السبت 24 أغسطس 2019 09:13 م

في الوقت الذي تصوغ فيه مصر وتنفذ برنامج الإصلاح الاقتصادي الخاص بها، يشير خطابها الرسمي باستمرار إلى الصين كمثال إيجابي يُحتذى به. وتعرف مصر "نموذج التنمية الصيني"، كما هو معروف في الصين وفي جميع أنحاء العالم، على أنه نموذج يمزج بين التحديث والتقدم العلمي والاستثمارات الأجنبية والاندماج في الاقتصاد العالمي والمشروعات الضخمة التي تحقق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، وتمكن البلاد من الاستجابة لتحديات النمو المتسارع للسكان والفقر المدقع. علاوة على ذلك، تهدف "قصة النجاح" الصينية إلى مساعدة نظام "عبدالفتاح السيسي" على تبرير النموذج السياسي المطبق في مصر لكل من الجماهير الأجنبية والمحلية. وتعتبر الصين دليلا على أن وجود نظام استبدادي مركزي وفعال يجمع بين المركزية السلطوية وخصائص اقتصاد السوق الحر يعد أمرا ضرزريا لتحقيق الأهداف الوطنية لبلد نام مثل مصر.

وتعكس مناقشة النموذج الصيني اعتراف مصر بالحاجة إلى إصلاح أنظمتها الاقتصادية، لكن من الناحية العملية، يبدو أن النموذج كان حتى الآن بمثابة أداة دعائية ومصدر للإلهام فقط. وفي الوقت نفسه، هناك شكوك كبيرة حول قدرة مصر على تنفيذ النموذج الصيني واحتذائه كمسار شامل للعمل، بسبب الاختلافات في عوامل مثل الممارسات الحكومية وتماسك النظام والبيئات الاقتصادية الإقليمية والدولية بين البلدين.

ما بين ميدان التحرير وساحة تيانانمن

وفي الأعوام الأخيرة، تطلع نظام "السيسي" إلى البلدان التي قد تساعد بخبرتها وإنجازاتها في مجال التنمية الاقتصادية على تعزيز الإصلاحات الاقتصادية في مصر، بما في ذلك "النمور الآسيوية الأربعة" والهند وماليزيا، وحتى (إسرائيل) أحيانا. ومع ذلك، كانت الصين أكثر النماذج التي تم الحديث عنها في مصر. وفي اجتماعه مع الرئيس الصيني "شي جين بينغ" في أبريل/نيسان 2019، أكد "السيسي" على أن مصر مهتمة بالتعلم من تجربة الصين الناجحة في مجال التنمية من أجل تنشيط اقتصادها.

في الوقت نفسه، دعت عشرات المقالات في الصحف والمواقع الموالية للنظام في مصر مؤخرا إلى تقليد النموذج الصيني لتصميم رؤية مصر الاقتصادية في مختلف المجالات، وتطوير الاقتصاد المصري وتحويله إلى اقتصاد إبداعي وتنافسي يتكامل مع الاقتصاد العالمي، مع معالجة تحديات النمو السكاني والفقر، وتطوير التعليم بشكل يلبي احتياجات سوق العمل، والعمل على تعزيز الاستثمار في مجال التكنولوجيا، والتأسيس لنظام اقتصادي لامركزي.

وفي نسخته الأصلية، يتضمن نموذج التنمية الصيني مكونين رئيسيين، أولهما مكون اقتصادي يستنسخ بنجاح عناصر اقتصاد السوق الليبرالي عبر فتح الأسواق الداخلية أمام التجارة والاستثمار الأجنبيين والمحليين، وتعزيز سوق العمل، وتخفيض الضرائب، والاستثمار في تطوير البنية التحتية العامة المتقدمة، مع وجود تمويل متكامل من كل من القطاعين العام والخاص. فيما يدعو المكون السياسي إلى الحفاظ على النظام الاستبدادي أحادي الحزب وتعزيزه، وهو النظام الذي تتمتع فيه المجموعة الموجودة في السلطة بالسيطرة الحصرية على الحكومة والقانون والجيش والأجهزة الأمنية المحلية والتدفق الحر للمعلومات.

ويعد الهدف من هذا النموذج هو خلق توازن بين التنمية الاقتصادية ذات الخصائص الليبرالية المحدودة والاستقرار السياسي الذي يعتمد على الحكم الاستبدادي، والحفاظ على هذا التوازن. وتتعلق ميزة أخرى لنموذج التنمية الصيني بالتنمية الاقتصادية التدريجية، التي تعطي الأولوية للمناطق الجغرافية التي تتمتع بإمكانات للتنمية ولقطاعات اقتصادية مختارة يتك العمل على تنميتها..

