الأربعاء 14 أغسطس 2019 10:11 م

خطاب بنكيران.. المرجعيات والمقاصد وسجالات "العدالة والتنمية"

ما هي هوية حزب العدالة والتنمية الحقيقية: هوية "الموالين" أم هوية "المعادين"؟

المرحلة الجديدة تستدعي رؤية الشباب أكثر من استدامة رؤية الشياب

أسهب بنكيران في تذكير جمهوره أنّه لا "يستطيع السّكوت عندما تُمَسُّ المبادئ

مهما تهذّبت لباقة الخطاب لدى بنكيران في الجلسات الخاصة أو المحافل العامة، لا تقلّل من الضّجر الذي يشعر به

يراهن بنكيران على أنّ أنصاره في الشبيبة والمجلس الوطني والأمانة العامة لحزبه العدالة والتنمية يستطيعون قلب المعادلة

*     *     *

بقلم | محمد الشرقاوي

على بعد ستّة عشر شهرا من موعد إجراء الانتخابات التشريعية المغربية المقرّرة أواخر2021، يحلّ عبد الإله بنكيران ضيفا على المؤتمر السنوي لشبيبة الحزب في مدينة القنيطرة. يستقبله مئات الشباب من مختلف ربوع المغرب بهتافات "الزّعيم الوطني"، قبل أن يستقرّ في المنصّة وسط صدى الشعارات: "الشعب يريد، بنكيران من جديد"، و"لا تراجع لا استسلام، بنكيران إلى الأمام".

تتردّد الهتافات ثماني دقائق، وارتساماتُ الحبور غيرُ خفيةٍ على ملامح من كان رئيس الحكومة وزعيم الحزب ورأس حربته التواصلية قبل ثلاث سنوات. يرى في أعين مؤيّديه ما افتقده من شهامة بين قياديي حزبه، فقال "أنا انفعلتُ وبكيتُ لاستقبالكم لي. وهي ثاني مرة أبكي فيها بعد تجمّع الدشيرة عام 2015".

وجد نفسه يتشبّع بفحوى مقولة ماكس فيبر الذي حدّد مقوّمات الزّعماء بأنّهم من "يثبتون جاذبيتهم في أعين أتباعهم" أكثر ممّا لديهم من أحكام القيمة.

لحظة عميقة الأثر النفسي في ترميم معنويات الرّجل، تنطوي على ردّ اعتبار تلقائي لرجلٍ قاد سفينة الحزب عبر أمواج متقلبة عاتية، في الخفاء وفي العلن، مع أجهزة الدولة والأحزاب المنافسة، فَضَمِن الفوزَ بـ125 مقعدا، أي حوالي ثلث مجموع مقاعد مجلس النواب (395 نائبا) في انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 2016.

لكنّ بعض أهل الحلّ والعقد في الديوان الملكي ارتأوا ألا يقود الحكومة الـ31 منذ استقلال المغرب والثانية منذ انتفاضات 2011، ويحلَّ محلَّهُ سعد الدين العثماني في قيادة تحالف حكومي بمقاييس غير متجانسة لم يقبلها بنكيران، مع أربعة أحزاب أخرى، منها تولّي الاتحاد الاشتراكي مناصب في الحكومة وقيادة مجلس النواب.

وأدّت قناعة جلّ أعضائها بعلوّ كعبهم السياسي إلى معضلة الالتهام الذاتي إزاء تساهل العثماني. ولا يزال الملك محمد السادس يصرّ على تحقيق "مغربٍ لا مكان فيه للتفاوتات الصارخة، ولا للتصرّفات المحبطة، ولا لمظاهر الريع، وإهدار الوقت والطاقات.

لذا، يجب إجراء قطيعة نهائية مع هذه التصرفات والمظاهر السلبية، وإشاعة قيم العمل والمسؤولية، والاستحقاق وتكافؤ الفرص".

لحظة ذات دلالة رمزية في نفسية من شعر بأنّه كان ضحية رماها "التيتانيك" السياسي المفتعل تحت وقع "البلوكاج" بمفارقاتٍ مثيرةٍ بين مقياسيْ "المرضي عنه" عام 2011 و"المغضوب عليه" عام 2016.

