الثلاثاء 3 سبتمبر 2019 11:05 ص

انسحاب مفاجئ.. تقارب مع إيران.. انقلاب ميليشيات موالية على الحكومة المدعومة من السعودية في عدن..

3 مؤشرات على المدى الذي وصل إليه تصدع التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، والذي تمثل الإمارات شريكه الرئيس.

وفي الوقت الذي حاول فيه القادة السعوديون والإماراتيون التقليل من شأن هذا الصدع، يؤكد القتال الأخير في عدن أن المصالح السعودية والإماراتية في اليمن باتت متضاربة غالبا، بما يختلف كثيرا عن ما كانت عليه العلاقة بين البلدين في بداية تدخل التحالف باليمن في مارس/آذار 2015 وعلى مدى أكثر من 4 سنوات من الحرب هناك. 

فالأولوية الأولى للسعودية تتمثل في تأمين حدودها الجنوبية ضد الحوثيين، الذين تلقوا الدعم من إيران، ولذلك ركزت الرياض جهودها على محاربة الحوثيين في الشمال، ودعمت حكومة الرئيس اليمني "عبدربه منصور هادي" باعتبارها الكيان الوحيد الذي يحظى بالاعتراف الدولي.

أما أولولية الإمارات فتتمثل في توسيع نطاق وصولها العسكري والاقتصادي إلى القرن الأفريقي ومضيق باب المندب، وهو رابط حيوي على طريق التجارة العالمية، إضافة إلى القضاء على تيارات الإسلام السياسي في اليمن، التي يمثل حزب الإصلاح رأس الحربة فيها.

وجاء التصعيد الإيراني بالخليج ليضيف المزيد من عوامل تصدع التحالف السعودي الإماراتي، رغم نظرة القادة بالبلدين إلى طهران كتهديد، إذ اتجهت الإمارات إلى إعادة تقارب تدريجي مع إيران مؤخرا، وأرسلت وفدا إلى طهران لمناقشة الأمن البحري في الخليج، بعدما تيقنت أنها الأكثر عرضة للضرر في أي مواجهة بالخليج بسبب قربها الجغرافي وعلاقاتها التجارية الكبيرة مع طهران.

وتسعى أبوظبي عبر نهجها الجديد  إلى الابتعاد عن أن تكون هدفا في متناول إيران حال اندلاع صراع إقليمي، خاصة أنها الشريك الأمني الأهم بالولايات المتحدة في المنطقة، وتضم أراضيها منشآت من المحتمل أن تستخدمها الولايات المتحدة في أي حرب محتملة مع إيران، بما في ذلك قاعدة "الظفرة" الجوية، وميناء "جبل علي".

كما أن الهجمات المتتالية على ناقلات النفط في مضيق هرمز باتت تمثل تهديدا خطيرا للإمارات سياسيا واقتصايا، فضلا عن التهديدات الأخرى التي ستتعرض لها طرق الشحن الدولية.

وكشف هذا بدوره عن شقاق أوسع بين مقاربات السياسة الإقليمية لشريكي التحالف الرئيسيين في اليمن.

وإزاء ذلك، باتت السعودية بحاجة إلى إعادة تموضع إقليمي، بما يسفر عن حلحلة تكلس موضعها الحالي، لكن كيف يتم لها ذلك في ظل قطع علاقاتها بإيران وقطر وتردي علاقاتها بتركيا؟

الإجابة المثلى كانت في محاولة إقناع الإماراتيين بالتراجع عن نهجهم الجديد، وقطع دعمهم لميليشيات المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، أو على الأقل رفع هذا الدعم في مواجهة القوات الحكومية المدعومة سعوديا، وهو ما أكدته مصادر صحيفة "نيويورك تايمز" (2 أغسطس/آب) وأن المسؤولين في الرياض حاولوا الوصول إليه حثيثا بالفعل.

لكن ما جرى في عدن وغيرها من مدن الجنوب اليمني، والانسحاب الإماراتي المفاجئ من أغلب مواقعها هناك، فضلا عن نهج أبوظبي الجديد في التعامل مع طهران، وضع حاجزا عمليا أمام هكذا محاولة، خاصة أن إمكانية تطبيع العلاقات مع طهران ليس خيارا لدى الرياض، التي بنت تحالفاتها الأمنية والاستخباراتية بالولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي على أساس التكتل ضد الجمهورية الإسلامية.

ولذا لم يعد أمام الرياض لإعادة التموضع سوى إعادة النظر بعلاقاتها مع قطر أو تركيا من جانب، أو تبني استراتيجية "إعادة تموضع محلية في اليمن"، عبر إبقاء الوضع على ما هو عليه إقليميا، وحصر خلافها مع الإمارات في نطاق يمني محلي.

تركيا وشبح "خاشقجي"

وبينما يستند مراقبون في الحكم بصعوبة إعادة تقارب السعودية وتركيا مجددا إلى تعقد قضية اغتيال الصحفي "جمال خاشقجي" داخل قنصلية المملكة بمدينة إسطنبول في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، يرى آخرون أن رد فعل ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" بعد أيام من الجريمة يؤشر إلى إمكانية هكذا تقارب.

فالحاكم الفعلي للسعودية امتدح "رجب طيب أردوغان" في مؤتمر الاستثمار الذي نظمته الرياض (24 نوفمبر/تشرين الأول 2018) مؤكدا أن أحدا لن يستطيع إحداث شرخ في العلاقات بين الرياض وأنقرة طالما كان هو والرئيس التركي على رأس السلطة في البلدين، ما يؤشر إلى أن الرياض لا تستبعد إمكانية التنازل بهذا الملف إذا اضطرتها المستجدات الإقليمية لذلك.

لكن تطور العلاقة بين البلدين، منذ تصريح "بن سلمان"، وتمسك تركيا بمحاسبة "كل المسؤولين" عن جريمة اغتيال "خاشقجي" على أراضيها وحتى اليوم يسير باتجاه اتساع الهوة بينهما، خاصة في ظل حملة إعلامية أطلقتها المملكة مؤخرا، لدعوة السعوديين إلى عدم السفر للسياحة بتركيا على خلفية دعاوى مزعومة باستهدافهم سواء بالسرقة أو الاختطاف.

ويرى محللون أن الحملة السعودية تأتي في سياق التصعيد، بما يعني استبعاد سيناريو التقارب مع أنقرة لدواعي الضرورة الإقليمية، بينما يرى آخرون أنها قد تكون ورقة ضغط على "أردوغان" لتمرير إغلاق قضية "خاشقجي" دون معارضة تركية في مقابل امتيازات تقدمها، في ظل ضغوط اقتصادية تعانيها تركيا.  

رفع حصار قطر

ثمة سيناريو ثان، ترجح مصادر دبلوماسية خليجية أنه ربما يكون الأقرب إلى التعاطي السعودي، وهو إمكانية اتجاه الرياض إلى حلحلة الأزمة الخليجية عبر إعادة تطبيع العلاقات مع قطر، ولو جزئيا.

وتفيد المصادر، في هذا السياق، بأن إشارات سعودية وصلت إلى الكويت عن رغبة الرياض في حلحلة الأزمة الخليجية وإعادة إحياء جهود الوساطة الكويتية بشأنها، وفقا لما نقله موقع "العربي الجديد". 

وربطت المصادر بين رسالة ملك السعودية "سلمان بن عبد العزيز" إلى أمير الكويت "صباح الأحمد الجابر الصباح"، التي حملها وزير الدولة السعودي "تركي بن محمد بن فهد آل سعود"، ورسالة أمير الكويت إلى نظيره القطري "تميم بن حمد آل ثاني"، الخميس الماضي، والتي جاءت بعد أقل من يوم من استقبال أمير الكويت للمسؤول السعودي، ما يؤشر إلى مستجدات استدعت من أمير الكويت إعادة إحياء جهود المصالحة التي توقفت سابقا.

ولذا بادر أمير الكويت بإرسال رسالة خطية إلى أمير قطر حملها، يوم الخميس الماضي، رئيس مجلس الأمة الكويتي "مرزوق الغانم"، ولم تمضِ أيام قليلة حتى حمل الممثل الشخصي لأمير قطر، الشيخ "جاسم بن حمد آل ثاني"، أمس الإثنين، الرد القطري على الرسالة الكويتية.

وتحدثت المصادر عن احتمال إطلاق مبادرة جديدة من أمير الكويت، تلقي حجراً كبيراً في المياه الخليجية، التي حركتها إشارات سعودية تريد حلحلة الأزمة، فكانت رسالة أمير الكويت التي استدعت رداً قطرياً.

ولم تذكر المصادر أي مشاركة إماراتية في مساعي الحلحلة المحتملة، بما يعني أن السعودية قد تمضي قدما في التقارب مع قطر منفردة.

وفي حال تحقق هكذا سيناريو، تتجه ترجيحات المحللين إلى اتجاه مماثل من جانب مملكة البحرين، التي تتبنى نهج تبعية مطلقة للرياض في سياستها الخارجية، واستمرار للقطيعة بين أبوظبي والدوحة على الأرجح.

هروب للأمام

أما السيناريو الثالث فيتمثل فيما يعتبرها محللون استراتيجية سعودية للهروب إلى الأمام، بما يعني تبني الرياض لإعادة تموضع إقليمية بشكل منفرد، عبر سد فراغ القوات الإماراتية المنسحبة من اليمن، وحصر نطاق الخلاف مع أبوظبي في إطاره المحلي، مع الإبقاء على شبكة علاقاتها الإقليمية كما هو دون تغيير.

وبينما يرى المرجحون للسيناريو الأول والثاني أن انسداد أفق التحالفات الإقليمية سيجبر الرياض على "أكل الميتة"، يرى مرجحو السيناريو الثالث أن الطبيعة الشخصية لولي عهد السعودية وحاكمها الفعلي، المعروف بسلطويته المطلقة، لن تدفع بهكذا اتجاه.

وفي إطار الترجيح الثالث، نوهت مجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكية إلى أن التحالف بين السعودية والإمارات قد لا يتفكك بالضرورة رغم تطورات اليمن؛ لأن "العلاقة الشخصية الوثيقة بين حاكم الأمر الواقع بالسعودية محمد بن سلمان وولي عهد أبوظبي، حاكم الأمر الواقع أيضا محمد بن زايد تمثل أساسا راسخا له".

كما أكدت مصادر موقع "تاكتيكال ريبورت" الاستخباراتي (15 أغسطس/آب) أن الرياض يمكنها غض الطرف عن التقارب بين أبوظبي وطهران؛ لأن "الخلافات العميقة بين الإمارات والسعودية حول اليمن لا إيران".

وقد يمثل فتح السعودية لخطوط اتصال وثيقة مع المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن مفتاحا لتحقيق هذا السيناريو، خاصة أن لدى المجلس بقيادة حاكم عدن السابق "عيدروس الزبيدي" جميع الأدوات اللازمة لممارسة المهام الحكومية.

لكن الرياض قد تواجه صعوبة كبيرة في تلبية رغبات المجلس ذي النزعة الانفصالية، وإدارة الميليشيات الأخرى المدعومة من الإمارات، مثل قوات "الحزام الأمني"، ​​وقوات النخبة الشبوانية والحضرمية، وكتائب "أبو العباس".

المعادلة السعودية بالغة الصعوبة إذن، ولا حل لها إلا بإعادة تموضع خارج اليمن أو داخله.. وفي كل الاحتمالات سيلزم الرياض على الأرجح الاستعداد لتقديم تنازلات مؤلمة.

المصدر | الخليج الجديد