السبت 24 أغسطس 2019 01:07 م

خرجت الكثير من التكهنات حول من يقف وراء أربعة انفجارات في مواقع مرتبطة بإيران في العراق، لكن لا يوجد دليل قاطع. ولم تستنتج السلطات بعد إن كانت الانفجارات جميعها متعمدة، لكن الأدلة تشير إلى حالات تخريب متعمدة وضربات جوية.

وإذا كان الأمر كذلك، تبرز (إسرائيل) على رأس قائمة الجناة المحتملين. ويؤدي هذا إلى شكوك بأن (إسرائيل) ربما تكون على وشك توسيع حملتها المناهضة لإيران من سوريا إلى العراق كجزء من استراتيجيتها الإقليمية للحد من التهديد الذي تشكله الجمهورية الإسلامية.

ولكن إذا كانت (إسرائيل) تفكر في تضييق الخناق على إيران عبر توسيع حملتها لتشمل العراق، فقد تجد أن بغداد أرض أكثر خطورة من دمشق، وقد تتسبب بذلك في عواقب وخيمة لحليفها الأمريكي القوي والسلام الإقليمي ككل.

الفاعل المجهول

لكن أولا، فلنستعرض الحوادث المعنية. في البداية، وقع انفجار في قاعدة لوحدة تابعة لقوات "الحشد الشعبي" في محافظة صلاح الدين شمال بغداد في 19 يوليو/تموز.

وألقت بعض المصادر المحلية باللوم على الولايات المتحدة و(إسرائيل) في الحادث.

وبعد عدة أيام، ظهرت تقارير عن وقوع انفجارات في قاعدة أخرى لوحدة من "الحشد الشعبي" بالقرب من الحدود الإيرانية.

ثم، في 12 أغسطس/آب، هز تفجير مستودع ذخيرة مرتبط بـ "الحشد الشعبي" أيضا جنوب بغداد، بالقرب من قاعدة "الصقر" العسكرية.

ومؤخرا، في 20 أغسطس/آب، أصابت الانفجارات منشأة لتخزين الأسلحة بالقرب من قاعدة "بلد" الجوية في العراق، على بعد 80 كم إلى الشمال من بغداد، في موقع مرتبط بـ "الحشد الشعبي".

وأشارت صور الأقمار الصناعية اللاحقة إلى أن كل موقع من هذه المواقع قد تعرض لأضرار كبيرة، في حين تشير بعض الأدلة إلى أن السبب في التدمير الحاصل يعود لغارات جوية.

وترددت الحكومة العراقية نفسها في إلقاء اللوم، على الرغم من أنها قالت إن غارة جوية بطائرة دون طيار تسببت في انفجار 12 أغسطس/آب، مما دفع رئيس الوزراء "عادل عبدالمهدي" إلى التهديد بإسقاط أي طائرة أو مركبة جوية تحاول شن هجوم آخر.

وإذا أثبت الدليل أن الانفجارات لم تكن مصادفة، فمن المحتمل أن تتجه الأنظار إلى (إسرائيل)، ويعود السبب في ذلك إلى حد كبير إلى أن لديها الدافع والوسائل والفرصة السانحة للقيام بهذه العمليات.

وكانت كل المواقع مرتبطة بالصواريخ الباليستية الإيرانية، التي أعلنت "رويترز" عن وجودها في العراق للمرة الأولى في أغسطس/آب عام 2018.

ووقع حادث 12 أغسطس/آب، على سبيل المثال، في مخزن مرتبط بـ "سيد الشهداء"، وهي ميليشيا مرتبطة بشكل وثيق بالحرس الثوري الإسلامي الإيراني ومنظمة "بدر" الحليفة لإيران.

ولدى (إسرائيل) دافع عسكري قوي لضرب مثل هذه المواقع. وتحاول إيران تحويل بعض أصولها إلى العراق، بعد الضربات الإسرائيلية المتكررة ضد معداتها في سوريا.

وتريد إيران، التي تسعى إلى زيادة نفوذها في العراق، إنشاء جبهة جديدة لردع الهجمات الإسرائيلية على أصولها.

ولدى (إسرائيل)، بدورها، سبب لاتخاذ إجراء عدواني لمنع هذا التراكم من خلق وسيلة ردع حقيقية في مسرح جديد منفصل عن الجبهة اللبنانية المتمثلة في "حزب الله".

وبالإضافة إلى الحوافز العسكرية، فلدى (إسرائيل) الدافع السياسي لشن الهجمات؛ فحزب الليكود، الحزب الحاكم في البلاد، يحتاج للتحرك لتلبية تهديدات رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" - منذ سبتمبر/أيلول 2018 - بأن (إسرائيل) ستتخذ إجراءات في العراق، كجزء من محاولته للفوز بالأصوات في انتخابات 17 سبتمبر/أيلول. وسيكون التنافس شرسا هذه المرة، وبالنسبة لحزب الليكود، فإن لكل صوت واحد أهميته.

