الجمعة 2 أغسطس 2019 08:13 م

خلال الأسبوع الماضي، قام وفدان رسميان على الأقل من الإمارات العربية المتحدة بزيارة إيران، لمناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك. وفي حين كانت الاتصالات الروتينية بين الحكومتين سمة منتظمة للعلاقات بين البلدين في الماضي، تلاشت هذه الاتصالات المفتوحة مع تصاعد التوترات الإقليمية، ولم يتبق سوى تعامل استخباراتي هادئ في الخلفية بين البلدين.

ويعد هذا التواصل من قبل الإمارات مثير للدهشة جدا، بالنظر إلى أن عددا من الأعمال العسكرية منخفضة الكثافة، التي يقال إن إيران هي التي نفذتها في محاولة للخروج من القيود الاقتصادية التي فرضتها واشنطن، كانت تستهدف الإمارات والمصالح المرتبطة بها، بما في ذلك ناقلات النفط. ومع ذلك، فإن هذا التحول الملحوظ في الدبلوماسية الإماراتية لم يخرج عن التوقعات ولا يصعب تفسيره.

وفي 26 يوليو/تموز، أبلغ المسؤولون الإيرانيون وسائل الإعلام أن الإمارات أرسلت "وفد سلام" إلى طهران، لمناقشة قضايا غير محددة. وكان توقيت الزيارة ملحوظا، حيث جاء مباشرة بعد الإعلان عن انخفاض كبير في أعداد القوات الإماراتية في جنوب اليمن. ولم تنكر الإمارات هذه التقارير، لكنها لم تبد أي تعليق حول طبيعة المحادثات أو الموضوعات التي تضمنتها.

وفي 30 يوليو/تموز، أقر الجانبان بأن وفدا إماراتيا، بقيادة قائد خفر السواحل العميد "محمد علي مصلح الأحبابي"، قد ذهب إلى إيران لمناقشة الأمن البحري. وأصرت الإمارات على أن هذه الزيارة كانت السادسة في سلسلة من اجتماعات خفر السواحل بين البلدين، لمناقشة قضايا الصيد التي نشأت تقليديا بسبب العديد من الجزر المتنازع عليها، والتي تخضع حاليا للسيطرة الإيرانية. لكن التقارير تشير إلى أن المحادثات غطت أيضا أمن الحدود، وغيرها من القضايا غير المحددة التي يفترض أنها مرتبطة بالهجمات على الشحن في مياه الخليج.

وفي أعقاب هذه الزيارة، أعرب مسؤولو وزارة الخارجية الإماراتية عن "ارتياحهم" للنتائج. ولاحقا في الأول من أغسطس/آب الحالي، توج الطرفان هذه اللقاءات بالإعلان عن توقيع مذكرة تفاهم حول أمن الحدود، حملت توقيعات "الأحبابي" عن الطرف الإماراتي، وقائد شركة الحدود الإيرانية؛ العميد "قاسم رضائي"، ممثلا عن طهران.

تحركات منطقية

وفي السياق الأوسع، تعد هذه التطورات منطقية من منظور الإمارات. فالاعتقاد السائد بأن الإمارات، إلى جانب المملكة العربية السعودية و(إسرائيل)، تضغط على الولايات المتحدة لأجل الدخول في صراع مع إيران يسيء فهم أهداف السياسة الإماراتية. فبينما رحبت الإمارات بحملة "أقصى ضغط" الأمريكية ضد إيران، سعت في الوقت ذاته لتغيير السياسة وليس النظام في طهران. ولم تناد أبوظبي أبدا بالحرب بين الولايات المتحدة، أو أي دولة أخرى، وإيران.

ولن يفشل مثل هذا الصراع فقط في تحقيق هدف الإمارات المتمثل في تخفيف سلوك إيران الإقليمي المزعزع للاستقرار، بل سيضع الإماراتيين أنفسهم في خطر. وكما أظهرت حملة "أقصى مقاومة" من قبل إيران، المتمثلة في الأعمال العسكرية وعمليات التخريب منخفضة الكثافة في الآونة الأخيرة، فسوف يكون خصوم طهران الخليجيين أهدافا فورية في أي صراع إقليمي مكثف.

ونظرا لإصرار إيران الواضح على مواصلة اختبار حدود حملتها "أقصى مقاومة"، مع التصعيد المدروس بعناية، يتوفر لدى الإمارات حوافز إضافية لاستخدام الحوار في محاولة ضمان عدم استهداف مصالحها في المستقبل. علاوة على ذلك، يشير توقيت محادثات 26 يوليو/تموز إلى أن أبوظبي رأت فائدة في الحوار مع إيران، في أعقاب انسحاب القوات الإماراتية من اليمن مباشرة. وقد يكون من المنطقي أن يرغب الإماراتيون في أن يشرحوا لإيران مباشرة نواياهم في اليمن، وأن يحثوا طهران على عدم التدخل في العملية، وعلى محاولة إقناع المتمردين الحوثيين بعدم تصعيد جهودهم العسكرية بعد إعادة الانتشار هذه.

علاوة على ذلك، ظل المسؤولون الإماراتيون الرئيسيون خلال عام تقريبا يحذرون بهدوء من أنهم رغم موافقتهم على نظام العقوبات الجديد ضد إيران، إلا أنهم قلقون من ألا يكون هناك طريقا دبلوماسيا أو سياسيا قابلا للتطبيق لترجمة المكاسب التي تحققت من خلال حملة "أقصى ضغط" في إطار سياسي واضح. لذلك، ليس من المستغرب أن تكون الإمارات أول خصوم إيران الرئيسيين الذين يقومون بهذا النوع من التواصل. في وقت تبدو فيه جميع الأطراف وكأنها تبحث عن طريقة لتجنب الصراع.

ولا يبدو أن واشنطن ترفض هذا التواصل المتواضع مع إيران من جانب الإمارات. فلقد أوضحت إدارة الرئيس "دونالد ترامب" رغبتها في الدخول في حوار مع إيران. لذا، إذا بدأ حلفاؤها المحادثات مع طهران حتى حول القضايا غير ذات الصلة مثل الجزر المتنازع عليها على سبيل المثال، فقد يمهد ذلك لحوار أوسع في الاتجاه الذي يرغب "ترامب" في الذهاب إليه. وإذا لم يكن هناك شيء آخر، فقد يكون التواصل الإماراتي مع إيران، مهما كان محدودا، بمثابة اختبار لواشنطن نفسها استعدادا لاستئناف الحوار مع إيران. فإذا نجح وجاء بنتيجة، فسوف يتضح لـ "ترامب" إمكانية التواصل والعمل مع إيران. وإذا فشل، فسوف يحدث ذلك دون أي تكلفة على الإدارة الأمريكية.

الاستياء السعودي

لكن السؤال الأكبر هو ما إذا كانت المملكة العربية السعودية ستشعر بالمثل بالارتياح إزاء هذا التواصل. وإذا كانت الرياض مستاءة من التغيرات في سياسة الإمارات، فمن المرجح أن يكون الألم الأكبر قد أصابها في اليمن. ومن خلال سحب معظم قواتها من جنوب اليمن، سحبت الإمارات يدها من أكثر المساعي المشتركة مع المملكة أهمية. وترك هذا القرار الرياض بمفردها في متابعة المهام الصعبة للغاية هناك، المتمثلة في طرد الحوثيين من صنعاء وأجزاء كبيرة من الشمال، والأهم من ذلك بالنسبة إلى الرياض، تأمين الحدود الجنوبية للمملكة مع اليمن.

ويمكن للسعودية في المقابل أن ترى بسهولة تواصل الإمارات المحدود للغاية مع إيران بنفس نظرة إدارة "ترامب"، كحالة اختبار، لمعرفة مدى استعداد إيران للتعاون والحوار مع الطرف الذي يمل أقل تهديد من خصومها الأساسيين. وإذا كان الأمر مجديا، فسوف يشير ذلك إلى ما إذا كان الآخرون قد يشاركون أيضا في مناقشات "مرضية" مع طهران.

وتعد الإمارات محقة في الزعم أن المحادثات بين شرطة الحدود الإيرانية وخفر السواحل الإماراتية كانت موجودة في الماضي. ويهدف التأكيد الإعلامي الإماراتي على أن هذا هو "السادس في سلسلة من الاجتماعات" إلى تصوير ما حدث على أنه مسبوق وليس بجديد، على الرغم من أن الحوار بين البلدين كان محدودا خلال الأعوام السنة الأخيرة. وبطبيعة الحال، لا تعد هذه التطورات انفراجة كلية في العلاقات بين البلدين، حيث لا تزال الإمارات وإيران على خلاف.

ومع شعورها بالتفوق دائما، شددت طهران عادة على استعدادها للحوار، في حين أن تميل دول الخليج العربية إلى الإصرار على أن الحوار لا يمكن أن يذهب بعيدا ما لم تبدأ إيران في التصرف "كبلد طبيعي"، ويعني هذا أنه ينبغي لها وقف زعزعة استقرار المنطقة بدعمها للجماعات المسلحة غير الحكومية. لكن في ضوء "أقصى ضغط"، قد يكون الحوار مختلفا تماما عند كلا من الجانبين. ففي حين أن هذا التواصل مع إيران يشير إلى حدوث تحول في التكتيكات الدبلوماسية لدولة الإمارات، فمن المهم عدم اعتبار هذه الإيماءات تغييرا كبيرا في السياسة. وينطبق الشيء نفسه بالطبع على إيران. لكن الباب بين الإمارات وإيران يتم فتحه أكثر فأكثر قليلا بمرور الوقت، مما قد يعزز فرص الحوار أيضا بين الولايات المتحدة أو السعوديةوإيران.

المصدر | حسين إبيش - معهد دول الخليج العربي في واشنطن