وقد أشار نقيب الصحفيين المصري السابق "عبدالمحسن سلامة" إلى الصين بأنها مثال لقدرة البلدان النامية على منافسة الاقتصادات الكبرى في العالم والتفوق عليها. وفي مقال نشره في أبريل/نيسان، كتب أن "المعجزة الصينية" هي نتاج للإصلاحات الاقتصادية بقيادة الزعيم الصيني "دنغ شياو بينغ" (1978-1992)، الذي أقام الصناعات، وطور الطرق السريعة، والبنية التحتية للمياه وشبكات الهواتف والكهرباء، وجعل من الصين هدفا جذابا للاستثمارات الأجنبية.

ووفقا للتشبيه الذي أشار إليه "سلامة"، يركز الإصلاح الاقتصادي بقيادة "السيسي" أيضا على تطوير الطاقة والكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق السريعة والجسور والأنفاق والبنية التحتية للطرق السريعة داخل المدن وبين المدن. وفي تقييمه، ستصبح مصر، مثل الصين، جذابة للاستثمارات الخارجية، مع استقرار سعر الصرف، وتحسن تصنيف البلاد الائتماني، وعودة ثقة المنظمات الاقتصادية العالمية في استقرار البلاد واقتصادها.

وتعكس الإشارة إلى الصين كنموذج رغبة النظام المصري في التعلم من تجربتها وتعميق التعاون المكثف معها في مشروعات المنطقة الصناعية الجديدة بقناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة، وإقامة علاقات تعاون جديدة في مجالات التكنولوجيا والاستثمارات والتجارة والنقل البحري والسياحة وغيرها.

علاوة على ذلك، تهدف المقارنة مع الصين إلى تعزيز ثقة الجمهور المصري في النتائج الإيجابية المنتظرة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي قاده النظام منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2016، بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي، ويهدف التركيز على النجاح الصيني إلى حشد الدعم للتدابير الاقتصادية المؤلمة التي اتخذها النظام مثل تخفيض الدعم على الوقود والمنتجات الغذائية، بدعوى أن ذلك سيحقق نتائج إيجابية على المدى المتوسط ​​إلى الطويل. وبينما يعزو النظام المصري إنجازات الاقتصاد الكلي القوية إلى تدابيره -مع ارتفاع نسبة النمو إلى 5.5% ونمو الاستثمارات الأجنبية بشكل رئيسي في قطاع الغاز- لم تخفف هذه الإنجازات بعد من تكاليف المعيشة المرتفعة التي تثقل كاهل الطبقات الوسطى والدنيا، والفقر المتزايد.

ويعد الحديث عن النموذج الصيني مفيدا للنظام المصري بطريقة أخرى، فهو يمنح الشرعية لذلك النوع من الحكومات الذي بشكل أكبر على الاستقرار والتنمية والبناء، مع إهمال الحرية والديمقراطية. وفي سلسلة من المقالات المنشورة في أبريل/نيسان، يقول "جمال عبدالجواد"، الرئيس السابق لمركز الأهرام، إنه يجب على مصر أن تعطي الأولوية للنموذج الصيني الاستبدادي على النموذج الهندي الديمقراطي، حيث أن الأول فقط قد أثبت نفسه بمرور الوقت عبر تحقيق التنمية الاقتصادية المتسارعة. وفي الواقع، تستند شرعية النظام المصري بين مواطنيه إلى ثقتهم في إنجازاته الأمنية والاقتصادية، وليس على تعهداته بإقامة ديمقراطية تعددية على النمط الغربي.

علاوة على ذلك، تعد الصين حضارة ذات تقاليد قديمة وفريدة من نوعها. وتعتبر مصر ظهورها من جديد كقوة عالمية دليلا على أن أرض النيل ليس عليها أن تتبنى نموذجا غربيا أجنبيا من أجل التقدم، ولديها القدرة على تصميم نموذج "وطني" بما يتفق مع تقاليدها واحتياجاتها وقيمها. وأشار مقال تم نشره في صحيفة "المصري اليوم" اليومية في مايو/أيار 2019 إلى أن الصين تحكم من خلال حزب واحد، ولديها قيود على حرية التعبير، وتتمتع بولاية غير محدودة للرئيس. وبالطبع تعد الرسالة واضحة، وهي أن الإصلاح الاقتصادي الناجح لا يعتمد بالضرورة على الإصلاح السياسي كما فهمت الصين قبل 30 عاما حين أدركت أن القيم الغربية لا تتناسب مع ظروفها، وتمكنت من صد الضغوط الداخلية والخارجية لتبنيها. ويقول المقال: "لو لم تختر الحكومة الصينية وضع حد للمظاهرات في ميدان تيانانمن عام 1989، لكانت إلى اليوم لتتعامل مع تداعيات الربيع الصيني".