وتملك (إسرائيل) أيضا الوسائل لشن مثل هذه الهجمات. ويستطيع جهاز الاستخبارات الخاص بها رؤية الأهداف والقيام بأعمال التخريب على الأرض. ويفتخر سلاح الجو الإسرائيلي أيضا بأحدث التقنيات التي أظهرها في الهجمات في سوريا ضد القوات الإيرانية.

وأخيرا، لدى الإسرائيليين الفرصة لفعل ذلك. حيث يستخدم الإسرائيليون نفس الطائرات التي تستخدمها الولايات المتحدة، مما يجعل من الصعب تعقب الهجمات وربطها بـ (إسرائيل) مباشرة.

ويعد هذا مفيدا بشكل خاص للإسرائيليين، بالنظر إلى أن الأمريكيين ما زالوا نشطين في العراق في العمليات المستمرة ضد فلول "الدولة الإسلامية".

وحتى لو تمكن العراقيون من التعرف على الطائرة على أنها طائرة إسرائيلية معادية، وسط غابة من الطائرات الأمريكية المماثلة، فإنهم يفتقرون إلى الدفاعات الجوية أو القوة الجوية القادرة على إيقافها، على النقيض بشكل واضح من سوريا، حيث تعوق الدفاعات الجوية الروسية العمليات الإسرائيلية.

وأخيرا، بالإضافة إلى هذه الفرصة، لا يزال الجهد الإيراني لنقل مخزونات الصواريخ إلى العراق في مراحله الأولى، ومن خلال ضرب هذا المخزون في بداياته، يكون لـ (إسرائيل) فرصة أكبر لإلحاق الأذى بطهران الآن، أكثر مما لو انتظرت حتى يتم تأسيس وجود إيراني أقوى.

معضلة إقليمية

وإذا كانت (إسرائيل) تنوي توسيع عملياتها المناهضة لإيران لتشمل العراق، فستكون هناك تداعيات كبيرة على العراق والولايات المتحدة وإيران، و(إسرائيل) نفسها. وبالنسبة للعراقيين، فإن تحرك (إسرائيل) لنقل القتال إلى أراضيهم سوف يثير المشاكل السياسية الداخلية التي تؤثر على العلاقات الخارجية لبغداد، خاصة وأن معظم العراقيين يكرهون أن يروا أن بلادهم أصبحت ساحة معركة بالوكالة بين إيران من جهة و(إسرائيل) والولايات المتحدة من جهة أخرى.

وفي مثل هذا السيناريو، فإن العراقيين من مختلف المشارب السياسية، بما في ذلك القوميين مثل "مقتدى الصدر"، مرورا بالجهات المؤيدة لإيران مثل "هادي العامري" من لواء "بدر"، إلى المتظاهرين والسياسيين المناهضين لإيران، مثل العناصر المناهضة لطهران التي قادت احتجاجات البصرة والأحزاب السياسية السنية، سيتحدون جميعا للضغط على "عبدالمهدي" لمنع مثل هذه الانتهاكات للسيادة الوطنية.

وسوف يضاعف هذا الضغط، بالطبع، الاضطرابات في النظام السياسي العراقي، مما يخلق مشاكل دبلوماسية لبغداد مع عاصمتين لا يمكنها تحمل مواجهتهما، وهما واشنطن وطهران.

وسوف يسعى البعض إلى معاقبة الولايات المتحدة، لأن العراق لا يستطيع الانتقام المباشر من (إسرائيل) نفسها.

ومن شأن هذا أن يعقد العلاقة الأمنية الأمريكية مع بغداد، ويعرض الأصول الأمريكية في العراق للانتقام. وقد يأتي الرد العنيف من قوات "الحشد الشعبي" التي قد تستخدم الطائرات بدون طيار أو الغارات الجوية أو العمليات التخريبية. نتيجة لذلك، قد تواجه القوات والأصول المرتبطة بالولايات المتحدة غضب الفصائل المعارضة لواشنطن والقوات المعادية لـ (إسرائيل) داخل العراق.

وبينما تعد الولايات المتحدة هدفا واضحا للقوات الموالية لإيران في العراق، تبقى هناك دول أخرى في مرمى الخطر نظرا لتقاربها مع (إسرائيل)، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين.

وفي يونيو/حزيران، هاجم المتظاهرون العراقيون سفارة البحرين في بغداد، بعد أن طرح وزير خارجية المنامة علنا فكرة تطبيع العلاقات مع (إسرائيل)، كما يمكن أن تصبح السفارات والأصول الأخرى المرتبطة بهذه الدول أهدافا.

وقد يعطل مثل هذا الغضب مشروعات مثل بناء السعودية لملعب كرة قدم جديد ضخم في العراق.

الغضب ضد إيران

لكن هناك فصائل أخرى تلوم إيران، وتضغط على بغداد بسبب علاقتها بطهران. وبالفعل، يثير سلوك وحدات "الحشد الشعبي"، المدعومة من إيران، المزيد من الفصائل القومية والسنية والمناهضة لإيران.

وعلى الرغم من المحاولات المتكررة لدمج قوات "الحشد الشعبي" داخل الجيش العراقي، تواصل الميليشيات مقاومة سيطرة بغداد، مما أغضب العديد من العراقيين الذين يشعرون بالقلق من قوتها.

ومن المحتمل أن يعتبر بعض المواطنين موالاة هذه الوحدات لإيران ورفضها الاندماج الكامل في الجيش العراقي هو سبب أي هجوم إسرائيلي. وسيؤدي ذلك لاحقا إلى تغذية التوترات داخل العراق، مما يهدد قدرة بغداد على القيام بعمليات ضد العديد من الجماعات المسلحة، بما في ذلك "الدولة الإسلامية"، التي ما زالت موجودة في العراق، بالإضافة إلى الإضرار بعلاقتها مع إيران.

وإذا كانت القوات الإسرائيلية ستبدأ حملة متواصلة ضد الأصول الإيرانية المتمركزة في العراق، فسوف يخلق ذلك مشاكل للجمهورية الإسلامية بما يتجاوز مجرد الوكلاء والعتاد في جارتها الغربية. فمن ناحية، من شأن ذلك أن يجهد بشكل خطير مصداقية الاستراتيجية الإقليمية لإيران في استخدام وكلاء غير "حزب الله" لردع (إسرائيل). وبالتالي، سيكون لهذا تداعيات محلية في الداخل؛ حيث سيواجه الجناح المسؤول عن العمليات في الخارج في الحرس الثوري الإيراني، "فيلق القدس"، تحديات إذا فشل في تحقيق النتائج التي وعد بها ضد (إسرائيل).

ثم هناك احتمال حدوث توتر أكبر مع الولايات المتحدة. ففي حالة تصاعد الغضب العراقي ضد (إسرائيل) بما يكفي لإثارة الهجمات على القوات أو الأصول الأمريكية، فقد يؤدي الرد الأمريكي الانتقامي إلى جر إيران إلى صراع بالوكالة قد ينتهي بحرب أمريكية إيرانية أوسع.

ونظرا لأن إيران لا تمارس سيطرتها التامة على جميع الوكلاء العراقيين، حيث يتبع العديد منهم أجنداتهم المحلية، يمثل هذا خطرا كبيرا على استراتيجيتها، لا سيما إذا قتلت الغارات الإسرائيلية أعدادا كبيرة من المدنيين العراقيين، أو ضربت أهدافا حساسة خاصة تابعة لقوات "الحشد الشعبي". وحتى في حالة عدم اندلاع حرب إقليمية، فهناك احتمال واضح بأن إيران قد تجد نفسها في صراع بالوكالة مع (إسرائيل) في العراق.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لـ (إسرائيل)؟

وأخيرا، بالنسبة لـ (إسرائيل)، فإن توسيع نشاطها إلى العراق يعد امتدادا ناجحا لاستراتيجيتها المناهضة لإيران، خاصة وأنها تتمتع بالدعم القوي من البيت الأبيض الحالي. وقد تتشجع (إسرائيل) لاجقا على النظر في اتخاذ إجراءات أكثر حزما ضد إيران خارج العراق. ويشمل أحد الخيارات المطروحة العمليات الاستخباراتية في اليمن، حيث أصبح الحوثيون أكثر تكاملا مع الاستراتيجية الإقليمية لإيران، كما يتضح في الآونة الأخيرة من خلال تبرعات الحوثيين لـ "حزب الله"، الذي يعاني من ضائقة مالية متزايدة، والزيارة رفيعة المستوى لإيران من قبل قادة الجماعة المتمردة.

وتشعر (إسرائيل) بالقلق من جبهة اليمن، خشية أن يستهدف الحوثيون الشحن البحري الإسرائيلي عبر باب المندب، وهو الممر المائي بين اليمن وجيبوتي. وكانت العلاقات الوثيقة بين الحوثيين والإيرانيين، وكذلك الرغبة في بناء علاقات مع السعودية والإمارات، قد شجعت (إسرائيل) على توسيع نطاق تبادل المعلومات الاستخباراتية في اليمن مع التحالف الذي تقوده السعودية.

ومع ذلك، تأتي الأعمال الإسرائيلية في العراق مصحوبة بأخطار كبيرة ليس أقلها إمكانية التسبب في إشعال حرب إقليمية. وقد تؤدي عوامل مثل قتل هدف ذي قيمة عالية، أو سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، أو مجرد إثارة درجة عالية من الغضب المحلي ضدها أو ضد الولايات المتحدة، إلى هجمات ضد القوات أو الأصول الأمريكية، مما يزعزع استقرار العراق، ويحتمل أن يتسبب في رد من واشنطن بطريقة تجر المنطقة إلى الحرب. وكانت (إسرائيل) قد نجحت في تنفيذ استراتيجيتها المناهضة لإيران في سوريا بشكل كبير دون التسبب في هذا الحريق الكبير، لكن إذا أرادت شن حملة مماثلة في العراق، فسوف تواجه على الأرجح العديد من المخاطر التي لم تواجهها من قبل.

المصدر | ستراتفور