الجمعة 16 أغسطس 2019 08:38 م

حضر ممثلون عن معظم دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى مصر والأردن وكبار أعضاء إدارة "ترامب" وحفنة من رجال الأعمال الأمريكيين والفلسطينيين والإسرائيليين ورشة العمل الاقتصادية بعنوان "الازدهار من أجل السلام" في المنامة بالبحرين في أواخر يونيو/حزيران. وفي اليوم الثاني من المؤتمر، أعلنت سلطنة عمان عن خطط لافتتاح سفارة في الضفة الغربية التي تحتلها (إسرائيل).

ورحبت منظمة التحرير الفلسطينية سريعا بإعلان مسقط، رغم أنها رأت ورشة البحرين كجهد تدعمه الولايات المتحدة "لتصفية" القضية الفلسطينية ومن ثم قاطعتها.

وتحاول عُمان بشكل مميز أن تلعب بما في يدها من الأوراق الدبلوماسية الفريدة في محاولة لعكس اتجاه التصعيد الأخير للتوترات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مع إظهار استقلالها والتزامها بالمضي قدما في سياسة الحوار والبحث عن الحلول الوسط بين الأطراف الإقليمية.

وجاء هذا الخبر بعد 8 أشهر من قيام رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" بزيارة إلى العاصمة العمانية لإجراء محادثات مفاجئة مع السلطان "قابوس" في أكتوبر/تشرين الأول 2018، وبعد 4 أشهر من لقاء وزير الشؤون الخارجية "يوسف بن علوي" مع "نتنياهو" في بولندا، خلال قمة "السلام والأمن في الشرق الأوسط" التي أعدتها الإدارة الأمريكية. وبعد اجتماع "وارسو"، قال "نتنياهو" إن "القرار الشجاع للسلطان قابوس بدعوتي إلى عمان سوف يغير العالم".

التطبيع المشروط

وأشارت كلتا الخطوتين إلى استعداد عُمان للانضمام إلى موجة التطبيع الخليجي مع (إسرائيل). ومع ذلك، بعد أن أصبحت أول دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي تفتح سفارة لها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد أشارت سلطنة عمان عبر ذلك أيضا إلى أن تصميمها على إقامة علاقات أكثر دفئا مع (إسرائيل) لن يأتي على حساب دعمها لدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، تماشيا مع الإجماع العربي والدولي حول هذه القضية.

وعلى مدى عقود، كانت إدارة السياسة الإقليمية والدولية العمانية مثالا دقيقا على التوازن العملي في العلاقات السياسية. ويصبح مثل هذا النهج أكثر أهمية في ضوء التقلب وعدم اليقين حول السياسة الإقليمية اليوم.

وفي الواقع، أثناء حديثه في المنامة في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أعلن "بن علوي" أنه لن يكون هناك تطبيع للعلاقات العمانية الإسرائيلية حتى يكون للفلسطينيين دولة ذات سيادة".

وقال "بن علوي" آنذاك: "(إسرائيل) دولة موجودة في المنطقة، ونحن جميعا نفهم هذا... ويدرك العالم هذه الحقيقة أيضا. وربما حان الوقت لـ (إسرائيل) أن تعامل نفس معاملة الدول الأخرى وأن تتحمل أيضا نفس الالتزامات". وصرح "بن علوي" قائلا أيضا: "لا نقول إن الطريق أصبح سهلا ومفروشا بالورود، لكن أولويتنا هي وضع حد للصراع، والانتقال إلى عالم جديد".

ومن الصعب قراءة إعلان إنشاء سفارة عُمان وتوقيته على أنه شيء منفصل وغير متعلق بورشة البحرين. ولا تبشر "صفقة القرن" التي تتبناها الإدارة بالأمريكية بأي أمل لدفع الفلسطينيين والإسرائيليين نحو أي تسوية سياسية دائمة وعادلة.

وبالتالي، تسعى عُمان إلى العمل كحاجز لمنع التوترات بين الحكومة الإسرائيلية والفلسطينيين، تماشيا مع الدور التقليدي لمسقط كجسر دبلوماسي وميسر للحوار في الشرق الأوسط. ومع النظر إلى دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى على نحو متزايد وكأنها "باعت" الفلسطينيين، فإن وجود طرف "محايد" مثل عُمان يوفر قناة للدبلوماسية بين الإسرائيليين والفلسطينيين قد تساعد في تهدئة التوترات الإقليمية.

رؤية عمان

لكن يبقى مصدر القلق الرئيسي هو أن تعلن إدارة "ترامب" اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية برمتها، لا سيما مع اقتراب السباق الرئاسي الأمريكي، مما قد يؤدي إلى عنف أكبر، ليس فقط في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولكن أيضا في أماكن أخرى في المنطقة.

وقد سلطت عمليات "التخريب" ضد السفارة البحرينية في العراق بعد يوم واحد من ورشة البحرين الضوء على مدى تصور الرأي العام العربي لـ"خيانة" دول مجلس التعاون الخليجي للقضية الفلسطينية، ووضحت كيف يمكن أن تحول الضغوط الأمريكية الحكومات الخليجية إلى أهداف لرد فعل عنيف من جانب الشعوب.

وفيما كسرت إدارة "ترامب" تقليد أسلافها برفضها حل الدولتين كأساس لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، يحتاج شركاء واشنطن العرب إلى الموازنة بين الرأي العام في بلدانهم ومصالحهم في كسب رضا البيت الأبيض.

وبإعلانها عن خطتها لفتح سفارة لها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تظهر عُمان اعتقادها المستمر بأن الدولة الفلسطينية ضرورية لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. ويتعارض هذا مع خطة "كوشنر" التي من شأنها أن تعزز الاحتلال الإسرائيلي. 

ومع إعلان عُمان عن خطة لسفارة في الضفة الغربية، من الممكن أن يتبع بعض الدول الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، خاصة الكويت أو البحرين أو الإمارات، خطى مسقط وتتخذ خطوة مماثلة.

وفي الوقت نفسه، وعبر قبول "نتنياهو" ضيفا لديها قبل أي دولة أخرى من دول مجلس التعاون الخليجي، أظهرت عمان تقدمها على دول الخليج العربي في التحرك نحو إقامة علاقة سياسية مع (إسرائيل).

ولا تعد هذه المشاركة رفيعة المستوى أمرا جديدا بالنسبة للسياسة الخارجية العمانية؛ فقد استضافت عُمان أول زيارة قام بها زعيم إسرائيلي إلى دول مجلس التعاون الخليجي، عندما زار رئيسا الوزراء "إسحاق رابين" و"شيمون بيريز" البلاد، في ديسمبر/كانون الأول 1994 وأبريل/نيسان 1996 على التوالي.

وفي هذا السياق تظهر رغبة عمان الطويلة في تسهيل الحوار كوسيلة وحيدة لمعالجة الخلافات السياسية في جوار السلطنة المباشر المتقلب، أو منطقتها الأوسع المضطربة.

** المقال المنشور يعبر عن رأي كاتبه

المصدر | كريتسيان أولريخسن وجورجيو كافييرو - معهد الشرق الأوسط