الصين كنموذج إقليمي

ويمكن أن يكون لتبني مصر للنموذج الصيني تداعيات إقليمية كذلك. وفي الأعوام الأخيرة، أُثير سؤال حول ما إذا كان نموذج التنمية الصيني قد يتحدى -وربما يحل محل- النموذج الغربي الذي يعزز قيم السوق الحرة والمعايير الليبرالية الديمقراطية في البلدان النامية. وعلى هذه الخلفية، أثار انتصار "السيسي" في الانتخابات الرئاسية في مارس/آذار 2018 وفي الاستفتاء على تعديلان الدستور المصري، في أبريل/نيسان 2019 جدلا حول النموذج الأكثر ملاءمة للدول العربية في حقبة ما بعد "الربيع العربي". وفي نفس الوقت، ينظر السودانيون -الذين أطاحوا مؤخرا بالديكتاتور عمر البشير الذي ظل في السلطة لعقود- إلى ترسيخ النموذج الاستبدادي في مصر كعلامة تحذير فيما يتعلق بالثورات التي حملت وعد الحرية والديمقراطية لكنها انتهت بنظام جديد قديم يقوده الجيش.

وفي المقابل، تخشى مصر من أن يكون للاضطرابات السياسية في الجزائر والسودان تأثير ضار على استقرارها، وتريد حماية النموذج الحاكم الحالي المستوحى من النموذج الصيني والترويج له باعتباره الضامن الأول لاستقرار النظام والأمن وحزر الفخر الوطني والمكانة الدولية. وفي مقال تم نشره في أبريل/نيسان، تساءل "هاني عسل" محرر الأخبار الأجنبية في الأهرام اليومي، بسخرية عما إذا كان منتقدو النموذج المصري "هم من محبي النموذج اليمني أم أنهم متحمسون للنموذج السوري ومفتونون بالنموذج الليبي". وبالتالي، يؤكد الخط الرسمي في القاهرة أن النظام الاستبدادي وحده هو الذي سيحمي مصر من الإرهاب والانزلاق إلى الفوضى.

الدلالات

يشغل النموذج الصيني إذن موقعا مركزيا في جهود النظام المصري لإضفاء الشرعية على تدابيره الاقتصادية المصممة لتحقيق ثمارها الكاملة على المدى المتوسط ​​إلى الطويل. وتهدف المقارنة بين مصر والصين إلى تخفيف غضب الجمهور المصري تجاه محنته الحالية، وربطه بأحلام الرفاهية الموعودة في المستقبل.

ومع ذلك، كما أوضح كبار المسؤولين في الأوساط الأكاديمية والحكومة الصينية، من الصعب نسخ نموذج يناسب الخصائص الفريدة للصين وتطبيقه على البلدان النامية الأخرى التي تواجه تحديات مختلفة، ويلزم التعامل مع مختلف المناطق الإقليمية والبيئات الدولية وفق ما تقتضيه ظروفها وتحدياتها الخاصة. لذلك، في حين أن مسار الصين وإنجازاتها قد تخدم مصر كمصدر للإلهام في التعامل مع مجموعة متنوعة من التحديات الأساسية، فلا يعني هذا أن مصر لديها القدرة على نسخ وتبني نموذج التنمية الصيني كخطة عمل شاملة.

وكما هو موضح في تقارير صندوق النقد الدولي الصادرة في يوليو/تموز 2019، فإن تعظيم إنجازات برنامج الإصلاح الذي نفذته مصر منذ عام 2016 يعتمد على عدم التقيد المفرط بالمركزية، ولكن على اتخاذ تدابير لتعزيز الإصلاحات الهيكلية في اقتصادها بشكل أكبر. ويشمل ذلك الحد من مشاركة الدولة في إدارة الاقتصاد، وجعل القطاع الخاص محركا للنمو، وزيادة شفافية الشركات المملوكة للدولة. وفي موازاة ذلك، قد تأخذ مصر عناصر من النموذج الصيني تتسق مع توصيات صندوق النقد الدولي، بما في ذلك تحقيق التوازن بين السيطرة المركزية والحاجة إلى تحرير الاقتصاد، وخلق مناخ سهل وآمن لجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، والتدريب عالي الجودة للقوى العاملة الفعالة، من خلال الاستثمار في التعليم التكنولوجي والعلمي المتقدم.

وفي هذه المرحلة، يبدو أن مصر تسعى إلى الجمع بين عناصر نموذج التنمية الغربية ونموذج التنمية الصيني الذي يشبه في بعض ميزاته الاقتصادية النموذج الغربي، لكنه يرفض ميزاته السياسية. وسوف يتأثر وضع نظام "السيسي" إلى حد كبير في الأعوام المقبلة بمدى نجاح هذه الاستراتيجية في تحقيق الازدهار الاقتصادي في مصر وعلاج آلام شعبها.

المصدر | معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي