الأحد 8 سبتمبر 2019 09:05 م

استقال "جيسون دوف غرينبلات"، المبعوث الخاص للمفاوضات الدولية في إدارة "ترامب"، في 5 سبتمبر/أيلول، وكان "غرينبلات"، إلى جانب مستشار وصهر "ترامب"، "جاريد كوشنر"، وسفير واشنطن لدى (إسرائيل)، "ديفيد فريدمان"، مسؤولين عن صياغة خطة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المستمر منذ عقود.

وربما يعود قرار "غرينبلات" بالاستقالة قبل أن تعلن الإدارة عن تفاصيل ما يسمى بـ "صفقة القرن"، التي تعرف أيضا باسم "خطة كوشنر - غرينبلات"، ربما يعود جزئيا إلى الانتقادات الشديدة التي تم توجيهها إلى الخطة بالفعل.

وبغض النظر عن السبب، يترك "غرينبلات" وراءه إرثا مظلما سيؤدي إلى تشويه السياسة الخارجية للولايات المتحدة لوقت طويل بعد مغادرة "دونالد ترامب" نفسه للبيت الأبيض.

وكان "غرينبلات" وآخرون في الإدارة وراء قرارات مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لـ (إسرائيل)، وقطع تمويل الولايات المتحدة لوكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وانحياز البيت الأبيض لحكومة رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" إلى أقصى حد ممكن.

ومن المحبط أنه من الصعب تخيل كيف يمكن لإدارة أمريكية مستقبلية أن تعكس الضرر الناجم عن مثل هذه السياسات المتشددة المناهضة للفلسطينيين.

ببساطة، كانت خطة "كوشنر - غرينبلات" ميتة قبل أن تولد، فقد رفضها جميع الفلسطينيين تقريبا عبر الطيف السياسي الفلسطيني.

وعلى الرغم من أن تفاصيلها لم يتم نشرها بعد، فقد تم تسريب بعض المعلومات حول الخطة، التي تؤكد أنها ستشكل نهاية للدعم الأمريكي الاسمي لحل الدولتين، وعلى أساس ما نعرفه بشأنها، فإن "صفقة القرن" ستدعم احتلال (إسرائيل) للأراضي الفلسطينية، وتلزم الفلسطينيين بقبول حالة مهينة دائمة مقابل بعض المال الذي أراد البيت الأبيض استخراجه من جيوب الدول العربية الغنية بالنفط في مجلس التعاون الخليجي تحت مسمى "التنمية الاقتصادية الفلسطينية".

ولكن في النهاية، لم تكن استقالة "غرينبلات" غالبا بسبب الفشل المحتمل لـ"صفقة القرن" ولكن بسبب الإرث الذي أنجزه المبعوث بالفعل.

وكما أوضح "مايكل يونغ"، كبير المحررين في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، فقد لعب "غرينبلات"، وهو محام سابق في منظمة "ترامب"، دورا مهما في التحالف الحميمي بين البيت الأبيض وحكومة "نتنياهو".

وعلى الأرجح، فقد تم تقويض أي أمل في حل الدولتين بشكل لا رجعة فيه بسبب مواقف حكومة "ترامب" المؤيدة لـ"نتنياهو"، ومن المحتمل بشدة أن يعترف "ترامب" في أي وقت قادم قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة بشرعية السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، ما يزيد من تقويض أي جهد أمريكي مستقبلي لتقريب الفلسطينيين والإسرائيليين عبر سلام عادل ودائم.

وفي الواقع، هذا هو إرث "غرينبلات" كدبلوماسي أمريكي.

ومما لا شك فيه أن الفلسطينيين يشعرون بالارتياح بعد إعلان استقالة "غرينبلات"، الذي أيد أكثر مواقف الحكومة الإسرائيلية تطرفا، لكن "غرينبلات" كداعم مؤيد لاستعمار (إسرائيل) للضفة الغربية والقدس الشرقية، دفع بجدول أعمال لم يكن خطيرا على الفلسطينيين فحسب، بل على مستقبل الدولة اليهودية أيضا.

ومن خلال محو عقود من المفاوضات التي تهدف إلى التوصل إلى حل الدولتين بما يتماشى مع الإجماع الدولي حول كيفية حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، تركت الولايات المتحدة (إسرائيل) في وضع أسوأ.

ففي حين يراقب الكثير من الفلسطينيين تقويض حلمهم ومطلبهم الرئيسي بدولة واحدة عاصمتها القدس مع عودة اللاجئين، فإن انهيار إمكانية تحقيق هذا الحلم بشكل تام سوف يدفع الفلسطينيين للجوء للعنف لإنجاز ما لم تنجزه المفاوضات، وهذه هي المعضلة التي لا يمكن حلها.

وبالنظر إلى المستقبل، من خلال تكليف مؤيدي "(إسرائيل) الكبرى" مثل "غرينبلات" بمسؤولية وضع خطة سلام إسرائيلية فلسطينية، أسس "ترامب" وضعا جديدا يغير توازن الصراع بطريقة خطيرة.

وبدون دعم الولايات المتحدة الاسمي لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، تكون احتمالات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين أضعف مما كانت عليه في أي وقت منذ إعلان قيام (إسرائيل) عام 1948.

وبتعيين "غرينبلات"، محامي العقارات الذي يفتقر لأي خبرة دبلوماسية، والذي أظهر انحيازا ساحقا لصالح (إسرائيل)، لقيادة الجهود الرامية إلى حل واحدة من أكثر المشاكل حساسية في الشؤون الخارجية، دفع "ترامب" الفلسطينيين نحو مزيد من اليأس، وألقى (إسرائيل) في معضلة غير قابلة للحل على ما يبدو، وحصر الولايات المتحدة في موقف قوض سمعتها كقوة عظمى رائدة في الشرق الأوسط.

لقد ترك "جيسون غرينبلات" إرثا مظلما وكارثيا، وكما قال "حسين إيبش"، أحد كبار الباحثين المقيمين في معهد دول الخليج العربي في واشنطن: "كان غرينبلات متطرفا خطيرا، لقد كان مناهضا لجميع المصالح الفلسطينية دون استثناء، وألحق أضرارا تاريخية هائلة بالشرق الأوسط وبالولايات المتحدة نفسها".

المصدر | جورجيو كافييرو - لوب لوج