الثلاثاء 10 سبتمبر 2019 03:32 م

منذ أكتوبر/تشرين الأول 2018، تسببت حادثة قتل الصحفي "جمال خاشقجي" في إشعال النيران في العلاقات السعودية التركية. ومع ذلك، تشير بعض التطورات الحديثة إلى أن الجانب التركي قد حاول الوصول إلى العاهل السعودي الملك "سلمان بن عبدالعزيز" في محاولة محتملة للتقارب مع المملكة. ومع ذلك، لا يبدو أن السعوديين قد نسوا جولة "خاشقجي"، وهم يستغلون قوتهم الاقتصادية للضغط على تركيا وقيادتها، في الوقت الذي تواجه فيه وضعا اقتصاديا صعبا ومجالا سياسيا محليا تضربه الخلافات.

تطور العلاقات

وكانت العلاقات الثنائية بين البلدين قد شهدت تطورات تاريخية خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، عندما اكتسبت الشراكة السياسية والاقتصادية بين الجانبين بعدا استراتيجيا. وظلت العلاقات الشخصية بين العاهل السعودي آنذاك الملك "عبدالله" والرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"دافئة وحميمية، حيث منحت الحكومة السعودية الأخير جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام.

ثم جاء الربيع العربي ليضع القوتين على مفترق طرق، حيث دعمت تركيا القوى الثورية وخاصة الإسلاميين السياسيين في المنطقة، ضد قوى الوضع الراهن والأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط التي قادتها المملكة العربية السعودية. ومع ذلك، لم يحدث قط صدع حاسم بسبب هذا الخلاف بسبب اشتراك أنقرة والرياض في وجهات النظر تجاه إيران وتورطها في سوريا. وفي نهاية المطاف، تم حل المأزق في العلاقات الثنائية الناشئ عن الدعم السعودي للانقلاب في مصر، حيث صعد الملك "سلمان" إلى العرش وجدد الطرفان شراكتهما مع دعم تركيا الكامل للحملة العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن.

وفي حين أدى التدخل العسكري الروسي في الحرب الأهلية السورية إلى ميل ميزان القوى لصالح الحكومة بقيادة "الأسد" بشكل حاسم، لم يعد المتغير الهيكلي الوحيد الذي أبقى الأتراك والسعوديين سويا قائما. وأدى قرار المملكة إلى جانب الإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر بمقاطعة قطر في يونيو/حزيران 2017، والإرسال اللاحق للأفراد العسكريين الأتراك للدفاع عن الأخيرة، إلى نشوء توترات سياسية بين تركيا والسعودية.

ما بعد "خاشقجي"

ثم جاء مقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" في القنصلية السعودية في إسطنبول ليكثف هذا التوتر. وأوضحت الاستراتيجيات التي اتبعتها الحكومة التركية خلال زخم قضية "خاشقجي" رغبتها في التصعيد ضد نظام الحكم الحالي في السعودية بقيادة ولي العهد "محمد بن سلمان". وكان تسريب المعلومات "بالقطارة" إلى وسائل الإعلام ضامنا لبقاء قصة "خاشقجي" حية بين الجمهور العالمي الذي واصل الضعط على السعودية. وكانت الاستراتيجية تركيا تهدف خلق ضغط كافٍ على العاهل السعودي "سلمان"، وحلفاء السعودية الرئيسيين في جميع أنحاء العالم، وخاصة الولايات المتحدة، لقصقصة أجنحة ولي العهد "محمد بن سلمان" على الأقل، إن لم يكن إزالته من السلطة تماما.

وفي حين حافظ ولي العهد على قبضته على السلطة، اتخذ رد الفعل السعودي اللاحق تجاه تركيا أشكالا متعددة. ومع صعود القومية المفرطة في المملكة، كان المشهد الإعلامي في البلاد بمثابة مسرح للأداء السياسي. ويبدو أن تركيا أصبحت الآن عاملا مهما للغاية في هذا المد القومي المستمر في المملكة. وظهرت مجموعة كبيرة من المقالات السعودية باللغة العربية وكذلك مقالات في وسائل الإعلام السعودية الناطقة باللغة الإنجليزية تحث السائحين على مقاطعة تركيا، على أساس أن البلاد غير آمنة للسعوديين. وكانت الدعوات لتجنب تركيا مصحوبة بنصائح لعطلات بديلة في اكتشاف المملكة نفسها، إلى جانب الدول الإسلامية الأخرى.

وجاء أعلى تأييد لحملة "مقاطعة تركيا" عندما رفض حاكم الرياض في مقطع فيديو شهير قبول قدح من القهوة التركية المقدمة له. ويشير هذا أيضا إلى تشجيع إظهار العداء المناهض للأتراك بشكل عام وتقديره داخل الدوائر الملكية. كما تشن السعودية حملة خفية على الجبهة الاقتصادية، حيث حذر رئيس غرفة التجارة والصناعة في الرياض السعوديين من ممارسة الأعمال التجارية في تركيا بسبب مخاطر الاستثمار والوضع الأمني ​​المتقلب، على حد قوله.

وتبدو الحكومة التركية على علم بهذه التكتيكات السعودية، وحاولت نزع فتيل الموقف من خلال تقديم غصن الزيتون. لكن هذه التدابير سقطت مرة أخرى في فخ التقدير الخاطئ لديناميكيات القوة في المملكة والأهداف السعودية الاستراتيجية. وقد كتب "ياسين أقطاي"، مستشار الرئيس التركي، الذي ألقى اللوم علنا على ولي العهد السعودي في مقتل "خاشقجي"، رسالة مفتوحة مؤخرا إلى الملك "سلمان"، في صحيفة "يني شفق" المؤيدة للحكومة التركية.

وفي ما بدا أنه رسالة شبه رسمية من الجانب التركي، أوضح "أقطاي" أن تركيا لا تحمل أي إرادة سيئة تجاه الملك السعودي، وأنها تريد فقط إقامة العدل في قضية خاشقجي، "حتى لو كان ينطوي على معاقبة الأحباء"، في إشارة مبطنة لولي العهد. وكانت النقطة الأخرى البارزة في رسالة "أقطاي" هي الاحتجاج الخفيف على المعاملة السعودية للشخصيات الدينية الإسلامية. ومرة أخرى، حاول الجانب التركي إثارة الخلاف في صفوف السعوديين، وتمييز الملك عن ابنه. وجاء الرد السعودي على خطاب "أقطاي" من خلال مقال كتبه الصحفي السعودي "جميل الذيابي" المتصل جيدا بدائرة الحكم السعودية انتقد فيه الدوائر الحكومية التركية بسبب حلمها بـ"الخلافة" وسبب تدخلها المزعوم في الشؤون الداخلية للمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول العربية.

وعلى هذه الخلفية، لم يساعد قرار الرئيس "أردوغان" بعدم المشاركة في قمة منظمة المؤتمر الإسلامي لعام 2019 في مكة، حيث كان من المفترض أن يسلم رئاسة المنظمة للسعوديين، في حل الأمور. ورغم محاولة "أرددوغان" تخفيف الأجواء بإرسال تهاني العيد إلى الملك "سلمان" في محاولة لفتح خط اتصال شخصي مع العاهل السعودي، فإن مناورته لم يكتب لها النجاح حيث تواصل السلطات السعودية اتخاذ خطوات ضد تركيا. وكان آخرها فرض حظر مؤقت على الصادرات التركية من دخول الموانئ السعودية، بالإضافة إلى مذكرة تم إرسالها إلى مختلف الدوائر الحكومية للنظر في طبيعة وحجم الاستثمارات السعودية في تركيا.

ومن الواضح أن العلاقات السعودية التركية لم تتعافَ من آثار قضية "خاشقجي"، ويبدو أن الدورة السياسية التي بدأتها تلك الحلقة لم تنته بعد. وفي الوقت الذي تتحدى فيه المعارضةموقف الرئيس "أردوغان" بعد انتصاراتها الأخيرة في الانتخابات المحلية، تواصل السعودية استخدام الأصول المختلفة ضمن ترسانتها الاقتصادية في محاولة لإضعاف الرئيس التركي. وسوف يزيد قرار تركيا بترقية وجودها في قطر إلى قاعدة عسكرية كاملة من شعور الرياض بالتهديد. وفي ضوء ذلك يبقى التقارب بين البلدين بعيد المنال ما لم يحدث تحول جوهري في الموقف التركي تجاه جماعة الإخوان المسلمين أو تغيير زلزالي في السياسة التركية، أو حدوث تغيير في بنية السلطة السعودية هو ما لا يبدو مرجحا في الوقت الراهن.

المصدر | كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية