الثلاثاء 6 أغسطس 2019 03:34 م

جاء قرار الإمارات العربية المتحدة الأخير بالانسحاب من حرب اليمن ليجعل ولي العهد السعودي وحاكم المملكة الفعلي "محمد بن سلمان" المحرك الرئيسي الوحيد في هذا الصراع الكارثي.

وترك ولي عهد أبوظبي، زعيم دولة الإمارات الفعلي، "محمد بن زايد"، صديقه للملمة الفوضى وحده. وفي أعقاب تحرك "بن زايد"، يبدو أن نجم "بن سلمان" في طريقه للأفول وأن تأثيره على الساحة الدولية يتضاءل باضطراد.

وأدت المحاولات المتكررة من جانب الكونغرس في الولايات المتحدة لوقف مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى المملكة العربية السعودية، ومحاسبة "بن سلمان" عن مقتل الصحفي "جمال خاشقجي"، إلى تشويه سمعة الزعيم السعودي ومكانته.

ورغم أن الكونغرس لم يتمكن من التغلب على "فيتو" الرئيس "دونالد ترامب" وإعاقة صفقات الأسلحة فعليا، إلا أن إجراءات الكونغرس الرمزية كان لها آثار سلبية طويلة المدى على "بن سلمان".

وتم تقليص الدعم الأمريكي التقليدي من الحزبين اللسعودية، الذي يعود إلى عهد الرئيس "فرانكلين ديلانو روزفلت"، بسبب الغطرسة والقمع الذي يمارسه "بن سلمان"، والاعتماد على العلاقة الشخصية بين المستبد السعودي والرئيس الأمريكي الحالي وصهره.

,تلاشى الدعم التقليدي من الحزبين تاركا لولي العهد السعودي الاعتماد الحصري على علاقته مه إدارة "ترامب". وفي الواقع، قوضت إجراءات "بن سلمان" المصالح السعودية طويلة الأجل، وكذلك صورة المملكة لدى الجمهور الأمريكي.

وبمجرد أن تأتي إدارة جديدة إلى واشنطن، فسوف تبرز مطالب محاسبة "بن سلمان" على أفعاله في اليمن، وعن مقتل "خاشقجي" بشكل شنيع، إلى السطح مرة أخرى. ورغم الفشل في التغلب على فيتو "ترامب"، أعرب العديد من أعضاء مجلس الشيوخ عن وجهات نظر سلبية عن الزعيم السعودي. ويبدو أن ملايين الدولارات التي أنفقها "بن سلمان" في واشنطن لتلميع صورته لم تخدمه بشكل جيد.

القضية الفلسطينية

وكان فشل العرض الأولي لخطة "صفقة القرن" التي قدمها "جاريد كوشنر" خلال ورشة عمل في البحرين في أواخر يونيو/حزيران، بمثابة ضربة أخرى لـ "بن سلمان".

وكان "كوشنر" و"بن سلمان" يأملان في أن يتمكنا من إقناع الزعماء العرب بحضور ورشة البحرين للإشادة بخطة "كوشنر" الاقتصادية. لكن قادة الأردن ومصر والكويت وعدة دول أخرى رفضوا التوقيع على المبادرة. وقالوا إن الجزء الاقتصادي من اتفاق سلام فلسطيني إسرائيلي يجب أن يسير جنبا إلى جنب مع عنصر سياسي يخدم حل الدولتين. وكما كتبت سابقا، تلاشت جدوى ورشة البحرين وتحولت إلى مجرد صورة فوتوغرافية فشلت حتى في الحصول على اهتمام كبير. وبالتالي من المفترض أن يكون وزن "بن سلمان" قد تأثر لدى الإدارة الأمريكية بسبب عدم قدرته على ضمان الدعم العربي لأصدقائه في البيت الأبيض.

وإذا فاز رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" بالانتخابات الشهر المقبل، وتمكن من تشكيل حكومة، فمن المتوقع أن يلبي توجهات اليمين الإسرائيلي المتطرف. وبدلا من التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين على غرار الصيغة الاقتصادية "المشؤومة" لـ "كوشنر"، فسوف تزيد سياسات اليمين المتطرف في (إسرائيل) الطين بلة، من خلال الحديث عن ضم الأراضي المحتلة ونقل السكان الفلسطينيين خارج (إسرائيل).

وعلى الرغم من صداقته الحميمة مع "بن سلمان"، قد يبدأ صهر "ترامب" في التخلي عن ولي العهد السعودي كورقة اعتماد عربية. ومن المفارقات أن مبادرة السلام العربية التي دامت 3 عقود، التي تدعو إلى اعتراف عربي كامل بـ (إسرائيل) مقابل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي على أساس قراري مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242 ورقم 338، كان وراءها ولي عهد سعودي آخر، وهو "عبدالله"، عم "بن سلمان"، ولا تزال المبادرة تحظى بدعم والده، الملك "سلمان". ولن تساعد العلاقة الخاصة مع "كوشنر" ولي العهد السعودي في إنقاذ صورته التي حاول ترسيخها كزعيم عربي أصيل، ولن تساعده علاقاته السرية مع قادة الاستخبارات والسياسيين الإسرائيليين في إنقاذ نفوذه المتدهور.

وإذا كان "بن سلمان" يؤمن ويسعى حقا إلى تحسين حياة الفلسطينيين، فعليه أن ينضم إلى قطر في تمويل التنمية الاقتصادية في الضفة الغربية وغزة، ويثبت للفلسطينيين أنه ملتزم بازدهارهم. كما يمكنه أيضا بدء محادثات جادة مع الإسرائيليين والفلسطينيين حول مستقبل الشعبين "بين النهر والبحر". وإلا فسوف ينظر إليه التاريخ، مثل العديد من القادة العرب الآخرين قبله، على أنه أضر بالقضية الفلسطينية وضحى بها.

إيران

وفي ضربة أخرى لطموحات "بن سلمان" وغروره، زادت إمكانية استئناف المحادثات الأمريكية مع إيران، من خلال الجهود الدبلوماسية التي تشمل سلطنة عمان وربما الإمارات. وقد يكون التصريح الأخير لوزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو"، بأن القوات الأمريكية ستبدأ في الانسحاب من أفغانستان قبل انتخابات العام المقبل، رسالة تحذير إلى "بن سلمان" بشأن إيران. فعلى الرغم من أنه من السهل الاختلاف مع "ترامب" حول العديد من قضايا السياسة الخارجية، إلا أن المرء يحصل على انطباع من إعلان "بومبيو" بأن "ترامب" لا يريد أن يتورط في حرب أخرى في الشرق الأوسط أو مواجهة عسكرية مع إيران. ولا يعني الخطاب الأمريكي القاسي ضد إيران أن الحرب وشيكة.

وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، هذا الأسبوع، أن وفدا إماراتيا ذهب إلى إيران لمناقشة الأمن البحري في ذلك الجزء من الخليج العربي. وتحرص الإمارات، وخاصة دبي، على الحفاظ على سلامة طرق النقل التجارية، لإقناع الشركاء التجاريين الدوليين بأنها آمنة للتجارة. وبطبيعة الحال، يعد الحل السلمي للتوترات السياسية الإقليمية مع إيران أفضل ضمان للتجارة الآمنة في الخليج العربي.

وكانت دبي، الإمارة التجارية الأكبر داخل الإمارات، تتبادل التجارة مع إيران لعقود. ويوجد في دبي أقلية شيعية مهمة، وعدد كبير نسبيا من رجال الأعمال الناجحين من أصول إيرانية. كما أن لديها تاريخ في تحديد الأعمال التجارية كأولوية قبل كل شيء. وخلال ذروة المقاطعة العربية لـ (إسرائيل)، عندما لم يكن بالإمكان الحصول على العناصر المدرجة في "قائمة المقاطعة السوداء"، مثل سيارات فورد ومشروبات "كوكاكولا" في العالم العربي بسبب المقاطعة، كان من الممكن دائما العثور عليها في ميناء دبي. وعلى الرغم من عداء "محمد بن زايد" تجاه إيران، إلا أنه على التاريخ الحديث، تتفوق التجارة في دبي على السياسة دائما.