ولا يزال في نبرته حَنَقُ من خَذَلَهُ "إخوانه" بعدم تعديل المادة 16 في قانون الحزب، فتبدّد أمله وقتها في تمديد ولايته حفظا لماء وجهه السياسي.

ويقول أحد المراقبين: "الفضل في استمرار الحزب على رأس الحكومة ولايتين متتاليتين يرجع بالأساس لبنكيران الذي أعطى نفسًا جديدًا للخطاب السياسي المغربي، وجعل الشارع المغربي يتصالح مع السياسة".

قد تُخلّف نقمة الخسارة المادية بعض المرارة لدى صاحبها، ولكنّ تعاسة رجل السياسة تكون أكثر مرارةً أمام ثلاثية تعيسة: فقدان الجاه والوزن السّياسي وهجران الخلّان من داخل عشيرته السياسية، وابتلاع قرار التقاعد السياسي المبكّر ثلاث سنوات قبل حصوله من الملك على راتب شهري بقيمة سبعة آلاف دولار.

تقول الباحثة البريطانية جين روبرتس إن رجال السياسة المتقاعدين يشعرون بإغراء قويّ للمنصب السياسي، وأن المعضلة هي "الإدمان الضخم على الوجود، حيثما يتمّ الفعل السياسي، خصوصا إذا كنت تعتقد أنّك جزء منه. لذا فأنت تحقّق ذلك، ولست مجرّد مراقب لما يحدث".

يقاوم بنكيران تلك الثلاثية التعيسة بوعي وبلا وعي، ولا يقتنع بمغزى السياسة أنّها القرارات التي يتّخذها المجتمع بشأن "من يحصل على ماذا، ومتى، وكيف"، كما يقول عالم السياسة هارولد لاسويل.

يقرّر بنكيران تحريك الكرسي إلى مقدّمة المنصّة عند النقطة المركزية في مخاطبة جمهوره والنظر مباشرة في أعينهم من أقرب مسافة ممكنة. هذه تقنية ذكية، لا تتأتى لرجال سياسة كثيرين.

لم يُخف تردّده "هل أحضر أو لا أحضر؟" إلى هذا المؤتمر، وأقرّ بأنّ لديه نقطة ضعف، وقال "حتى لا يشعر الإخوة المسؤولون أنّي أشوّش عليهم، أمنع نفسي من الكلام مرّات متعددة".

لكن تبريره حضور منتدى الشباب ينمّ عن المناورة السياسية، عندما يلوّح بعضويته في المكتب الوطني للحزب، ويقول إنّ لديه "مسؤولية تاريخية تجعلني لا أسكت".

ليس الرجل استثناءً على قاعدة أغلب السّياسيين، عندما يشعرون أنّ جاذبية السياسة قد استهلكتهم، ليس من الناحية الزمنية فحسب، بل وأيضا في صهر هويّاتهم الشخصية إلى حدّ التداخل مع الهويات السياسية الوظيفية.

ومهما تهذّبت لباقة الخطاب لديه في الجلسات الخاصة أو المحافل العامة، لا تقلّل من الضّجر الذي يشعر به كغيره من لاعبي السّياسة، عندما يُرغمون على مغادرة الملعب قبل انتهاء زمن المباراة.

يقول عالم النفس السياسي جون كين إنّ ما يشعر به رجال السياسة المتقاعدون هو "سياسة التّراجع"، وأنها لا تزال مجالا معرفيا "ناقصا من حيث التنظير، ولم يحظ باهتمام مناسب من الباحثين" في علم السياسة.

يكتسي خطاب بنكيران أهمية مغرية للتحليل في منحييْن أساسييْن: تفكيك تفكيره ونفسيته وفق أدوات علم النفس السياسي، واستشراف مسعاه لاستعادة دوره السياسي، وهو يتريّث بين سياق محفّز وديناميات متحرّكة ومآل منفتح على أكثر من سيناريو.

فمن المهمّ "أن نفهم الطبقات العديدة لتركيبة الزّعيم. ليس مجرّد ما يبدو على السّطح، ولكن أيضًا ما وراء الرجل الذي يقف وراء القناع وكيف يتشكّل سلوكه"، كما يوصي عالم النفس السياسي جيرولد بوست.

