السبت 14 سبتمبر 2019 02:04 م

منذ الانتفاضات العربية، تحرك مركز الثقل في الشرق الأوسط نحو الخليج. وقد اكتسبت الدول الأعضاء بمجلس التعاون الخليجي دورا بارزا في المنطقة، وغالبا ما كان لذلك آثار كبيرة على المصالح الاقتصادية والسياسية الأوروبية. وكان النشاط المنفرد لكل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، إلى جانب المنافسة الشرسة بين التحالف السعودي الإماراتي من جهة وقطر من جهة أخرى، عوامل حاسمة في الصراعات في المنطقة.

ولهذا السبب، راقب صانعو السياسة عن كثب ظهور خلاف واضح بين السعودية والإمارات، وكذلك المحاولة الظاهرية للتقارب بين السعودية وقطر خلال الأسابيع الأخيرة. وخلق حدثان رئيسيان الانطباع بأن الخليج ربما وصل إلى نقطة تحول رئيسية. ووقع الحدث الأول في أواخر أغسطس/آب، عندما هاجمت الطائرات الحربية الإماراتية القوات الموالية للرئيس اليمني "عبدربه منصور هادي" المدعوم من السعودية في عدن. وجاء الحدث الثاني بعد أيام قليلة، عندما أفادت وسائل الإعلام في الخليج أن الرياض والدوحة قد تبادلتا الرسائل، بوساطة كويتية، للمرة الأولى منذ شهور.

وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فقد تعيد تشكيل المشهد السياسي الإقليمي بشكل كبير. وسوف يتردد صدى أي نزاع كبير بين الرياض وأبوظبي في ملفات مثل الحرب المدمرة طويلة الأمد في اليمن، والتصعيد مع إيران، والصراع الليبي، وعملية السلام في الشرق الأوسط، وحصار قطر وغيرها من الملفات. ومنذ عام 2015، تحركت السعودية والإمارات مدفوعتين بنهج مشترك يهدف إلى مواجهة الحركات السياسية العابرة للحدود. ومع شعور العديد من القوى بالقلق حول الآثار المدمرة التي خلفها التحالف السعودي الإماراتي، قد تحرص بعض الجهات الإقليمية والعالمية على رؤية بعض المسافة بين الرياض وأبوظبي.

غياب الوفاق

لكن الدولتين لم تكونا دائما على وفاق دائما في جميع المسائل الإقليمية. وأصبحت الاختلافات بينهما أكثر وضوحا خلال الفترة الأخيرة. وفي حين دعمت الإمارات بقوة حملة "أقصى ضغط" التي شنها البيت الأبيض ضد إيران منذ عام 2016، فيبدو أنها الآن تعدل عن موقفها. وفي يوليو/تموز، زار وفد من خفر السواحل الإماراتي طهران لمناقشة الأمن البحري مع نظرائهم الإيرانيين. وكانت الإمارات أقل صرامة من السعودية في قطع جميع التبادلات الاقتصادية مع إيران.

وفي هذه الأثناء، أعلنت الإمارات أنها ستسحب قواتها من اليمن بعد أن قاتلت لمدة 4 سنوات إلى جانب السعودية ضد الحوثيين الذين تعتبرهم المملكة ووكلا لإيران وقد أعلن الحوثيون أنهم سيتوقفون عن استهداف الإمارات بهجمات الطائرات بدون طيار والصواريخ. وبعد أن حول الوكلاء الإماراتيون في جنوب اليمن أسلحتهم باتجاه قوات "هادي" سعيا لتحقيق طموحاتهم الطويلة من أجل الاستقلال، طار ولي العهد الإماراتي "محمد بن زايد" إلى الرياض لإيجاد حل تفاوضي، وبعد ذلك أرسل دعما جويا إلى عدن. وقد أظهرت هذه استعداد الإمارات لتسريع ظهور حرب أهلية جديدة داخل الحرب الأهلية في اليمن، مما زاد المخاوف السعودية والعمانية حول أجندة الإمارات المزعومة لتثبيت نفوذها في المنطقة.

ومع ذلك، في الوقت الحالي، لا يبدو أن الإمارات تتحرك لإعادة تحديد موضعها أو الخروج نهائيا خارج محور المملكة العربية السعودية. وبدلا من ذلك، يبدو أن الإجراءات التي اتخذتها أبوظبي مؤخرا تهدف إلى احتواء العواقب المدمرة المحتملة لعمليات التقدير الخاطئة والطموح المفرط.

وحسبت أبوظبي والرياض منذ فترة طويلة أن حملة "أقصى ضغط" الأمريكية -إلى جانب وجود رادع عسكري موثوق- سوف تضعف النظام في طهران بسرعة نسبية. ولكن في الواقع، أظهر النظام الإيراني مرونة من خلال تهديد أهم أصول الإمارات، وهو أمن الملاحة التجارية في المنطقة الذي تعتمد عليه الإمارات لتصدير طاقتها ودعم جدول أعمالها الاستراتيجي طويل الأجل، وذلك من خلال الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات بدون طيار.

وقد تسببت احتمالية حدوث المزيد من التصعيد، بالإضافة إلى تزايد عدم اليقين بشأن جدية الولايات المتحدة في تقديم الضمانات الأمنية لحلفائها، تسببت في حصر الإمارات في وضع غير مستقر. وسوف تعزز الإقالة الأخيرة لمستشار الأمن القومي الأمريكي "جون بولتون"، وهو من صقور ملف إيران، اعتقاد حكومات الشرق الأوسط بأن البيت الأبيض لا يعتبر الردع العسكري حجر زاوية في سياسته تجاه إيران.

وتشعر أبوظبي بالقلق بشكل خاص من الإمارات الأضعف، التي يبدو أنها تجذب اهتماما خاصا من قبل طهران. وتشمل هذه الإمارات دبي والفجيرة التي شهدت هجمات الناقلات. وتعتبر كلا الإماراتين التجارة البحرية والعلاقات الاقتصادية الأخرى مع إيران حيوية شكل خاص. وتدفع هذه المخاوف أبوظبي لاتخاذ تدابير لاحتواء التصعيد مع إيران. وفي حين أن لدى السعودية مخاوفها الخاصة بشأن التصعيد، فإن طبيعة الإمارات كدولة صغيرة تسهل لها اتباع سلوك سياسي أكثر قابلية للتكيف.

خيارات الرياض

وقد أثارت التحركات الأخيرة لدولة الإمارات اتهامات بالخيانة من بعض الأفراد في السعودية، وخاصة من أعضاء دائرة صناعة القرار في السياسة الخارجية، الذين يلومون التحالف السعودي الإماراتي على الكثير من إحفاقاتهمم السياسية. ومن هذا المنظور، يمكن لجهود السعودية لإعادة فتح الحوار مع قطر أن تظهر أن لديها خيارات تتجاوز تحالفها مع البحرين ومصر والإمارات.

وعبرت رسالة الرياض إلى الدوحة عن رغبتها في إعادة فتح المناقشات الثنائية حول إنهاء أزمة مجلس التعاون الخليجي. وقد استقبل المسؤولون الأمريكيون البادرة بشكل جيد، وشجعوا من التبادلات بين الجانبين. وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" كان قد وافق مبدئيا على محاولة السعوديين عزل قطر دبلوماسيا واقتصاديا في يونيو/حزيران 2017، إلا أن المسؤولين الأمريكيين يعتقدون أن الصدع بين دول مجلس التعاون الخليجي سيقوض الجهود الأمريكية لمواجهة إيران. وأصبح هذا الاعتقاد أقوى في العامين الأخيرين حيث واصلت الولايات المتحدة جهودها لتخفيض صادرات الطاقة الإيرانية، التي تتقاسم مع قطر السيادة على أكبر مصدر للثروة في البلاد، وهو حقل الشمال، أو حقل "جنوب بارس"، للغاز البحري. ولا يزال الممر البحري بين قطر وإيران مسارا آمنا للناقلات الإيرانية.

ومع ذلك، لا يزال حل الأزمة الخليجية مسألة معقدة. ومع اقتناعا بأنها نجحت في التغلب على التهديدات الناشئة عن الأزمة، فإن قطر ليست مستعدة للخضوع للمطالب الـ13 التي تلقتها من السعودية والإمارات، إلى جانب مصر والبحرين، في مقابل المصالحة. ومن غير المرجح أن تتنازل السعودية عن مطالبها حتى لا تظهر بموقف ضعيف، خاصة في ظل قيادة ولي العهد "محمد بن سلمان". علاوة على ذلك، تحتفظ السعودية بنفس المصالح الاستراتيجية مع الإمارات التي دفعتها إلى إقامة التحالف مع "محمد بن زايد". ونظرا لأنها لا تزال تشعر بالقلق إزاء إيران، وتنشط في العديد من المسارح الإقليمية، خاصة ليبيا، لا تزال الإمارات حريصة على الحفاظ على دعم السعودية كقوة إقليمية كبرى. ولا يزال بإمكان السعودية الاستفادة من القدرات الدبلوماسية لدولة الإمارات وإمكاناتها الاستراتيجية. ولأجل كل هذه الأسباب، ربما تتعرض الديناميات التي شكلت الشرق الأوسط في الأعوام القليلة الماضية لضغوط، لكنها لا تزال بعيدة عن الانهيار.

المصدر | سينزيا بيانكو - المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية