناقلتين بريطانيتين أو ترفعان العلم البريطاني (أفرجت عن واحدة).

ونفت بشدة أن تكون أي من طائراتها المسيّرة قد أسقطت بالنيران الأمريكية، بل وسخرت من واشنطن بالقول إن الطائرة المقصودة أمريكية أسقطت بنيران أمريكية. وقبل هذا وذاك، إيران تعتمد تكتيك «التعرض الخشن» للولايات المتحدة وحلفائها في الخليج.

وتدفع بالأمور إلى «حافة الهاوية»، وهي لعبة طالما أتقنتها طهران ولجأت إليها، بل ويمكن القول إنها «تكتيك تفاوضي» إيراني قديم – جديد، يستهدف تخفيف الضغوط وتعظيم المكاسب.

تستطيع الولايات المتحدة، كما فعل رئيسها معاودة تكرار الاتهامات لطهران بزعزعة أمن المنطقة واستقرارها. وتستطيع بريطانيا أن تظهر بثوب «الضحية» التي تعرض لاعتداء غادر من دون سبب.

لكن لإيران أسباب عديدة لاعتماد تكتيك «التعرض الخشن»، فواشنطن لم تبق لها من خيار سوى الموت اختناقاً بالعقوبات الاقتصادية غير المسبوقة، وهذه بحد ذاتها تعتبر «إعلان حرب على إيران».

وبريطانيا التي ابتعدت عن الاتحاد الأوروبي واقتربت من واشنطن، و«تطوعت» لاحتجاز الناقلة الإيرانية في جبل طارق، وهي البادئ في التحرش بإيران والاعتداء عليها، وهي لا تستطيع اتباع خطى ترامب وإدارته من جهة، وتفادي التبعات والعواقب في الوقت ذاته، من جهة ثانية.

أبعد من ذلك، فإن مسعى واشنطن المدعوم بريطانياً لـ«تدويل» أمن الملاحة في الخليج والمضيق، وبهدف تجريد إيران من إحدى أهم أوراقها، قبل التوصل لاتفاق معها، ومن دون التوصل لهذا الاتفاق، تنظر إليه طهران بوصفه حلقة متقدمة في مسلسل العدوان عليها..

لندن لم تكتف بالإعلان عن رغبتها في المشاركة في هذه «القوة الدولية»، بل أرسلت أربع سفن حربية إلى المنطقة، وهي سبق لها أن أعلنت بأنها لن تتخلف عن حرب أمريكية محتملة ضد إيران. هنا يحق لنا السؤال: من الذي بدأ بالعدوان على الآخر؟

بين الدخول في حرب لا تبقي ولا تذر، يكتوي بنيرانها خصوم إيران وأصدقاؤها والإيرانيون أنفسهم في المقام الأول، وبين الموت جوعا واختناقا بالحصار والعقوبات، ستفضل طهران «خيار شمشون»!

طهران لا تريد الحرب، وهي تخشاها، بيد أنها لن تقبل بخيار الموت البطيء الذي يضع مستقبل ثمانين مليون إيراني تحت رحمة الحسابات الأمريكية، المصممة أساساً بهدي من مصالح إسرائيل وأولوياتها.

ومن يظن أن طهران سترفع الراية البيضاء، كما اعتادت دول عديدة من هذه المنطقة أن تفعل، فهو مخطئ تماماً، فثمة قوى إقليمية صاعدة، تبدو مصممة على احترام سيادتها وحفظ مصالحها بصرف النظر عن أساليبها وسياساتها المثيرة للجدل والخلاف. إيران ليست وحدها من ضمن هذه الفئة، تركيا كذلك تفعل شيئاً مماثلاً.

ما زال خيار المواجهة العسكرية الشاملة مستبعدا، وردود الفعل البريطانية والأمريكية على احتجاز الناقلتين أمس الأول، عززت هذه القناعة لدينا ولم تقلل من شأنها.

لكن يرجح أن يكون الهدف من اللجوء إلى تكتيك «التعرض الخشن» إيرانياً، وتشديد العقوبات على إيران أمريكياً، هو مسعى جاد من الطرفين، لإنضاج شروط الوساطة وحفز الوسطاء.

يبدو أن ما يجري هو ضربٌ من «التفاوض بالنار»، وأن مآلات حرب «الناقلات» و«الدرونات» ستكون حلاً سياسياً، يسعى كل فريق جاهدا في جعله مواتياً له ومنسجماً مع مصالحه، إلى أن يأتي الوسطاء بصفقة يمكن إدراجها في عداد «معادلة رابح – رابح»، مثلما حصل في فيينا قبل أربع سنوات.

* عريب الرنتاوي كاتب صحفي اردني

المصدر | الدستور الأردنية