سواء تفهّمنا بنكيران المعياري الذي يشدّد على أنّ "رئاسة الحكومة في مرجعيتنا والتزامنا، وهي مرجعية المبادئ، والإنسان يتحمل المسؤولية"، أو بنكيران الواقعي المنفتح على التنازل، إذ يقول:

"أنا أكبر خوّاف مما تكتبه بعض المواقع. أخاف على نفسي وأهلي ورزقي، وأخاف عليكم بعد ما كان يتم استدعائي إلى مراكز الشرطة". يجسد الرّجل الأيديولوجيا الكاريزمية التي تحدّث عنها عالم الاجتماع شارلز ورايت ميلر قائلا:

"قلما يعتقد الأشخاص ذوو المزايا أن ما يحدث لهم هو نتاج مزاياهم تحديدا. هم يؤمنون ببساطة أنهم يستحقون بطبيعتهم ما يملكونه. وفي دواخلهم قناعة أكيدة أنهم نوع من النخبة الطبيعية. وهم يعتقدون حقًا أن ممتلكاتهم وامتيازاتهم هي امتدادات طبيعية لحالتهم النخبوية".

على خلاف التّصريحات السّابقة لبنكيران منذ ربيع 2017 على الأقل، تتبلور ثلاث رسائل رئيسية بمضامين ومآلات محدّدة باتجاه ثلاث مجموعات من الجمهور القريب والبعيد:

1. تمزيق جلباب الضّيف دليل على الرّغبة في بقائه.

يراهن بنكيران على أنّ أنصاره في الشبيبة والمجلس الوطني والأمانة العامة لحزبه العدالة والتنمية يستطيعون قلب المعادلة، إذا ألحّوا على ترشيحه للأمانة العامة للحزب في المؤتمر المقبل، فهو يقول "إذا كان من الضروري، لن أعود رئيسًا للحزب حتى تقطّعوا هاذ الحوايج".

هي رسالة مباشرة إلى المتفائلين بقدرات الرجل، وسط تكهنات بأن حظوظ الحزب ستتراجع ليكون بين الأحزاب الثلاثة الأولى في اقتراع نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 على غرار الوضع عقب انتخابات 2002.

بالنظر إلى تأييد أجهزة الدولة حزب التجمع الوطني للأحرار، بعدما أخفق استثمارها في حزب الأصالة والمعاصرة قبل انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 2016. يقول الرجل إن من يريد أحدا يعرف ماذا يفعل، ويتعزّز تفاؤله بقناعتيْن رئيسيتيْن يعتقد أنّهما تَنتشران بين صفوف الحزب من القاعدة إلى القمة:

أولاهما، قناعةٌ عاطفية أخلاقية بأنّ عدم فسح المجال له لولاية ثالثة في الأمانة العامة للحزب انطوى على خطوة مجحفة، وليدة انصياع لإرادة أحد مستشاري الملك.

وهذا حدٌّ فاصلٌ بين الواقعية السياسية التي أخرجت مشهد "البلوكاج" وتمسّك كثيرين من مناصري الحزب بقضية المبادئ، أو المبدئية، كنايةً عن أهمية أخلاقيات السياسة التي تظلّ رافعة التوازن والقيم الديمقراطية ضمن فلسفة التنوير والحداثة التي نظّر لها إيمانويل كانط.

أسهب بنكيران في تذكير جمهوره بمركزية هذه المبدئية، وأنّه لا "يستطيع السّكوت عندما تُمَسُّ المبادئ". وانطوى جلّ خطابه على محاولة التعزيز المتبادل لتلك القيم والمبادئ بينه وبين جمهوره، أو ما يسمّيه عالم السياسة، جون رولز، "مبدأ الاختلاف" بموازاة مجموعة مواقف وقراراتٍ اتخذها رئيس الحكومة الحالي.

فذكّر بنكيران بأوجه الاختلاف المتنامي بين تياريْن متنافسيْن في "العدالة والتنمية"، وشدّد انتقاده موقف الحزب في مجلس النواب في التصويت على "قانون الإطار" الذي يستعيد الفرنسية لغة التدريس للمواد العلمية محل العربية.

