الجمعة 26 يوليو 2019 09:27 م

من الصعب أن نتخيل ما كان يدور في ذهن رجل الأعمال اللبناني الأمريكي "جورج نادر" عندما مر على الجمارك في مطار "جون كنيدي"، في 3 يونيو/حزيران من هذا العام، مع 3 هواتف محمولة تحتوي على مواد إباحية عن الأطفال، حين تم اعتقاله من قبل مسؤولي مكتب التحقيقات الفدرالي بصحبة مقاطع فيديو شنيعة تبين معاناة القصر.

ربما كانت الحصانة من المقاضاة عاملا رئيسا دفعه إلى القيام بذلك، وهو ما يبدو للوهلة الأولى مغامرة سخيفة محفوفة بالمخاطر، بالنظر إلى أنه يتمتع بسجل لا يخلو من مثل هذه الجرائم البغيضة. وبالطبع، كان لديه سجل حافل من التهرب من الاتهامات عن طريق إبرام صفقات مع المدعين الاتحاديين، والاعتماد على الأصدقاء في المناصب العليا، لإنقاذه.

ويعد "نادر" الرجل المناسب لقادة الشرق الأوسط والمستبدين ووكالات الاستخبارات لإصلاح مشاكلهم مع الغرب، كونه رجل الفساد والصفقات القذرة والابتزاز.

وفي عالم الاعتداء الجنسي على الأطفال، يعتبر الابتزاز هو العملة الدائمة التي تبقي المتورطين بعيدا عن أعين السلطات. وهذا بالضبط السيناريو الذي يعمل من خلاله الوحوش في صورة بشر أمثال "نادر"، المدمن على استغلال الأطفال، والذي تغلغل مؤخرا في العائلة المالكة لدولة الإمارات العربية المتحدة، من خلال دوره الاستشاري الفريد من نوعه، باعتباره الوسيط الأول والأبرز بين واشنطن والعالم العربي.

وتكمن الإجابة عن الكيفية التي من خلالها قد ينقذ "نادر" نفسه مرة أخرى في صلاته وأدواره في الإمارات، وهي دولة متناقضة ينظر إليها الكثيرون في الغرب خطئا كدولة عربية حديثة تستوعب الجميع، على النقيض من المملكة العربية السعودية التي تحكمها النخبة، وليس لديها أي ادعاء بأي مظهر من الحداثة والحرية.

في خدمة الإمارات

ولد "نادر" في بلدة مسيحية شمال لبنان تدعى "البترون"، وكان محظوظا بما يكفي للانتقال إلى الولايات المتحدة قبل بدء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975. ووفقا لأحد التقارير، كان يريد دائما أن يكون صحفيا. وفي عام 1980، بدأ مجلته الخاصة، على الرغم من أنه لم يظهر احترافا كبيرا. وكان دور المجلة في الأساس هو تقديم "نادر" إلى دائرة واشنطن العاصمة كشخص مهم فيما يتعلق بالمسائل المتعلقة بالعالم العربي، وهذا في النهاية هو ما صنع علاقته مع ولي عهد أبوظبي.

أصبح "نادر" مستشارا كبيرا لـ"محمد بن زايد"، وهو حاكم له ثقله في المنطقة وفي العاصمة الأمريكية. وبمجرد وصول الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" إلى المكتب البيضاوي، كان "بن زايد" حريصا على استغلال قدرة "نادر" على تقريب الروس من "ترامب"، واتصالاته مع (إسرائيل)، و"حزب الله"، وحتى إيران، الأمر الذي ساعد الإمارات في التلاعب بالسياسة الإقليمية الأمريكية، وكان "نادر" هو حلقة الوصل حيث تولى توزيع الدفعات النقدية.

وبعد كل شيء، لدى "نادر" سجل حافل في الربط بين الأشخاص الأقوياء والمستبدين حول العالم. وفي ديسمبر/كانون الأول 2016 بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، قدم "نادر"، "كيريل ديميتريف"، الذي يدير صندوق الثروة السيادية الروسي، إلى المسؤولين الذين يعملون كمستشارين للرئيس القادم آنذاك "دونالد ترامب".

وفي وقت لاحق من شهر يناير/كانون الثاني 2017، رتب "نادر" أيضا اجتماعا في "سيشيل" بين "ديميتريف"، المقرب من "بوتين"، و"إريك برنس" حليف "ترامب"، ورئيس شركة المرتزقة "بلاك ووتر" وشقيق وزيرة التعليم "بيتسي ديفوس"، وفقا لتقرير "مولر" المطول حول التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية لعام 2016. وكان "بن زايد" حاضرا في هذا الاجتماع، وأشار إلى أن المستثمر الروسي شعر بخيبة أمل لأن "برنس" هو أفضل صديق لـ "ترامب" استطاع "نادر" إحضاره.