وتعد هذه هي الرسالة الواضحة التي تعلنها الاتفاقية الأخيرة لمراقبة الحدود البحرية بين الإمارات وإيران. ومع الأخذ في الاعتبار تعقيد القضايا الإقليمية وترابطها، من الممكن أن نتصور أن وفد السلام الإماراتي سيوسع أجندة الأمن البحري ليشمل اليمن والاتفاق النووي والعقوبات، وغيرها من القضايا الشائكة. وقد تصبح هذه المحادثات أكثر شمولا إذا انضمت إليها عمان والكويت. وإذا أسفرت المحادثات عن نوع من التقارب الهادئ بين طهران وواشنطن، فقد تكون مقدمة لاتفاق جديد تكون فيه المناقشات النووية مكونا رئيسيا. وإذا كانت إدارة "ترامب" تؤيد إلغاء التصعيد، فقد تقوم في وقت لاحق بمنح منح إعفاءات من العقوبات للشركاء التجاريين لإيران.

وإذا بدأت واشنطن وطهران في محادثة جادة حول الاتفاق النووي والعقوبات، فقد يكون ذلك بمثابة إعلان فشل حروب "بن سلمان" الإقليمية ومكائده العدائية تجاه إيران والإسلام الشيعي. وبذلك ستستمر عزلته، وسيحكم عليه التاريخ باعتباره مستبدا عربيا فاسدا قمعيا. ولن تحصل خطته الكبرى للمنطقة إلا على خيبة الأمل، وسوف يتبخر طموحه ليصبح "صانع ملوك" على الساحة العالمية.

القمع

وفي الأشهر الأخيرة، انتقد العديد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي "بن سلمان" لسجله القمعي في مجال حقوق الإنسان. وأدى العدد المتزايد من المعارضين الذين يتم إعدامهم في السعودية والبحرين، حيث يتمتع السعوديون بتأثير هائل، إلى تشويه سمعة "بن سلمان" ومكانته. وكانت عمليات الإعدام هذه ذات طبيعة طائفية بالدرجة الأولى، حيث كانت موجهة ضد المواطنين الشيعة في كلا البلدين، واستندت عموما إلى الاعتقالات غير القانونية والتعذيب والاعترافات القسرية والمحاكمات الصورية. ويعتمد النظام البحريني على الدعم العسكري السعودي كأداة لقمع الأغلبية الشيعية.

ومع الإعلان الأخير عن إعادة نشر قوات أمريكية في المملكة، قد يبدأ "بن سلمان" في مواجهة غضب جديد في الداخل من الجناح الوهابي السلفي في المملكة. وقد أثارت المعارضة الدينية لوجود قوات "كافرة" في "أرض الحرمين الشريفين" عام 1991 حملة "أسامة بن لادن" ضد النظام السعودي والولايات المتحدة.

وبعد أن طرد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الزعيم العراقي "صدام حسين" من الكويت عام 1991، وبقيت القوات الأمريكية في السعودية، انتقد الناشطون الدينيون وجود هذه القوات على أساس حديث منسوب إلى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). وبغض النظر عن صحة هذا الحديث، يعتقد الوهابيون أن النبي قال وهو على فراش الموت إنه لا يسمح إلا بدين واحد فقط في شبه الجزيرة العربية، وهو دين الإسلام.

ووفقا لهذا الرأي، يجب طرد القوات "الكافرة" غير المسلمة من المملكة. وفي أوائل التسعينيات من القرن الماضي، أصبحت هذه هي الصرخة التي حشد بها "بن لادن" و"القاعدة" ضد المملكة والولايات المتحدة. ويمكن لهذا التوجه الراديكالي أن يظهر مجددا. وإذا حدث ذلك، فسوف يكون كابوسا فظيعا لـ "بن سلمان" قد يستغله خصومه في الداخل والخارج.

وفي أعقاب انسحاب الإمارات من اليمن، سيضطر "بن سلمان" إلى إعادة النظر في خطته الكبرى التي كان يعدها لنفسه وللمنطقة، هذه الخطة التي يغذيها اقتصاده الثري ودعمه المتصور من البيت الأبيض بقيادة "ترامب". فهل يعمل "بن سلمان" على استيعاب الفشل الواضح في تلك العملية والعمل على إصلاح ما يمكن إصلاحه قبل فوات الأوان؟

المصدر | إيميل نخلة - لوب لوغ