الاثنين 2 سبتمبر 2019 05:27 ص
  • بوتن مصمّم على تغيير واقع إدلب مستغلا خلافات أميركية تركية حول «المنطقة الآمنة» شمال شرقي سوريا.
  • خطط روسيا لإنهاء الحرب وإعادة الإعمار لن تحظى بتعاون أوروبي أو أميركي إذا تسببت بمزيد من التهجير.
  • توافق دولي على تصفية «هيئة تحرير الشام» وأشباهها: هدفٌ مكلف يُراد لتركيا إنجازه وحدها وإذا تُرك لروسيا والنظام فدمار كبير.
  • تكرار لسيناريوات حرب الغوطة الشرقية وسياسة الأرض المحروقة لكنها ستكون أكثر شراسة لأن إدلب الملاذ الأخير للفصائل.

*     *     *

وقف إطلاق النار في إدلب قد يكون له شيء من المصداقية هذه المرّة، إذ جاء في بيان لوزارة الدفاع الروسية، لكن صيغته تركت علامات استفهام.

فالقرار ليس ثمرة اتصالات بين الأطراف المتقاتلة، النظام والفصائل، أو بين الروس والأتراك، بل نتيجة «اتفاق» بين «المركز الروسي للمصالحة» و «قوات الحكومة السورية»، لوقف النار «من جانب واحد».

ولعلها سابقة أن يتفق جانبان مهاجمان، هما الروس والنظام، على خطوة كهذه، علماً بأن الاتصالات الروسية - التركية لم تنجح في ذلك، حتى أن اللقاء الأخير في موسكو، بين الرئيسين فلاديمير بوتن ورجب طيب أردوغان، لم يتطرّق إلى هدنة!

ثم إن صيغة البيان توحي بأن روسيا وسيط وليست طرفاً، وأنها توسّطت لدى النظام ولم تأمره، غير أن المراقبين يعتبرون جميعاً أن وقف النار واستئناف القتال قراراً روسياً أولاً وأخيراً.

أرادت موسكو على الأرجح أن تُجهض ضغوطاً دولية في مجلس الأمن، حيث كان يُناقش مشروع قرار يطالب بوقف القتال واستهداف المدنيين والمنشآت المدنية، كالمرافق الطبية وغيرها، فضلاً عن التحذير من موجات نزوح تقدّر بمليوني شخص.

أي نصف عدد السكان الحالي الذين تجمّعوا في محافظة إدلب نتيجة حروب المناطق الأخرى. تركيا لم تعد قادرة على استيعاب المزيد من اللاجئين، ولا قادرة على فتح ممرات لهم إلى خارجها بعد اتفاقات بينها وبين دول الاتحاد الأوروبي.

وروسيا تدرك أنها ملزمة بمراعاة سلامة المدنيين، حتى لو لم تكن الاعتبارات الإنسانية من هواجسها، ذاك أن خططها لإنهاء الحرب وإعادة الإعمار لن تحظى بتعاون أوروبي أو أميركي إذا تسببت بمزيد من التهجير.

لذلك اختار بوتن توقيع اتفاق سوتشي مع أردوغان (17 سبتمبر 2018) لترتيب الوضع في إدلب، ولم يخفِ الروس أن هذا الاتفاق محدودٌ زمنياً ومشروط بما تحقّقه تركيا على الأرض.

ما حدث مذّاك كان عكس التوقّعات، فبين هجمات متكررة للنظام وعدم تعاون «هيئة تحرير الشام/ جبهة النصرة سابقاً» وتوسيع سيطرتها في عموم إدلب، فضلاً عن تكاثر الهجمات على القاعدة الروسية في حميميم، اعتبرت موسكو أن مسار اتفاق سوتشي لم يُجْدِ.

فيما وجدت تركيا نفسها في مأزق لا يمكن حلّه بالدبلوماسية أو بجهود الأجهزة. ومنذ أبريل الماضي اندلعت معارك عنيفة اضطر الروس أوائل أغسطس لإقحام قوات برية فيها وانتزاع السيطرة على خان شيخون لتأمين الطرق الدولية بين المدن الكبرى.

وفي الأيام الأخيرة بدأت المرحلة التالية التي يعتقد أنها ستستمر، وإنْ طالت، لاستكمال مدّ سيطرة النظام على إدلب. هناك تكرار لسيناريوات حرب الغوطة الشرقية، بما تخللها من سياسة الأرض المحروقة، لكنها ستكون أكثر شراسة؛ لأن إدلب شكّلت الملاذ الأخير لمقاتلي الفصائل، سواء تلك المصنّفة معارضة أو إرهابية.

قد يكون وقف النار الذي رتّبه الروس من قبيل تفعيل اتفاق سوتشي، وإعطاء فرصة جديدة لتركيا التي باتت مدركة أن بوتن مصمّم على تغيير الواقع في إدلب عما هو عليه الآن، وأنه يستغلّ التباينات بين الأميركيين والأتراك حول «المنطقة الآمنة» في شمال شرقي سوريا.

كل ذلك يضع تركيا تحت ضغوط هائلة في سعيها إلى إنقاذ مصالحها من جهة وإنقاذ إدلب من جهة أخرى. لكن المسكوت عنه أن ثمة توافقاً دولياً على تصفية «هيئة تحرير الشام» وفصائل «القاعدة» الأخرى، وهذا هدفٌ مكلف يُراد لتركيا أن تتصدّى له وحدها، وإذا تُرك لروسيا والنظام فثمنه دمار كبير.

  • عبدالوهاب بدرخان - كاتب وصحفي لبناني
المصدر | العرب القطرية