ورصدت شهادة "نادر" أمام هيئة المحلفين الكبرى حضوره اجتماعا في برج "ترامب" مع صهر الرئيس "غاريد كوشنر"، وكبير الاستراتيجيين السابق "ستيفن بانون"، و"جويل زامل"، صاحب شركة الاستخبارات الإسرائيلية الخاصة "تسي جروب". ويُعتقد أن "زامل" قد استطاع الحصول على 2 مليون دولار من "نادر" لصالح حملة تدعم "ترامب" على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد تعاون "نادر" بشكل منفتح وتفصيلي مع تحقيقات المحقق الخاص "روبرت مولر"، الذي كان يأمل الكثيرون في أن يعزل الرئيس الأمريكي. ويبدو أن "نادر" اضطر إلى لعب تلك اللعبة للتهرب من المحاكمة بعد أن اضطرته الظروف لترك ملاذه الآمن في دولة الإمارات العربية المتحدة والذهاب إلى واشنطن رغم علمه باحتمالية القبض عليه.

وكان المكوث في الإمارات بجوار "محمد بن زايد" هو الخطوة الأكثر منطقية ومناسبة لمؤهلات "نادر"، ويرجع ذلك لكون الزعيم الإماراتي هو أكثر قادة الشرق الأوسط طلبا للكوادر المؤهلة في فنون التجسس الشائنة والدبلوماسية القذرة والابتزاز، أكثر حتى من صديقه "محمد بن سلمان" في الرياض. ويخشى الكثيرون في الشرق الأوسط "بن زايد"، ويدركون عمق صلاته أكثر من أي شخص آخر في العالم العربي.

وكان السبب الذي اضطر "نادر" إلى ترك الإمارات هو أن جراحة القلب المفتوح التي أجراها قبل أشهر قليلة، لم تكن ناجحة، وكان لديه مضاعفات لم يكن ليتمكن أحد من علاجها سوى جراحه الخاص. ولهذا السبب عاد إلى نيويورك الشهر الماضي، عبر مطار "جون كينيدي"، وكانت مذكرة التوقيف في انتظاره وأصبحت نافذة بمجرد دخوله إلى الولايات المتحدة.

الوسيط منحرف الميول

ولفهم تفاصيل قضية "نادر"، يتعين علينا العودة إلى أبعد من ذلك، عندما أوقفه عملاء فيدراليون لأول مرة في مطار "واشنطن دالاس الدولي"، في 17 يناير/كانون الثاني 2018، بعد رحلة من دبي، وفقا لشهادة "إف بي آي".

ومن المثير للاهتمام أن الوكلاء كان لديهم أمر بالبحث في أي جهاز إلكتروني يحمله عن مسألة لا علاقة لها باستغلال الأطفال في المواد الإباحية. وكان مكتب التحقيقات الفيدرالي يبحث عن عناصر أخرى من الأدلة، ربما مرتبطة بالتحقيق الذي قام به "مولر"، ليصادف بمواد الأطفال الإباحية، ليضع ذلك مصير "نادر" آنذاك على أرض الولايات المتحدة على المحك.

وكان لدى "نادر" 3 أجهزة "آيفون"، بما في ذلك واحد منها يحتوي على عشرات مقاطع الفيديو لأطفال يشاركون في سلوك جنسي صريح، بالإضافة إلى فيديو بشع يتضمن حيوانات، وفقا لمكتب التحقيقات الفيدرالي. وبعد لقائه مع النيابة، سرعان ما بدأ "نادر" بالتعاون، حسب التفاصيل الواردة في تقرير "مولر".

وكان لدى "نادر" خيار محدود. ففي ظل الحالة الصحية السيئة، والجدران المغلقة، كان أمله الوحيد هو الحصول على تساهل لذا فإنه اضطر إلى التعاون مع تحقيقات "مولر" في قضية "ترامب" مع روسيا على أمل أن يتم غض الطرف عن قضية المحتوى الإباحي، لكن ذلك لم يحدث حيث تم القبض عليه مؤخرا بموجب مذكرة توقيف سرية صدرت قبل 13 شهرا.

ومن الواضح أن تحقيقات "مولر" مع "نادر" شملت أنشطته الأخرى المتعلقة بـ "ترامب"، خاصة علاقته مع الإمارات والسعودية. 

وتشير التحقيقات إلى أن "نادر" وشريكه المانح الجمهوري "إليوت برويدي"، الذي تم اتهامه أيضا برشوة المسؤولين الأمريكيين في وقت سابق من حياته المهنية، لعبا دورا في دفع "ترامب" لدعم الحصار المفروض على قطر، وحملا عضو الكونغرس "إد رويس" على القيام بذلك، رغم مقاومته السابقة لمشروع قانون مناهض لقطر في مجلس النواب. وكانت لديهما دوما خطط أكبر، فقد كان الهدف دائما هو نقل القاعدة الأمريكية في قطر إلى الإمارات أو السعودية.

المصدر | مارتن جاي - إنسايد أرابيا