ثانيتهما، قناعةٌ حسابية عقلانية لدى عدد غير قليل من أعضاء الحزب ومؤيّديه بأنّ المرحلة تستدعي زعيما متمرّسا على المناورة واستقطاب الأصوات إلى صناديق الاقتراع.

ويعتقد الرجل أنّ أسهمه الانتخابية مرتفعة أكثر من أي وقت سابق، بفضل رأسماله المعنوي، وأنّ عودته قد تكون بحسابات الضرورة الاستراتيجية، وليس بمنطق الفوارق أو التفضيل بينه وبين العثماني. ويعتقد أيضا بأنه وسّع شعبية الحزب، ليس بين المستضعفين فحسب، بل وأيضا بين الطبقة الوسطى في المغرب.

تبنّى بنكيران، في خطابه، المنطق الاستنتاجي في تبرير الأخطاء، واستمالة التأييد، قائلا "قُمنا بأمور إيجابية وربّما قُمنا بأخطاء. لكنّ لا ينبغي تبرير أخطاء بأخطاء". كما أنّه يستخدم الصور الإيحائية في أكثر من نقطة، منها "التّنازل في غير محلّه مثل الحجرة التي تهوي من أعلى الجبل الى الدرك الأسفل اللامتناهي، وقد تنتهي إلى عمق الوادي".

يعوّل الرجل على ما لديه من "كاريزما سياسية استثنائية داخل محيط يعج بأشباه السياسيين من فاقدي القرار"، كما يلاحظ الأكاديمي والسفير المغربي، حسن طارق، "بشكل أصبح معه شخصيةً لا يمكن التعامل معها بحياد أو عدم اكتراث، ذلك أن حضوره يستدعي، بالنسبة للعموم، بالضرورة اتخاذ موقف إيجابي أو سلبي".

ويراهن أيضا على اتّساق القناعتيْن، العاطفية الأخلاقية والحسابية العقلانية، في قلوب أعضاء الحزب وعقولهم، وعلى ما لديه من "سلطة كاريزماتية تستمد شرعيتها من إيمان الآخرين بقدراتها"، كما يخلص ماكس فيبر.

2. معركة اختلاف الرؤى وليس انشقاق الحزب

ذكّر بنكيران الجيل الجديد بمسار الحركة والحزب منذ أخذ بنفسه "الأوراق إلى المحكمة عام 1983 لطلب الاعتراف بالحزب"، في مرحلة "لم يكن لدي بطاقة هوية أو شهادة ميلاد كحزب، وكان يتولّانا بوليسي واحد اسمه الخلطي في مكتب 104".

وكيف كانت طموحات الإسلاميين لا تتجاوز سقف الحصول على "عضوية مجلس بلدي واحد"، وأن مؤسس حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، الراحل عبد الكريم الخطيب، كان "يرفض انضمامنا إليه في بداية الأمر".  

قبل قبولهم بعد تعثر حصولهم على الترخيص عام 1996. أوضح بنكيران أيضا كيف كان الإسلاميون "يعتبرون الدولة المغربية بمثابة طاغوت"، فيما نعته بعضهم بأنّه كان "عميلا وبوليسيا".

لم يكن سردا تاريخيا من أجل تأكيد الوقائع فحسب، بل وأيضا استرعاء الانتباه إلى حصيلة العمل السياسي، ولماذا "كنّا مضطرين لأن نراجع أنفسنا باستمرار"، فسار خطابه في خطيْن متوازييْن: الحدث السياسي بأبعاده العامة، والتجربة الشخصية له ضمن علاقة المدّ والجرز بين حزب إسلامي ومؤسسة الدولة التي لا تطمئن إلى فلسفة قياداته في التغيير المجتمعي.

هو توظيف ذكي ليس للتاريخ العام بل للتاريخانية (historicity)، أو كما تعرّفها أدبيات الفلسفة الغربية بأنها "تدل على ميزة وضعنا الإنساني". هي تاريخانية تستحضر التجربة الذاتية بموازاة القوى البنيوية التي تؤثر في صيرورة التاريخ، أو كما كتب الفيلسوف الألماني، ويلهيم ديلتي، أن التاريخانية "تعرّف البشر كائنات تاريخية فريدة وملموسة".

استعرض بنكيران مكامن الخلاف بينه وبين الأمين العام الحالي لحزب العدالة والتنمية، رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، والوزير والقيادي في الحزب مصطفى الرميد، واتهمهما بإهداء المواد التعليمية إلى "لغة الاستعمار".

واعتبر أن الرئيس المستقيل من زعامة الكتلة البرلمانية للحزب في مجلس النواب، إدريس الأزمي الإدريسي، احتجاجًا على القانون الإطار، أقرب إليه منطقا وقلبا من العثماني.

وقال "عندما علمت بالقرار فكّرت كثيرا في مغادرة الحزب، حيث إنني لم أعد أشعر بأنه يشرّفني الانتماء لحزبٍ تتّخذ أمانته العامّة هذا القرار"، بيد أنّ موقفه من الرجلين يبقى أقلّ حدّة من نقمته على قيادي آخر في الحزب لم يذكره بالاسم.

في المقابل، شدد العثماني على أنّ "العدالة والتنمية حزب مؤسّسات وليس حزب أفراد، ويجب أن يعتزّ بمؤسّساته، وبدون مؤسّسات فلا معنى للحزب". وذكّر أيضا بضرورة "الالتزام بقرارات الحزب، لأنه إذا غابت قواعد العمل غابت الديمقراطية".

وأنه يؤمن بقيم التعاون والتشارك، وليس من منطق المثل الشائع "أنا وحدي أنير البلد" ضمن صفوف حزبٍ اختار المصباح شعارا له. ويتقاطع هذا التصريح مع انتقاد سابق تلقّاه بنكيران من الرميد الذي اتهمه بأنه ينتصر لنفسه ويسفّه جهود إخوانه بشكل "جعله وكأنه هو الحزب والحزب هو"، بما يقترب من مقولة تُنسب إلى الملك لويس الرابع عشر "أنا الدولة، والدولة أنا".

يدرك أنصار بنكيران طبيعة التحديات المقبلة، ويعتبرون وجوده "خطة ب" في مواجهة التوعدات المتكرّرة لأمين عام حزب التجمع الوطني للأحرار، الوزير عزيز أخنوش، بأن "حزب الأحرار إذا سار على نفس منوال ديناميته السياسية الجديدة، سيتصدر الانتخابات المقبلة ويترأس الحكومة العتيدة، بدلاً من العدالة والتنمية".

لكنّ بنكيران والعثماني يظلّان حريصيْن على وحدة الحزب، بعد أن كان بنكيران يترقب الانشقاق في الحزب، عندما أصرّ كبار المسؤولين على عدم ترشّحه، كما كان يقول قبل ثلاث سنوات. ويتفاءل العثماني بإمكانية مواجهة التحديات الراهنة بروح المؤسسات، وليس إرادات الأفراد، على أمل أنّهما وبقية الأعضاء "سنبقى كلّنا في حزب العدالة والتنمية يدا واحدة".

3. ملكي بلا منازع!

دحض بنكيران الشكوك في موقفه من الملكية في ظل مرجعيته الإسلامية، وحاول تبرير إعفائه من منصب رئيس الحكومة بالقول "كنت مثقلا وخفّف عنّي الملك الثقل".

وقد يحتار باحثو التحليل النقدي للخطاب في تحديد ما هو ملكي وما هو غير ملكي في عقل بنكيران المعارض، وبنكيران زعيم الحزب، وبنكيران رئيس الحكومة، وبنكيران السياسي "المتقاعد".

وكما قال أحدهم، يتحدّث بنكيران عن شخص الملك "كما لم يفعل أي مسؤول سياسي مغربي قبله"، وتتباين تصريحاته بين تّبعية أحيانا وعدم انصياع أحايين أخرى من قبيل "أنا مجرّد موظّف في حكومة الملك"، و"لا يُقال لا لجلالة الملك"، و"أنا مطلوب منّي السمع والطاعة في ما هو واجب للدولة أو النّصح من قبلي لجلالة الملك".

وفي مقابل هذه التّبعية النّاعمة المعلنة، يحترس الرّجل من أن يظهر مجرّد كائن سياسي رخوي في أعين منتقديه، فقد أدهش كثيرين بجرأته على المهادنة والممانعة، كقوله مرة إن "الملك ليس إلها.. ولكنّه إنسان يصيب ويخطئ"، و"أنا ما مطلوبش منّي رضا جلالة الملك"، و"نحن لسنا من الناس الذين يظهرون ولاءهم للملكية بشدة الانحناء".

لكن بنكيران يحتفظ بـ"خط الرجعة" مع المؤسسة الملكية والأجهزة التي تتمسّك ببقائها بشكلها المحافظ، فهو ينتقد أكثر من مرّة المطالبين بالملكية البرلمانية، حتى من داخل حزبه، ويبدي معارضته لمعادلة "ملك يسود ولا يحكم"، قائلا "إذا كانت الملكية البرلمانية هي ملك يسود ولا يحكم، فأنا ضدّها ولا أتّفق عليها".

ذكّر الرجل بأنه قرّر من دون تريث عدم مشاركة حزبه في مظاهرات 20 فبراير/ شباط عام 2011، وأن أحزابا أخرى لم تحسم أمرها إلا بعد يوم أو يومين. وكأنّ الرجل يلوّح بهذا الشيك وإمكانية صرف رصيده في المرحلة المقبلة.

وذلك أملا في أن يتلاشى غضب الغاضبين عليه، أو يعيد أهل الحل والعقد حساباتهم في إمكانية مساهمته في تعديل الكفّة في مغرب الأزمات المتلاحقة من حراك الريف وجرادة، وإضرابات الأطباء والعمال والطلاب، وكوارث الحوز وغيرها.

ويتراءى في أحلام الرجل احتمال أن تساور بعض المتنفذين فرضيةُ أن للرجل قدرات قد تساعد في إدارة تحدّيات المرحلة.

هل "العدالة والتنمية" في مفترق طرق؟

كتبت في مقال سابق: "لا غرابة أن تكون تجربة العدالة والتنمية في تولّي الحكومة (وليس الحكم)، والتذبذب بين خيار العزف حسب نوتة السلطة أو اعتماد نوتة بديلة من خلال المقارنة بين تكتيكات بنكيران والعثماني، قد أصابت الحزب، ومن خلفه الحركة الإسلامية المعتدلة، بانفصام الشخصية أو سكيزوفرينيا سياسية.

ويبقى السؤال الآن ما هي الهوية الحقيقية لحزب العدالة والتنمية: هوية "الموالين" أم هوية "المعادين"؟

أعود اليوم إلى مراجعة هذه الملاحظة: لن يتذبذب ميزان القوة بين "جناح الصقور" المؤيد لبنكيران وتيار "جناح الحمائم أو الاستوزار" المساند للعثماني فحسب، خلال المرحلة التي تفصل عن موعد الانتخابات المقبلة، وإنْ تباينت الخيارات التكتيكية بين المناورة والمهادنة، وبين جرأة الفعل والبقاء في مربّع ردّ الفعل. وللرجلين ومؤيديهما أكثرُ من تبرير في تحديد استراتيجية الحزب.

بل سيشهد الحزب أيضا سجالا ثلاثيا وبنَفَس مغاير فوق السجال المحتدم بين جناحيْ بنكيران والعثماني. هو جناح جديد يشكّله الجيل الثاني من قياديي الحزب في الكواليس ممّن يؤمنون أن للزّمن حكمه فوق حكم الجميع، وأن المرحلة الجديدة تستدعي رؤية الشباب أكثر من استدامة رؤية الشياب.

هم لا يتنكّرون لما حقّقه جيل الستينيات في وضع الحركة الإسلامية على الجغرافيا السياسية وقيادة قطار الحزب إلى محطة الأغلبية في البرلمان في الرباط، لكنهم يتوجسون من مدى قبول جميع البنكيرانيين والعثمانيين والرميديين والداوديين وغيرهم ممن ساد الشيب في مفارقهم القبول مبدأ "لكلّ زمان رجاله".

* د. محمد الشرقاوي أكاديمي مغربي، أستاذ العلوم السياسي بجامعة جورج ماسون الأمريكية.

المصدر | العربي الجديد